|
جمعة الحلفي
فواتير قديمة
العدد ( 721)
الخميس 2/6/2011
عندما تسلّم صدام ورهطه، دفة السلطة في العراق عام
1968 ، كان عمر الدولة العراقية المعاصرة 46 سنة، أي أنها كانت في مرحلة
الكهولة، قياساً بأعمار البشر. وكان بإمكان صدام، لو أنه كان بشراً، أن
يضفي على كهولة الدولة العراقية مزيداً من الوقار والاحترام والحكمة، لكي
تواصل تجددها وتكتسب هيبتها واحترامها مثل باقي دول العالم، إلا أنه لم
يفعل ذلك بل أعاد هذه الدولة، إلى أسوأ ما في مراحل المراهقة والصبيانية.
وبدلاً من أن يجعلها "سيدة" الدول في المنطقة، بتاريخها العريق وثرواتها
المادية ومكانتها الوطنية، حولها إلى ما يشبه قاطع طرق يخشاه ويتجنبه
الجميع.
ومنذ رحيل نظامه المقبور الى غير رجعه في نيسان العام 2003 وحتى اليوم يدفع
العراقيون فواتير وآثار وتبعات سياسة صدام تارة على شكل أعمال عنف وإرهاب
لم تتوقف تشنها مجاميع مسلحة من ذيول البعث وأعوانه بالتنسيق والتعاون مع
منظمات الارهاب والجريمة المنظمة، وتارة أخرى على شكل بنية تحتية مدمرة
ومنهارة لا تزال تطفح منها مجاري المياه الآسنة، وثالثة على شكل ديون
وتعويضات مالية باهظة أرهقت البلاد منذ غزو الكويت في العام 1990 وحتى الآن.
ولو أمعنا النظر اليوم في الأسباب والدوافع والعوامل التي تقف وراء التعثر
المستمر في علاقات العراق مع جيرانه وبالأخص مع الكويت لوجدنا أن أصلها
وفصلها يعود الى الحقبة السوداء تلك. لذلك كنا ولا نزال نحتاج الى الكثير
من الجهد الدبلوماسي ولغة الحوار وصفاء النوايا لإزالة كل ما يسمم العلاقات
العراقية مع الكويت ومع غيرها من دول الجوار على قاعدة الاحترام المتبادل
للسيادة الوطنية وحسن الجوار والرغبة المخلصة في معالجة ملفات الخلاف
العالقة بعيدا عن التهديدات والعنتريات التي أوصلت العراق في زمن الطاغية
الى ما أوصلته إليه.
وبلا شك أن مثل هذا الجهد ليس مطلوبا من العراقيين وحدهم إنما من الكويتيين
أيضا ممن لا تزال الاحقاد والضغائن تملأ قلوبهم على العراق والعراقيين من
جراء الغزو وآثاره. ومثلما نريد من الكويتيين أن يدركوا بأن من غزاهم ودمر
بلادهم هو صدام ونظامه وليس الشعب العراقي علينا نحن العراقيين أن ندرك
كذلك بأن هذا الكلام الذي نردده دائما على مسامع الكويتيين لا يكفي وحده
لعلاج جروح الماضي الغائرة في النفوس ذلك أن من غزا الكويت لم يكن الشيخ
جابر بل طاغيتنا، ومن استباح البلاد والعباد وساق الناس إلى السجون
والمعتقلات لم يكن سعد العبد الله بل علي كيمياوي، ومن أحرق وخًرب ودمًر
وبشًع، لم يكن حسين عبد الرضا بل حسين كامل، ومن نهب وسلب وأسرى بالغنائم
نهارا جهارا، لم يكن عوض دوخي بل عدي وحاشيته
أبو سرحان
العدد ( 716)
الخميس 26/5/2011
في صيف العام 1982 هاجمت اسرائيل لبنان وأجتاحت
الجنوب ووصلت العاصمة بيروت فطوقتها ونشبت حرب طاحنة بين القوات الغازية من
جهة والمقاومة الفلسطينية واللبنانية من الجهة الأخرى.
وتمكن المئات من العراقيين الذين كانوا يقيمون في لبنان من الفرار نحو
سوريا. واستقبلنا نحن سكنة الشام في بيوتنا عوائل الأصدقاء الفارين
بأرواحهم وأطفالهم وما خف حمله من أغراضهم الشخصية.
كان هناك طريقان من بيروت الى دمشق الأول يتخذه العراقيون والفلسطينيون
عادة وهو يمر بجبل الدروز ويسمى طريق بحمدون. والثاني يتجنبه الجميع لأنه
يخترق منطقة الكتائب اللبنانية ويسمى الكحالة وكان هذا الطريق خطرا اصلا
بسبب الحرب الأهلية التي كانت دائرة آنذاك وإزداد خطورة بعد أن تحالفت
الكتائب مع القوات الاسرائيلية الغازية.
في زحمة الاضطراب والخوف من دخول القوات الاسرائيلية الى بيروت اضطر ثلاثة
من بين المئات من العراقيين الى اختيار طريق الكحالة في هروبهم نحو دمشق
لكنهم لم يصلوا هدفهم على الاطلاق فقد اعتقلوا على حاجز مشترك للقوات
الاسرائيلية وقوات الكتائب. كان واحدا من الثلاثة هو الشاعر الغنائي الرقيق
أبو سرحان "ذياب كزار" الذي افتقدناه منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم ولم يعثر
له على أثر أو قبر.
بذلنا جهودا كثيرة بمساعدة قادة ورجال سياسة وإعلاميين لبنانيين من أجل
معرفة مصير أبو سرحان لكنها فشلت كلها وقد تأكد لنا أنه لم يعد على قيد
الحياة.
الرواية التي حاولنا عدم تصديقها زمنا طويلا عن مصير أبو سرحان ورفيقيه
كانت تقول أنهم اعدموا فبعد مقتل زعيم الكتائب بشير الجميل الذي نصبته
اسرائيل رئيسا للجمهورية بعد غزوها للبنان أقدمت قوات الكتائب على حملة
تصفيات دموية للمعتقلين في سجونها انتقاما لمقتل الجميل. وكان هؤلاء
بالالاف بينهم فلسطينيون ولبنانيون وعراقيون. وكان أبو سرحان ورفيقاه من
ضمن الذين جرت تصفيتهم.
قبل الاجتياح الاسرائيلي كان أبو سرحان ينتظر رؤية زوجته وطفلته التي ولدت
في بغداد بعد رحيله الى لبنان هربا من بطش النظام الدكتاتوري. وظل ينتظر
طويلا هذا اللقاء من دون جدوى فقد كانت زوجته ممنوعة من السفر خارج العراق.
ومن شدة حنينه وشوقه إليهما تدهورت صحته النفسية والجسدية واصابه الهزال.
فقد كان لا يأكل إلا القليل ويسهر الى ساعات متأخرة من الليل دواؤه يعوض
حنينه لابنته بشراء هدايا وألعاب ويذهب ليقدمها لأطفال أصدقائه من
العراقيين في لبنان.
في كل مرة كنت أزور فيها بيروت كان أبو سرحان يحرص على استقبالي في شقته
الصغيرة في أحدى بنايات منطقة الفاكهاني وهي المنطقة التي كان يقطنها
غالبية العراقيين المقيمين في لبنان. وكنت أعرف سبب هذا الحرص من جانبه فقد
كانت زوجته زميلة لنا في صحيفة طريق الشعب قبل أن نهرب من العراق وكان أبو
سرحان يجد في وجودي معه حضورا وهميا لها ولذكراها وفرصة للحديث عنها وعن
طفلته التي كانت تؤرق حياته. كانت السهرة تبدأ بالذكريات والحنين لتنتهي
بالبكاء في آخر الليل.
كنت أسأل أبو سرحان لماذا كف عن كتابة الشعر وهو في حالة الوجد تلك وكان
يقول لي أن قصيدته الوحيدة التي ينتظر كتابتها هي لقاؤه المرتقب بعائلته
الصغيرة التي بقيت في بغداد.
خسرأبو سرحان حياته كلها في تلك المصادفة المشؤومة قبل أن يرى عائلته التي
انتظرها طويلا وكاد يموت من شوقه إليها وخسرنا نحن أعذب شاعر صادفته في
حياتي. كتب أبو سرحان أرق القصائد الغنائية التي لا تزال تحتفظ بها ذاكرة
العراقيين ممن عايشوا فترة السبعينيات أو تواصلوا معها بعد ذلك. وقد تكون
أغنية "الكنطرة" أشهر هذه الأغاني. وهي من تلحين الفنان كوكب حمزة وغناها
سعدون جابر وعدد آخر من المطربين. تقول بعض كلماتها:
حَـدْرْ التَـراچي بَردْ والگـنْـطَرَة بْـعيدَة
أمْشي وَاگولْ وْصَلِتْ والگـنْـطَرَة بْـعيدَة
نَـگـضْـني مَشيِّ الدربْ والشوگ هَـزْ الگلبْ والگـنْـطَرَة بْـعيدَة
أيام زمان
-2-
العدد ( 701)
الخميس 5/5/2011
في ربيع العام 1972 سألني المحقق في مديرية الأمن
العامة، عن النشاط السياسي لعائلتي، وعندما علم بإن أخي الأكبر كان مسجوناً
بتهمة الدفاع عن الأكراد وكوردستان، مد يده إلى أذني وعقصها بقسوة وهو يردد
بسخرية: أهل العمارة وين وأهل السليمانية وين؟ وعندما أتذكر اليوم، بعد نحو
أربعين سنة، عقصة ضابط الأمن تلك، أشعر بألم في أذني اليسرى، مثلما أشعر
بالتقزز من روح التعصب والحقد والتعالي، التي كانت تعاملنا بها نحن
والأكراد، حكومات الأوباش تلك.
بعد انتهاء جلسة التحقيق، التي حفلت بالإهانات والضرب والركل، أعادوني إلى
قاعة المعتقل، وكنتُ حزيناً ومهزوماً، فكان (كاكه حسن) أول من استقبلني عند
الباب الحديدي. أخذ بيدي إلى زاوية القاعة وراح يمسح الكدمات في وجهي
بقماشة مبلولة بالماء.
كان (كاكه حسن) معتقلاً في قصر النهاية قبل أن يأتوا به إلى الأمن العامة،
اثر إغلاق ذلك القصر المشؤوم، بعد وقوع ما يسمى بـ (مؤامرة ناظم كزار) مدير
الأمن العام ، وادعاء النظام بأنه لم يكن على دراية بالجرائم التي كانت
ترتكب فيه. وحين وزعوا سجناء القصر على المعتقلات الأخرى، كانت حصتنا نحو
عشرة معتقلين، كان من بينهم (كاكه حسن) أستاذ الجغرافيا في إحدى ثانويات
أربيل.
عندما جاءوا به من قصر النهاية بقي (كاكه حسن) أياماً عدة مرتاباً بمن حوله،
لا ينطق بحرف ولا يكلم أحداً، جرّاء حالة الخوف والاعتياد على الصمت. فقد
قال لي يوماً، بعدما انفكت عقدة لسانه، أنه بقي سنة ًكاملة،ً يقبع في
زنزانة ضيقة ومظلمة، لم ينطق خلالها كلمة واحدة ولم يرَ بشراً، حتى تحوّل
الصمت لديه إلى ما يشبه العادة أو المرض. وعندما نجحنا، أنا وصديق آخر، في
فك عقدة لسانه وإعادته إلى حالته الطبيعية، شعرنا، بعد أيام، بالندم على
فعلتنا تلك لأننا لم نستطع، بعد ذلك، إيقاف (كاكه حسن) عن الكلام لا في
الليل ولا في النهار.
وخلال شهرين تقريباً، درست على يد (كاكه حسن) كل صغيرة وكبيرة عن حياة
الشعب الكوردي ونضالا ته وتضحياته وعاداته وتقاليده وقصصه وحكاياته، بما في
ذلك تلك القصة المدهشة عن رحلة الملاّ مصطفى البارزاني، إثرانهيار جمهورية
مهاباد في العام 1946 هو وخمسمائة من رفاقه ومقاتليه، من حدود إيران حتى
حدود الاتحاد السوفييتي، مشياً على الأقدام في عز الشتاء والبرد والأمطار
والثلوج والقحط والجوع والعطش.
الشيء الوحيد الذي لم يستطع (كاكه حسن) تعليمي إياه، هو اللغة الكوردية،
فقد كنا، يوم ذاك، نعتقد أن لغة المستقبل، التي يجب أن نتعلمها قبل أية لغة
أخرى، هي الروسية، أو السوفيتية، أي لغة الاشتراكية والشيوعية، التي ستعم
العالم، من أقصاه إلى أقصاه، بين ليلة وضحاها، لكننا للأسف سرعان ما خُذلنا،
ليس باللغة وحدها إنما بالاتحاد السوفيتي نفسه وبالاشتراكية التي كنا نأمل
بانتصارها غداً.
عندما أُطلق سراحي من معتقل الأمن العامة بقي (كاكه حسن) هناك. ولا أزال
أتذكر كيف ودعني وهو يضحك ويبكي في آن واحد، وكانت وصيته لي، قبل أن
يقبّلني على جبيني: أرجوك كاكه جمعة أذهب إلى كردستان كي تتأكد أن ما يربط
الأكراد بالعرب أقوى من دعايات البعثيين والحكومة
أيام زمان
العدد ( 697)
الاربعاء 28/4/2011
استهوتني الكتابة عن أيام زمان. ونشرت في هذه
الزاوية ستة مقالات تحت عنوان تحولات شارع مريدي وتوقفت لأنني لا أعرف إن
كانت أعجبت القاريء أم لم تعجبه. في هذا المقال سأواصل الكتابة عن تلك
الأيام الخوالي حتى يقول لي الزميل عبد الهادي مهودر: كافي عاد.
في خريف العام 1961 حكمت محكمة الرصافة في بغداد، على شقيقي الأكبر، بالسجن
ثلاث سنوات، بتهمة الدفاع عن "السلم في كردستان". كان عمري، يوم ذاك، أقلَّ
من عشر سنوات، لكنني أتذكر كيف كانت أمي تندب حظها العاثر وتولول أثناء
صلاة المغرب وهي تردد بصوت خافت: اللهمَّ انصر عبد الواحد
والأكراد على الحكومة.
وعبد الواحد هو شقيقي، الذي حكمت عليه محكمة الرصافة بالسجن لأنه كان من
المشاركين في الحملة، التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي للتضامن مع الشعب
الكردي، تحت شعار (السلم في كوردستان).
في بداية كل شهر كنا، أمي وأنا وأحياناً بعض أخوتي، نذهب لزيارة عبد الواحد
في معتقل الفضيلية القريب من قناة الجيش شرق بغداد، ونأخذ له معنا، في كل
مرة، صرراً محشوة بالفواكه والتمر والخبز، مع (صفرطاس) من أربع طبقات مليء
بالرز العنبر والباميا والفاصوليا اليابسة، المطبوخة باللحم. نفترش مع أخي
جانباً من ساحة المعتقل، الفسيحة المبلطة بالإسفلت، يحيط بنا، من كل جانب،
بقية المعتقلين وزوارهم، مع حشد من الأطفال والصبيان، الذين يجلسون بين
أهاليهم بكل تهذيب، خوفاً من رجال الشرطة الذين يشرفون، من أسوار المعتقل
العالية، وهم يصوبون بنادقهم نحونا.
كنتُ اسأل أخي عبد الواحد، السؤال ذاته، كلما زرناه في معتقل الفضيلية (ماذا
فعلت حتى حبسوك؟) وكان يجيبني بابتسامة عابرة وهو يربت على كتفي:
(عندما تكبر ستعرف لماذا حبسوني).
بعد ثلاث سنوات كبرتُ قليلاً لكن أخي عبد الواحد لم يخرج من السجن كما كان
متوقعاً بل أصبحت زياراتنا له في المعتقل صعبة ومتباعدة، وعندما سألت أمي،
يوماً، عن السبب، لم تجبني بل أشاحت بوجهها عني وبكت وهي تولول:
اللهّم انصر عبد الواحد والأكراد على البعثيين.
بعد أن خرج عبد الواحد من السجن، في خريف العام 1968 كان البعثيون قد جاءوا
إلى السلطة مرة ثانية وكنتُ كبرتُ بما يكفي لمعرفة الأجوبة المطلوبة عن تلك
الأسئلة الطفولية، لكن أخي عبد الواحد كان قد تهدم جسداً وروحاً ولم يعد في
وارد أن يخبرني لماذا حبسوه كل هذه السنوات لمجرد أنه كان يدافع عن السلم
في كردستان. ومع أنه كان قد طلّق السياسة، منذ خروجه من السجن، طلقة بائنة،
وانهمك بتدبير لقمة العيش لنصف دزينة من بناته الصغيرات، إلا أن ذلك لم
يوقف مضايقات الحكومة له ولم يبدد شكوكها، التي ظلت تحوم حوله، لمجرد أنه
أطلق على ولده البكر اسم (سلام) وبقي يحتفظ بشاربه الستاليني الغليظ، الذي
كان يميز الشيوعيين العراقيين عن سواهم من خلق الله
تحولات شارع مريدي
- الأخيرة-
العدد ( 692)
الخميس 21/4/2011
علمنا بوقوع "مؤامرة" ناظم كزار مدير الأمن العام
فجر الثلاثين من حزيران 1973 قبل أن تعلن عنها السلطة في اليوم التالي.
كانت الساعة في حدود الثالثة فجرا عندما صحونا جميعا على صرير الباب
الحديدي وهو يفتح. دفع الحراس برجل عجوز الى داخل المعتقل وأقفلوا الباب
خلفه. تفحصنا القادم الجديد بشيء من الحيرة والتساؤل: فمن يكون هذا الرجل
الطاعن بالسن الذي جاءوا به معتقلا في مثل هذه الساعة؟
لم يكن الرجل وحده أوساعة اعتقاله مصدر الحيرة والتساؤل إنما القصة التي
رواها لنا. قال، بعد أن التف حوله المعتقلون وشعر بالأمان: "أنا من منطقة
زرباطية. قبل ساعات من الآن توقفت عند منزلي في الصحراء سيارات كثيرة سوداء
اللون فيها العديد من الرجال المسلحين بالرشاشات والمسدسات. سألوني عن
الطريق المؤدية الى الحدود الايرانية فأشرت عليهم وذهبوا مسرعين.
ثم بعد ساعة جاءت سيارات أخرى ونزل منها عساكر ومدنيون مسلحون تبعتهم طائرة
هليوكوبتر هبطت قرب منزلي. وسألني هؤلاء أيضا عما إذا كنت رأيت أحدا مر من
هنا. فقلت لهم نعم وذهبوا باتجاه إيران فلحقوا بهم. أما أنا فقد أركبوني
الطائرة وجاءوا بي الى هنا..ما هو أسم هذا المكان؟ سألنا بدوره فقلنا له
هذه هي مديرية الأمن العامة في بغداد.
كانت القصة التي رواها الرجل غريبة ومثيرة بالنسبة لنا ومما زادها غموضا أن
أحدا من المعتقلين لم يستدعى للتحقيق في ذلك النهار، كما كانت هناك طائرة
تحوم فوق بناية المديرية طوال الليل.
ما أن حل الصباح التالي حتى بدأت الأخبار تتسرب لنا عن "مؤامرة" ناظم كزار.
أول المعلومات وصلت الى جبار كردي عن طريق ضباط الأمن في الدائرة فكان أكثر
الجميع فرحا وغبطة بهذه الأنباء لأنها تعني رحيل عدوه كزار.
قصة "المؤامرة" كما رويت بعد ذلك تقول أن ناظم كزار كان يعد العدة لتنفيذ
خطة لأغتيال الرئيس أحمد حسن البكر في المطار أثناء عودته من زيارة كان
يقوم بها الى بلغاريا فقام كزار صبيحة ذلك اليوم بأستدراج كل من وزير
الداخلية سعدون غيدان ووزير الدفاع حماد شهاب والعقيد عدنان شريف قائد
الحرس الجمهوري وبعض المسؤولين والعسكريين في الدولة وكانت الذريعة أفتتاح
مبنى جديد تابع للأمن العام،، ثم قام بإحتجازهم كرهائن بعد أن وثقهم وتخلص
من حماياتهم ومرافقيهم، وفي اللحظات الأخيرة للتنفيذ أعلن عن تأخر وصول
طائرة البكر إلى بغداد لأسباب غير معلومة فأربك ذلك (كزار) مما أدى إلى فشل
العملية وأنسحاب المنفذين من المطار، ثم هرب مع مجموعته صوب الحدود
الإيرانية ليتم محاصرتهم في بناية قديمة تقع في تلك المنطقة، ومعهم الرهائن،
وفي بالنهاية تم أعتقال ناظم كزار ومن معه، بعد أن قتل حماد شهاب وأصيب
سعدون غيدان أصابة بليغة.
بعد أيام قليلة أعدم كزار ورفيقه محمد فاضل عضوا القيادة القطرية، إضافة
الى العشرات من ضباط الأمن، واطلق سراح جبار كردي فورا ولكن ليقتل بعد اشهر
وسط بغداد. وكان جبار أبلغنا قبل ليلة من "المؤامرة" وصية قال فيها حرفيا:
كنت عبــــــدا لحزب البعث ونفذت ما أمرني به وأنا نادم على كل ما قمت به.
أرجو أن تخبروا قيادة الحزب الشيوعي بندمي هذا وأنا مستعد إذا أبقاني كزار
على قيد الحياة أن اعترف بذلك أمام العراقيين جميعا
تحولات شارع مريدي
-5-
العدد ( 687)
الخميس 14/4/2011
هناك روايتان عن سبب اعتقال جبار كردي في مديرية
الأمن العامة (نهاية السبعينيات) على الرغم من أنه كان يتمتع برعاية خاصة
من جانب الرئيس أحمد حسن البكر وقياديين آخرين في حزب البعث كانوا يعدونه "بطلا"
من أبطال الحزب. فهو أحد "شقاوات" شارع الكفاح ومنطقة الفضل المعروفين كما
أنه كان عضوا في جهاز "حنين" الذي يديره صدام حسين وهو الجهاز الأمني
المسؤول عن عمليات الاغتيال وتصفية الخصوم وكسر الاضرابات.
الرواية الأولى هي المتداولة داخل المعتقل وقد سمعت بعض تفاصيلها من جبار
شخصيا خلال جلسة في "زنزانة الجواسيس" دعانا إليها أنا ورفيقي جمعة عبد
الله. تقول هذه الرواية أن خلافا نشب بين أحد أشقاء جبار وبين محمد فاضل
عضو القيادة القطرية يومذاك. وبعد أيام من هذا الخلاف قتل شقيق جبار في
ظروف غامضة فأتهم جبار كردي محمد فاضل بتدبير الحادث وهدد بقتله علنا أمام
أبناء منطقة الفضل.
وخشية من تنفيذ جبار لتهديداته لفق له محمد فاضل بالاتفاق مع مدير الأمن
العام ناظم كزار تهمة التعاون مع الحركة الكردية واستلام مبالغ كبيرة من
زعيمها الملا مصطفى البارزاني.
وروى لنا جبار كردي في تلك الجلسة كيف أن والدته وهي أمراة قوية قابلت صدام
حسين وعاتبته على اعتقاله وطلبت منه إطلاق سراحه لأنه "بريء من هذه التهمة".
فاتصل صدام بناظم كزار بحضور والدة جبار وقال له : يا أبو حرب لماذا لا
تطلق سراح هذا الرجل الذي قدم للحزب الكثير. فرد عليه كزار (والرواية لجبار
نفسه) سيادة النائب التحقيق لم ينته مع جبار وما أن ينتهي سنطلق سراحه.
أحسسنا حينها أن هذه القصة حمالة أوجه فهي قد تعني أن صدام حسين كان على
صلة بعملية اعتقال جبار بهدف التخلص منه وقد تعني أيضا أن ناظم كزار كان
قويا الى درجة يمكنه فيها أن لا يلبي طلب صدام.
كذلك روى لنا جبار قصة مماثلة عن مقابلة والدته للبكر حيث تكرر المشهد ذاته
معها.
الرواية الثانية التي سمعتها خارج المعتقل تقول أنّ الهدف من عملية اعتقال
" جبار كردي " كان حمايته شخصيا وضمان أمنه، بعد قيامه بقتل الشاب الشيوعي
" وليد الخالدي " أثناء احتفال نظمه الحزب الشيوعي في ساحة السباع القريبة
من منطقة الفضل. إذ سحبه من السيارة بنفسه وأطلق الرصاص عليه أمام
المحتفلين مثلما أطلق النار على متظاهرين آخرين .
الرواية الأولى هي الأقرب للحقيقة لأنه لو كان الاعتقال هدفه حماية جبار
وضمان أمنه لما كان يعذب ويضرب ضربا مبرحا أثناء التحقيق معه وكنت شاهدا
على ذلك. ثم أنه ظل معتقلا حتى وقعت "مؤامرة ناظم كزار" في 30 حزيران 1973
إذ أطلق سراحه على الفور. لكن هذا لا يعني أن صدام حسين كان بريئا من مكيدة
اعتقال جبار كردي فقد تمت تصفيته بعد اشهر قليلة من ذلك التاريخ في منطقة
الكرادة على يد مسلحين من بقايا جهاز "حنين" نفسه أطلقوا النار عليه من
رشاش ولاذوا بالفرار.
وصية جبار كردي التي طلب منا إيصالها الى الحزب الشيوعي ومؤامرة ناظم كزار،
في مقال الأسبوع المقبل
تحولات شارع مريدي4
العدد ( 682)
الخميس 7/4/2011
لم أكن قد سمعت باسم "جبار كردي" قبل أن يقص علي
رفيقي في المعتقل "جمعة عبد الله" حكاية هذا الرجل الغامض الذي كان يحتل
بمفرده زنزانة يسميها زنزانة الجواسيس لكي لا يشاركه فيها أحد من المعتقلين
الذين كانت تكتظ بهم بقية زنازين مديرية الأمن العامة..
في امسيات كثيرة كنا نراه يجوب باحة المعتقل الضيقة ذهابا وأيابا وهو يرتدي
طقما أسود أنيقا مع ربطة عنق حمراء وحذاء لماع. كان أحيانا ينادي على أحد
الضباط فيأتيه "ملازم نعمة" مسرعا ليلبي طلباته على الفور وغالبا ما تحتوي
الطلبات سجائر ديموريه التي يدخنها عادة ومواد غذائية للعشاء أو الفطور.
كان جبار كردي الوحيد الذي يحظى بزيارات عائلية في المعتقل ولكن بطريقة
غريبة لا تخطر على بال الشياطين. كان شقيقه الأصغر "ستار" وهو الزائر
الدائم له يقوم باختلاق شجار بالسكاكين بالقرب من مديرية الأمن فيعتقلونه
ويأتون به إلينا. يقضي ستار مع شقيقه جبار يومين أو ثلاثة ثم يطلق سراحه.
ومن خلال هذه الزيارات كان ستار يطلع شقيقه على أخبار العالم خارج المعتقل
ومنها أخبار الوساطات التي تبذل من أجل أطلاق سراحه.
في الأيام الأولى لاعتقالي "تموز العام 1973" كان حراس المعتقل ومعهم بعض
الضباط يأتون في ساعة متأخرة من الليل فيخرجون جبار كردي من زنزانته
باحترام ويصطحبونه الى التحقيق. وبعد ساعة أو ساعتين يعودون به أشبه بالجثة
وهم يسحلونه حتى باب المعتقل ويرمونه لنا. كانت لدى بعض المعتقلين مواد
للاسعافات الأولية مثل المراهم والدهون والشاش الطبي فنبدأ بتطبيب الجروح
والكدمات في جسد جبار. وفي اليوم التالي يجلس صباحا مثل الذئب وهو يعربد
ويشتم الذين حققوا معه الليلة الماضية.
في مرة من المرات جرت "حفلة التحقيق" مع جبار في الباحة الخارجية للمعتقل.
ولقربها من الزنازين فقد كنا نسمع صراخه وهو يضرب بالعصي من قبل مجموعة من
الضباط بحضور مدير الأمن العام ناظم كزار ورفيقه محمد فاضل عضو القيادة
القطرية آنذاك. كان جبار يصرخ بأعلى صوته وهو يقسم "وحق راس صدام ما قابض
من الملا فلس واحد."
في تلك الليلة بالذات علمنا أن قصة اعتقال جبار كردي مدبرة من رؤوس كبيرة
في قمة السلطة ولها صلة باتهامات لفقها له ناظم كزار ومحمد فاضل على خلفية
عداوات شخصية وعمليات قتل، وهي أنه كان يتعاون مع الحركة الكردية المناهضة
للنظام حينذاك ويستلم مبالغ كبيرة من المال من الملا مصطفى البارزاني. أما
القصة الحقيقية فهي أبعد من تلك الاتهامات الملفقة بل وأخطر منها بكثير.
وسأعود لرفيقي جمعة عبد الله وما قصه علي عن سيرة جبار كردي في مقال
الأسبوع المقبل
تحولات شارع مريدي 3
العدد ( 677)
الخميس 31/3/2011
كان "مهدي أمانة" الشاب القصير المربوع والعاطل عن
العمل من أوائل الذين أصبحوا بعثيين في قطاع 54 القريب من شارع مريدي. وكان
يجلس معنا في مقهى الميثاق وبرفقته بعض الحزبيين يقضون وقتهم بالتنصت على
أحاديثنا نحن شلة الشعراء والأدباء والمثقفين. كنا نقول عن مهدي أمانة أنه
"بعثي.. بس خوش ولد".
بعد خروجي من المعتقل زارني مهدي أمانة ليخبرني معتذرا "أنه ليس من كتب
التقرير عني إنما حزبي آخر ولم يستطع ثنيه عن ذلك". وقال مهدي أيضا "نحن
نعرف أنك لست المحرض على تخريب احتفال حزيران ولكنك كنت معروفا لنا كشيوعي
وهذا هو السبب".
قضيت في مديرية الأمن العامة نحو ثلاثة أشهر ومعي حميد الساعدي "أبن دعوتي"
الذي خرب الاحتفال في مقهى الميثاق ليلة الأول من حزيران 1973. كما التقيت
هناك رفيقا آخر هو "جمعة عبد الله" كان مسؤولا في منظمة الحزب الشيوعي في
المدينة ومتهما بجريمة قتل أحد الشيوعيين كما قيل لي حينها. وقد علمت من "جمعة"
أن الشيوعي المقتول كان قد دل رجال الأمن على وكر للحزب فيه أسلحة وتسبب
بمصادرتها واعتقال عدد من الرفاق. ولهذا السبب جرت تصفيته بتهمة "خيانة
الحزب".
كان معتقل الأمن العامة يتكون من زنازين كبيرة وأخرى انفرادية. في كل واحدة
هناك ما لايقل عن عشرين معتقلا وهو أكثر من ضعف ما تتسع له مساحتها، عدا
زنزانة واحدة فيها نزيل واحد فقط.
كلما جاء معتقل جديد تأخذه خطواته مباشرة الى هذه الزنزانة لأنها شبه فارغة
فيدخل ويجلس وبعد ساعة يتركها الى الزنازين المكتظة. كان يقال له، بعد أن
تقدم له سيجارة وينتهي من تدخينها، أن هذه الزنزانة مخصصة للجواسيس فيهرب
الضيف سريعا. كنا أنا وجمعة عبد الله على حافة الافلاس. لم يكن لدينا ما
نبتاع به السجائر وهي بضاعة تماثل الذهب في قيمتها بالنسبة للسجين، ولهذا
كان المعتقلون الآخرون "يعطفون" علينا فيزودوننا بالسجائر بين وقت وآخر.
علم النزيل الغامض في الزنزانة المخصصة للجواسيس بعوزنا وحاجتنا الى
السجائر فأرسل لنا "كلوص ديموريه" وهي من أفخر أنواع السجائر حينها. ومن
خلال الحديث الذي دار بين الوسيط الذي جلب الهدية لنا "وهو معتقل كردي من
الحزب الديمقراطي الكردستاني" وبين جمعة عبد الله علمت أن قصة زنزانة
الجواسيس مجرد نكتة مفبركة وأن نزيلها الغامض هو شخصية معروفة وقوية ولهذا
يهابها حتى ضباط الأمن فيلبون له كل طلباته وحاجاته أيا كانت باستثناء
اطلاق سراحه بالطبع.
ظل الأمر غامضا بالنسبة لي خاصة بعد أن رفض جمعة عبد الله باصرار قبول هدية
الديموريه الثمينة واعتذر للوسيط قائلا له: حتى لو متنا من الجوع لن نقبل
مساعدة من هذا الشخص. بعد مغادرة الوسيط قص علي "جمعة" حكاية نزيل زنزانة
الجواسيس
"
تحولات شارع مريدي
-2-
العدد ( 672)
الخميس 23/3/2011
عندما عاد البعثيون الى السلطة مرة ثانية في العام
1968 كانوا حفنة من الضباط وقلة من الحزبيين. وكانت عودتهم تلك مثار شكوك
وريب في الشارع العراقي بسبب تاريخهم الدموي في انقلاب 8 شباط 1963.
كانت مدينة الثورة حينذاك شبه مغلقة من الناحية السياسية للقوى اليسارية،
والشيوعيين على وجه الخصوص. لهذا كنا نتحرك في المدينة ونعقد اجتماعاتنا
الحزبية من دون خوف ما عدا الاحترازات المطلوبة في العمل السري.
بعد عام أو عامين تنبه البعثيون لأهمية المدينة كقاعدة شعبية وجماهيرية
واقعة تحت تأثير قوى معارضة لهم فباشروا بعملية تبعيث سريعة في أوساط
العسكريين والموظفين من سكنة المدينة، عبر استخدام أساليب الترغيب خاصة (مثل
منح الدرجات الوظيفية والرتب العسكرية) لأنهم لم يكونوا قد أمتلكوا بعد
القوة اللازمة لفرض سطوتهم.
وحتى ذلك الوقت كان البعض من الأصدقاء ممن بدأ البعثيون التحرك عليهم
لكسبهم يخشون الإعلان عن بعثيتهم الجديدة بل كانوا يخجلون من ذلك بسبب نفور
الناس من اسم البعث نفسه. وكان صديقنا "رحيم" يأتي الى المقهى وهو يخبيء في
جيبه كراسا صغيرا يقرأ فيه خلسة وفي غفلة عنا. وبعد اشهر عرفنا أنه كان
يقرأ في النظام الداخلي لحزب البعث. دخل رحيم، وكان عريفا في الجيش، دورة
لنواب الضباط وتسمى دورة الموس تخرج بعدها ضابطا.
في تلك الفترة عينت السلطة قائمقاما جديدا للمدينة هو رئيس محكمة الثورة
مسلم الجبوري. وكان المغزى أو الهدف من تعيين هذا الجلاد هو تأديب القوى
المعارضة للنظام التي كانت حسب تعبيره "تسرح وتمرح في المدينة من دون رادع".
وبالفعل أصدر الجبوري منذ الأيام الأولى لتعيينه أوامر باعتقال العشرات من
المعارضين الناشطين، كما بدأ بتأسيس المنظمات الحزبية في المدينة.
قبل ذلك كان لدينا مقهى شعبي نجلس فيها مساء نحن شلة من المثقفين والشعراء
المحسوبين على الحركة اليسارية، وقد أقنعنا صاحبها أن يسميها مقهى الميثاق
في إشارة الى ميثاق العمل الوطني الذي كان مطروحا للحوار بين السلطة
والأحزاب الوطنية الأخرى.
كانت المقهى تقع على طرف شارع مريدي من جانب الداخل وكان يتوافد عليه
الرواد من مختلف قطاعات المدينة. وكنا نخوض فيها نقاشات وحوارات جريئة في
السياسة والأدب. فسمع مسلم الجبوري بقصة هذا المقهى ورواده بعد حادثة وقعت
في الأول من حزيران 1973 كانت هذه الليلة تصادف ذكرى تأميم النفط وفيها
أقام البعثيون احتفالا داخل المقهى فعلقوا النشرات الضوئية والشعارات وصور
أحمد حسن البكر. وفي ساعة متأخرة جاء "حميد الساعدي" وهو أحد الشيوعيين
الذين كانوا لايطيقون أسم البعث فأختلق شجارا مع صاحب المقهى وقام بتخريب
الاحتفال.
كانت هذه الحادثة نقطة النهاية لوجود مقهى أسمها الميثاق في طرف شارع مريدي.
فقد أغلقت المقهى وأعتقل الشيوعي المتطرف وقضيت معه عدة أشهر في أقبية
الأمن العامة لأن المنظمة الحزبية اتهمتني بتحريضه على تخريب احتفالات
حزيران وتمزيق صور الرئيس البكر
تحولات شارع مريدي
العدد ( 668)
الخميس
17/3/2011
في الأخبار ان أمانة العاصمة ستقوم بإعادة إفتتاح
شارع مريدي في مدينة الصدر. الذي أغلق منذ سنوات بعد أن تعرض لضربات
إرهابية وحشية. وهذه محاولة لرصد تحولات هذا الشارع.
لم يكن شارع مريدي في أعوام السبعينات مجرد شارع بالنسبة لنا بل كان أشبه
بجادة الشانزلزيه الباريسية. كنا حشدا من الشعراء والأدباء والمثقفين من
أبناء المدينة يسكن البعض منا في الداخل والبعض الآخر في الجوادر وكان شارع
مريدي الفاصل بين القطاعين.
كان علينا في كل ليلة تقريبا أن نتزاور ونلتقي فنذهب تارة الى النواحي التي
يسكن فيها عريان السيد خلف وكاظم أسماعيل الكاطع وكريم العراقي وأخرى نذهب
الى حيث يسكن عبد الله صخي وفاضل الربيعي وحميد قاسم وكاظم الحميري وكان
شارع مريدي طريقنا في الذهاب والإياب. في منتصف شارع مريدي من جهة الداخل
كان يسكن صديقنا هاشم مجلي. وفي ليلة الأول من ايار 1973 تزوج هاشم وفي
ليلة عرسه ذاتها تم اعتقالي. كنا المجموعة نفسها نحيي حفلة صديقنا هاشم في
غرفة داخل منزله وكانت حفلة العرس الرسمية مقامة في الشارع العام.
قبل هذا التاريخ بأسبوع تداولت المدينة أنباء عن تعيين "جلاد" محكمة الثورة
مسلم الجبوري قائمقاما لمدينة الثورة. وبالترافق مع هذه الأنباء تسربت
شائعات تقول أن هناك قائمة بأربعين شخصا "معارضا للنظام" مطلوب أعتقالهم.
وتؤكد الشائعات أن الشاعر كاظم الحميري "الذي أعدمه النظام بعد ذلك بسنوات"
على رأس تلك القائمة. كانت هذه الأنباء والشائعات موضوع السهرة في عرس هاشم
مجلي في شارع مريدي. قال عريان السيد خلف ناصحا ومازحا مع الحميري"عليك أن
تأكل جيدا لأن العشاء في الأمن العامة يقدم في الخامسة عصرا".
بعد ربع ساعة دخل علينا صديق وقال لي هناك من يسأل عنك خارج المنزل. خرجت
فأمسك بي ثلاثة أشخاص قالوا لي:" أنت جمعة الحلفي ..تفضل معنا". أخذوني
مخفورا الى قائمقامية المدينة ورموني في غرفة ضيقة وجدت فيها رجلا آخر كان
معتقلا قبلي. بعد العاشرة ليلا جاء ضابط الخفر فسألني لماذا أنا هنا فقلت
له لا أعرف لماذا أنا هنا. ذهب ثم عاد بعد ربع ساعة وقال لي: إذا أطلقنا
سراحك الآن هل تعود بعد يوم العطلة فأقسمت له بالعباس (أبو فاضل) أنني
سأعود. أطلقني وعدت الى البيت بعد أن كان خبر اعتقالي وصل الى الأهل. بعد
العطلة وفي الصباح الباكر عدت بقدمي لأسلم نفسي وكان ذلك لقائي الأول مع
مسلم الجبوري الذي استقبلني بالشتائم والاهانات ثم قال لي: "سترحل الى
مديرية أمن بغداد فأنت مطلوب لها". رحلت وقضيت ثلاثة اشهر في معتقل
الفضيلية.
في ليلة اعتقالي تلك تفرق الشعراء والمثقفون سريعا بما في ذلك العريس هاشم
مجلي خوفا من الاعتقال. وقد سمعت حينها أن كاظم أسماعيل الكاطع كتب قصيدة
من وحي الحادثة. يومها كان حزب البعث طرح على الاحزاب ما يسمى بميثاق العمل
الوطني لتشكيل الجبهة الوطنية. يقول كاظم في مطلع القصيدة: أجه الميثاق ألف
طكعة وألف ركعة..خلص منها الحميري وطاحت بجمعة
العراق بانتظارك
العدد ( 663)الخميس
10/3/2011
مظفر النواب ليس شاعرا إنما ظاهرة شعرية. وفوق هذا
هو مناضل سياسي أيضا وهذا أضاف لرصيده الكثير. كنا أيام السبعينات نتبادل
قصائده مثل مناشير سرية، خاصة وأن سيرة مظفر أرتبطت بأعمال الكفاح المسلح
ضد السلطة البعثية وبالهروب الشهير من سجن الحلة عندما حفر مع عدد من
السجناء نفقا تحت أرض السجن وفروا من خلاله، لكن مظفر لم ينج في هروبه فبعد
دخوله الأراضي الإيرانية أعتقلته السلطات هناك وسلمته للحكومة العراقية
التي حكمت عليه بالإعدام.
حداثة الشعر الشعبي العراقي قامت على يده وحده ولم يكن هناك سواه. والملفت
أن مظفر كتب قصيدته الشعبية بلغة جنوبية صافية وعميقة وهو لم يكن من الجنوب
بل من بغداد.
تحديث مظفر للشعر الشعبي أهم من تحديث السياب للشعر العربي. السياب أهتم
بشكل القصيدة العربية ولذلك احتاج الشعر العربي الى تحديث آخر بعد عقد من
الزمن تمثل بقصيدة النثر. في حين أسس مظفر لهذه القصيدة منذ الخمسينات وهو
عالج روح القصيدة الشعبية وغير في وظائفها.
وعلى خلاف حداثة الشعر العربي التي تنازعها السياب والبياتي ونازك الملائكة
لم يكن لمظفر النواب منازعا في تحديثه للشعر الشعبي. شعرية مظفر تكمن في
قصيدته الشعبية وليس في الفصيحة رغم أن شهرته خارج العراق قامت على شعره
الفصيح. وهو نفسه يقول أن الكتابة بالهجة العامية تشبه النحت بالطين أما
الكتابة بالفصحى فتشبه النحت بالحجر.
مظفر لديه موقف سياسي خاص به قد نختلف معه ولكننا نحترمه. هو يعتقد أنه لا
يجب أن يعود للعراق في ظل وجود الاحتلال لكنه لم يتقول على أحد ولم يخون من
عاد الى العراق كما يفعل البعض. ونحن نعتقد أن كل البلدان العربية محتلة
بهذا الشكل أو ذاك أما بقوات أجنبية أو أنظمة قمعية.
حاولت أكثر من مرة أن أحمله على العودة للعراق أو زيارته فقط وكان يتهرب
دائما. نقلت له في العام 2005 دعوة من رئاسة الوزراء أيام الدكتور الجعفري
فلم يستجب ومرة أخرى قلت له أن العراقيين يحتاجون وجودك بينهم لتقوية
معنوياتهم في مواجهة الإرهاب والعنف لكنه تملص أيضا.
كثيرون حاولوا تقليد مظفر في الكتابة الشعرية لكنهم ظلوا مجرد مقلدين لأن
مظفر لا يمكن مجاراته بسبب شعريته المتفردة والعالية.
كل الشعراء والمبدعين لا يفهمون بالسياسة أو أنهم يخلطون بين السياسة وبين
أفكارهم عن العالم. ومظفر من هؤلاء لا يزال يحلم بجمهورية أفلاطونية.
وبرأيي يجب أن يبقى الشاعر شاعرا والسياسي سياسيا كل في مكانه.
مظفر حالم كبير بمدينة فاضلة وثورية والسياسي أقصى أحلامه أن يكون في
السلطة أو أن يبقى في السلطة.
كان يمكن لمظفر أن يكون ساحرا أو عرافا أو قديسا لكنه اختار أن يكون شاعرا
شعبيا.
تحية لمظفر. العراق لا يزال بانتظارك
من حقنا أن نعرف
العدد ( 648)الخميس
17/2/2011
ضخت الأحداث التي شهدتها تونس ومصر خاصة، إثر زوال
نظامين فاسدين متسلطين، على يد سواعد جبارة من أبناء الشعبين التونسي
والمصري، روحا ثورية عارمة في قلوب وعقول شعوب المنطقة كسرت حاجز الخوف
أمام حقها في التظاهر والاحتجاج والمطالبة بحياة حرة كريمة بلا دكتاتورية
ولا فساد ولا تسلط ولا مصادرة للحقوق الانسانية التي نصت عليها الشرائع
السماوية قبل أن تنص عليها الشرائع الأرضية والمواثيق الدولية في مجال حقوق
الانسان.
وقد شجعت هذه الأحداث أوساط الشباب والمثقفين وقطاعات أخرى من أبناء شعبنا
في العراق على ممارسة حقهم في الاحتجاج على الظروف المتردية والتظاهر
للمطالبة بتحسين مستويات المعيشة للناس وتوفير الخدمات ومكافحة الفساد
وصيانة الحريات العامة.
وليس هناك أدنى شك في مشروعية هذه المطالب والحقوق ولا في شرعية هذه
التحركات والاحتجاجات الشعبية التي كفلها الدستور لجميع المواطنين من دون
أستثناء على شرط التزام المعايير السلمية والحضارية في التعبير والاحتجاج
بعيدا عن كل ما يثير العنف أو يحرض عليه أو يضر بالممتلكات العامة.
وقد أعطى شباب مصر بالأمس مثالا رائعا عن هذا الشعور العالي بالمسؤولية
الوطنية على الرغم من محاولات البعض من البلطجية وأعوان النظام دفعهم
للخروج عن التزامهم السلم والانضباط في تظاهراتهم.
وفي المقابل فأن على السلطات والجهات الحكومية في بلادنا وخاصة الجيش
والشرطة مراعاة حقوق المواطنين في التظاهر والاحتجاج السلمي وحمايتهم
وتوفير كل الفرص لهم للتعبير عن شعاراتهم ومطالبهم واحتياجاتهم.
لقد تزايدت الدعوات خلال الفترة القصيرة المنصرمة للخروج بتظاهرات
واحتجاجات وخرجت بالفعل تظاهرات في العاصمة بغداد والمحافظات عبر المواطنون
من خلالها عن حقوقهم المهدورة وعن حاجاتهم ومطالبهم المشروعة وهذا مدعاة
للاعتزاز وحق من الحقوق الدستورية المكفولة للناس ولكن من
حقنا جميعا أن نعرف بشكل من الأشكال الجهات والاطراف والشخصيات الاعتبارية
التي تدعونا الى التظاهر والاحتجاج كما من حقنا أن نعرف تحت أية شعارات
سنخرج الى الشوارع؟
ليست هذه دعوة ضد أحد أو محاولة لإحباط أحد إنما هي دعوة للحذر من أن يصادر
البعض تظاهراتنا واحتجاجاتنا لغايات وأهداف أخرى غير معلومة لنا ويسيء الى
أهدافنا وشعاراتنا المشروعة
زعل الطبيب فمات المريض
العدد ( 634)الخميس
27/1/2011
ذهب أحدهم الى الجامع بعد أن شعر بالذنب لتركه
الصلاة فوجد باب الجامع مغلقا. نظر الى السماء وقال: يارب أجت منك مو مني!
كثيرون ينتظرون أية حجة لإهمال واجباتهم وأول هؤلاء هم الموظفون في دوائر
الدولة.
طبيب في مستشفى بمدينة الصدر ترك المريض يموت لمجرد ان زميلا له تدخل في
عمله وأضاف بعض الأدوية لوصفته الطبيّة. ولهذا السبب وحده زعل "ملاك الرحمة"
(الطبيب......) ورفض معاينة المريض وعلاجه وغادر المستشفى بدون أن يرف له
جفن أو يوخزه ضمير. وبعد ساعات توفي المريض. ترى ما هو حكم مثل هذا الطبيب
إذا كان من الصحيح أن نسميه طبيبا؟ وهل يعرف السيد مفتش وزراة الصحة بوجود
مثل هؤلاء الأطباء في مشافي الوزارة؟ وهل تمر مثل هذه الحالات التي تقترب
من الجرم بدون محاسبة أو عقاب؟
لو كنت مكان أهل المريض لتقدمت بدعوى قضائية للمحكمة أحمل فيها الوزارة
والمستشفى والطبيب المذكور مسؤولية وفاة المريض لأنه في مثل هذه الحالات
يحسب الوقت بالثواني والدقائق وقد يكون المريض قد عاش ولم يمت لو أن الطبيب
المذكور تعامل بحس إنساني ومسؤولية وظيفية معه، كما تفترض مهنة الطب ذلك،
وعاينه وعالجه ولم يترك المستشفى ويغادر لمجرد زعله على طبيب آخر من زملائه.
ولدي قصة أخرى عن المشافي فقد حدثني صديق عن قيمة فاتورة عملية جراحية
أجراها لشقيقته في مستشفى (......) بالكرادة. والفاتورة عجيبة غريبة فيها
أجور العملية وأجور الطبيب الذي أجرى العملية وقيمة الأدوية والضمادات
والفايلات وعلب الكلينكس وقناني الماء وإكراميات الفراشين والفراشات
والممرضات. لكن أعجب مافي الفاتورة هو أجور الغرفة التي أجريت فيها العملية
وهي أجور فندق خمسة نجوم. وعندما قرأت الفاتورة الباهظة قلت للصديق كان يجب
عليك أن تطلب اجراء العملية على الرصيف لكي تخفض من قيمة الفاتورة.. وسؤالي
الى وزارة الصحة مرة أخرى ترى أليست هناك أسعار محددة في المسشفيات مثلما
هناك أسعار للطماطة والخس والخيار والشلغم توضع باشراف ورقابة الوزارة أم
أن المستشفيات تعمل على قاعدة المثل السوري الشهير: كل مين أيدو إلو؟
ولدي قصة ثالثة عن دوائر ومؤسسات الدولة وموظفيها الأبطال فمنذ أربعة أشهر
أصدرت الأمانة العامة لمجلس الوزراء قرارا بعدم طلب البطاقة التموينية مع
الوثائق الشخصية والاكتفاء بالهوية المدنية وشهادة الجنسية وبطاقة السكن
كوثائق اثبات للشخصية. وأدخل القرار السرور والبهجة في قلوب الناس من
المراجعين للدوائر لكن المشكلة لم تحل بعد ولا تزال العديد من دوائر الدولة
تطلب البطاقة التموينية وتقول لمن يسأل عن قرار الحكومة: والله بعده
ماوصلنا.
سؤالي للأمانة العامة لمجلس الوزراء: ترى بأية وسيلة نقل بعثتم القرار
لدوائر الدولة بحيث لم تكف أربعة شهور لوصوله؟ نخشى أن يكون ضل الطريق وذهب
الى واحدة من دول الجوار
قوة الفرد
العدد ( 632)الخميس
20/1/2011
كثير من الأحداث في التاريخ تبدأ بشرارة أو بعود
ثقاب وهذا ما فعله الشاب التونسي محمد البوعزيزي، دون أن يدرك بالطبع أن
عود الثقاب الذي أحرق به ثيابه ونفسه احتجاجا على مصادرة الشرطة للعربة
التي يبيع عليها بضاعته، سيكون الشرارة التي تتحول الى نار كبرى تحرق
الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وتطيح بنظامه.
هكذا بدأت أحداث تونس الدراماتيكية باحتجاج فردي من بائع متجول أسمه محمد
البوعزيزي قامت الشرطة بمصادرة بضاعته فأقدم على إضرام النار في ثيابه ثم
توفي لاحقا متأثرا بجراحه فأطلق شرارة احتجاجات شعبية عارمة على النظام
الحاكم انتهت بفرار الرئيس التونسي وانهيار سلطته خلال أيام بل وساعات
معدودة.
وحسب الروايات فقد اضطر البوعزيزي، الذي لم يجد فرصة عمل بعد تخرجه من إحدى
الجامعات التونسية، إلى العمل بائعاً للفواكه والخضروات، لكنه لم يحصل على
تصريح من السلطات الرسمية، مما جعله موضع ملاحقة من قبل الشرطة. ولم يقتصر
الأمر على قيام أفراد الأمن بمصادرة عربته التي كان يعمل بها وحسب، بل
اعتدوا عليه بالضرب"، مما دفعه إلى الإقدام على إشعال النار في نفسه،
احتجاجاً على المضايقات التي تعرض لها.
لقد أصبح البوعزيزي "رمزاً" ليس لخريجي الجامعات التونسية الذين لم يجدوا
فرصة عمل في بلدهم، بل وكذلك لفقراء وعاطلين وجياع في الجزائر ومصر
وموريتانيا سرعان ما حذوا حذوه فأحرقوا أنفسهم أو حاولوا ذلك متصورين أنهم
سيحدثون الفعل ذاته الذي أحدثه البوعزيزي في تونس فيحولون أحتجاجهم الفردي
الى احتجاجات صاخبة، تجبر في نهايتها رؤساء بلدانهم على مغادرة البلاد كما
أجبرت زين العابدين بن علي على الفرار.
وكما يبدو من هذا السياق الدراماتيكي أن الفارق بين البوعزيزي ونظرائه في
مصر والجزائر وموريتاينا أن الظروف في تونس كانت أكثر نضوجا والشعب التونسي
كان أكثر استعدادا لتحويل الحدث الفردي الى حدث جماعي شامل.
وللأسف فعلى الرغم من أن صاحب الشرارة الأولى لثورة "البطالة" التونسية رقد
في المشفى 18 يوما إلا أنه لم يعش أكثر من ذلك ليتابع ثمرات سخطه على
الواقع المعيشي، ذلك السخط الذي دفع مئات الآلاف من التونسيين إلى الشوراع،
مجبرين أعلى مسؤول في البلاد على مغادرتها وسقوط نظامه
العراقي الجيد
العدد ( 627)الخميس
13/1/2011
الانسان لا يعرف نفسه إلا من خلال الآخر. لهذا يحتاج
لرأي الآخرين به مثل حاجته للمرآة كي يرى وجهه فيها صباح كل يوم. لكن مع
هذا هناك من يعتقد أنه كامل الأوصاف بلا عيوب ولا هنات ولا حاجة به لسماع
ما يقال عنه أو فيه.
وأذكر في هذا السياق أن صديقا قال لي مرة أنه يتمنى أن يقرأ ما سيكتب عنه
بعد وفاته. وتعجبت لمثل هذه الأمنية الغريبة لكنني وجدت أنها تعبر في
الواقع عن رغبة دفينة لدى الإنسان لمعرفة رأي الناس، الصريح والحقيقي، به
وبصفاته وبأخلاقه وتصرفاته، حتى لو كان هذا الرأي جارحا أو سيئا. ومثل هذه
الأمنية لا تتحقق بالطبع إلا عند وفاتنا. ففي جو النفاق والزيف والتملق
والخجل والخشية من سوء الفهم، لا يسمع المرء عن نفسه سوى نتف من الآراء
أغلبها غرضه المجاملة وجبر الخواطر وأكثرها هدفه الإساءة.
وباعتقادي أن العراقي مثله مثل بقية خلق الله يحتاج لمعرفة رأي الآخرين به
لكنني لم أصادف عراقيا يشعر بالحاجة لسماع مثل هذا الرأي. فالغالبية من
العراقيين. والأصح ممن عرفتهم وأعرفهم حاليا، يتمتعون بصفات خارقة حارقة لا
تقبل الجدل ولا النقد ولا المراجعة، على غرار "كامل الأوصاف قتلني".
وهؤلاء عندما يكون الحديث عن الأدب تجدهم أدباء بامتياز. وإذا كان الحديث
عن الفلسفة فهم فلاسفة زمانهم. أما في السياسة (فبهي بهي) لأنهم خبراء في
علومها وبحارها. لهذا حين يجتمع عراقيون على طاولة نقاش أو في جلسة سمر، لا
يمكنك أن تعرف بالضبط من هو المتحدث فيهم ومن هو المستمع. مثلهم مثل
أخوانهــــــــــم السودانيين (تسعة يتحدثون وواحد يستمع).
وفي مناقشاتهم الصاخبة تلك لا يقبل الواحد منهم بأقل من طرح خصمه أرضا على
طريقة المصارعة الرومانية، حتى لو كان موضوع النقاش يتعلق بالاهمية
التاريخية للشلغم. والعراقي يحب المناقشات والكلام الكثير مثلما يحب الطعام
الكثير.
وأذكر مرة دعانا فيها صديق للعشاء مشترطا علينا عدم الحديث في السياسة طوال
الجلسة. فبقينا صامتين فترة قصيرة ثم تركنا العزيمة وذهبنا الى بيوتنا.
لكن أظرف ما في العراقي أنك ما أن تضع يدك على كتفه وتسمعه عبارة ودية
رقيقة حتى يتنازل لك عن قميصه قبل رأيه.
وكما أعتقد فإن العراقي الوحيد الذي يمكنك أن تجعله يسمع رأيك الى النهاية
دون مقاطعة وهو الذي تتمكن من تكبيل يديه وغلق فمه بشريط لاصق
أمنيات شخصية
العدد ( 618)الخميس
30/12/2010
سئلت عن أمنيتي الشخصية في العام الجديد فقلت أمنيتي الوحيدة أن تتحقق
أمنيات الأعوام السابقة.
الإنسان يراكم كل عام أمنياته ثم يكتشف في نهاية العام أن شيئا من هذه
الأمنيات لم يتحقق ومع ذلك يتمنى المزيد. وعلى قاعدة المثل القائل "التمنيات
رأس مال المفلسين" لا يكتفي بعض الناس بالأمنيات الصغيرة والقابلة للتحقق
بل يطلب كل ما هو صعب المنال مثل القول أتمنى أن تتوقف الحروب وأن يعم
السلام في العالم. أو أن تسود العدالة والمساواة وتتحقق الرفاهية للشعوب
الفقيرة. وهذه كلها أمنيات فارغة وبلا معنى.
وتختلف الأمنيات الشخصية من بلد الى آخر ومن شعب الى شعب. ففي دول أوروبا
مثلا تتراوح الأمنيات الشخصية بين القيام بسفرة سياحية الى جبال الهملايا
وبين شراء منزل في الريف لقضاء عطلة الصيف. أما في دولة فقيرة مثل الصومال
فتتراوح الأمنيات بين الحصول على كيس عدس من منظمات الإغاثة الدولية وبين
علاج طفل مصاب بالأيدز أو الهزال.
وفي البلدان العربية تختلف الأمنيات بين طبقة اجتماعية وأخرى فالفقراء
يهمهم الحصول على فرصة عمل ورغيف خبز وحياة كريمة فيما لا يقبل الأغنياء
بأقل من بناء فيلا جديدة وشراء سيارة آخر موديل.
وفي العراق حيث تتراكم امنيات الناس بدون فائدة تذكر، كان السائد خلال
السنوات القليلة الماضية هو التمنيات بتحسن الوضع الأمني والقضاء على
الإرهاب وعودة الاستقرار. وفي هذا العام أعتقد أن أمنيات الناس ستركز على
توفر الخدمات وتبليط الشوارع وزيادة ساعات الكهرباء. أما الأمنيات الشخصية
للعراقيين فهي لا تتعدى الحصول على فرصة عمل أو مبلغ من المال لغرض الزواج
وبناء بيت صغير. وهذه أمنيات بسيطة بالنسبة لبلد يقول الوزير الشهرستاني
أنه سيتحكم بسياسة العالم النفطية.
وهناك أمنيات تختلف بأختلاف المهن والحرف ونوع العمل فالنجار يتمنى أن تكون
لديه ورشة نجارة كبيرة والطبيب أن تصبح لديه عيادة ثانية في منطقة شعبية
والصحفي أن يصبح رئيس تحرير صحيفة. في حين يتمنى السياسي أن يحصل على وزارة
سيادية أو وزارة دولة في الأقل.
تمنيات الناس في كل عام دليل على الافلاس والمثل الشعبي الذي ذكرناه صحيح
كل الصحة ومع ذلك هناك بعض الناس يرافقهم الحظ منذ الولادة وتتحقق لهم
أشياء كثيرة وكبيرة دون أن يكونوا قد تمنوها في العام الماضي مثل أعضاء
مجلس النواب
هاني خلاف..
العدد ( 613)الخميس
23/12/2010
هاني خلاف ليس عضوا في حزب الدعوة ولا في المجلس
الأعلى ولا من جماعة أياد علاوي أو حزب الفضيلة أو التيار الصدري. ولا هو
من البصرة أو الأنبار أو الحلة.
هاني خلاف دبلوماسي جزائري معروف عاش فترة قصيرة في العراق بعد 2003 مندوبا
عن جامعة الدول العربية.
جمعت أحدى الفضائيات قبل فترة هاني خلاف مع مثنى حارث الضاري في برنامج
حواري عن الأوضاع السياسية في العراق.
لم يتحدث الضاري طوال ساعة من الزمن عن أي شيء ايجابي في العراق على
الاطلاق. فالحكومة والاحزاب والقوى السياسية كلها صنيعة الاحتلال وعميلة
للأميركان. والعملية السياسية بنيت على باطل فهي باطل. والاحتلال مسؤول عن
قتل العراقيين بالسيارات المفخخة. وجرائم القاعدة والتكفيريين والبعثيين
التي يعلنون عنها بأنفسهم، ترتكبها الاحزاب الحاكمة. والمقاومة الشريفة
ستحرر البلاد وتكنس الاحتلال وأعوانه في القريب العاجل. ومستقبل العراق
مظلم بدون عودة هيئة علماء المسلمين أو البعثيين لاستلام السلطة.
هذه خلاصة محاضرة الضاري أما هاني خلاف الذي كان يبتسم وهو يستمع لها، فقد
اضطر أن يأخذ دور مقدم البرنامج فأعتذر منه وقال للضاري: أنا دبلوماسي عربي
عشت في العراق فترة من الزمن وعايشت السياسيين وخبرت الأوضاع هناك ولذلك
أملك حق سؤالك:
ماذا تسمي الانتخابات البرلمانية وهي من أهم التجارب في المنطقة العربية
وقد أشرفت عليها الأمم المتحدة والجامعة العربية وعشرات المنظمات الدولية
وآلاف المراقبين المحليين؟
ماذا تسمي الحريات الاعلامية ..وفي العراق اليوم مئات من وسائل الاعلام
المرئية والمسموعة والمقروءة توازي كل ما هو موجود في الدول العربية مجتمعة؟
ماذا تسمي عدم وجود سجناء رأي في العراق؟
ماذا تسمي جرائم قتل المواطنين الأبرياء ممن لا صلة لهم بالاحتلال أو
الحكومة وهل هذه مقاومة؟
لم يرد الضاري على أسئلة خلاف الذي كان بأدبه وواقعيته وموضوعيته وحرصه،
أكثر عراقية من الضاري الذي كان بوقا للشر لا يضمر للعراق والعراقيين غير
الضغينة والفتنة.
من شاهد البرنامج المذكور سيبقى يتذكر ويحترم هاني خلاف كلما شاهده
راشد كان بيعمل إيه؟
العدد ( 601)الخميس
2/12/2010
أرتبطت عبارة (راشد يزرع) بحملة محو الأمية التي
انطلقت في مطلع السبعينيات وكانت اللازمة الأولى في كتب المدارس.
في حينها حققت الحملة نجاحا مهما على صعيد محو الأمية اعترفت به المنظمات
الدولية لكن حملة النظام لتطوير القطاع الزراعي نفسه باءت بالفشل فأصبحت
عبارة راشد يزرع موضوعا للتندر والسخرية.
في ذلك الوقت كانت علاقات نظام صدام بجمهورية مصر العربية سيئة للغاية فظهر
رئيسها السادات وهو يخطب في مجلس الشعب المصري قائلا: إذا كان العراء (العراق)
يشتري الأمح والرز والسكر من استراليا وأميركا.. اومال راشد كان بيعمل أيه؟
والسادات كان على حق في سخريته لأن نظام صدام وبعد سنوات قليلة من حملة محو
الأمية بدأ بحملات التبعيث والعسكرة وشن حربه المدمرة على إيران ثم على
الكويت فأحرق الأخضر واليابس وعاد راشد والمجتمع برمته الى الأمية والجهل.
واليوم تقول الاحصائيات أن أعداد الأميين في المجتمع العراقي بلغت نسبا
مخيفة. فحسب وزارة التربية تعدى حجم الأمية نسبة الثلاثين بالمائة وهي في
تزايد مستمر. كما تكشف احصائيات أخرى صدرت في العام 2009 عن وجود خمسة
ملايين أمي في العراق بينهم من 60% إلى 65% من النساء. وتؤكد هذه
الاحصائيات أن تقديرات العام 2010 تفيد بأن هذا العدد ازداد كثيرا وتجاوز
سبعة ملايين. وإذا ما استمرت هذه الأرقام والنسب بالتصاعد على هذا المنوال
فسنجد بعد سنوات قليلة أن مجتمعنا (العظيم) الذي نريد منه إعادة بناء
العراق (الجديد)غارقا بالأمية والجهل.
لاشك أن أسباب هذه الآفة التي تهدد المجتمع تعود في جزء أساسي منها الى
حروب النظام السابق والحصار والتهجير لكن لدينا سبع سنوات لم نلتفت خلالها
الى هذه الظاهرة ولم نضع أية حلول آنية أو استراتيجية لمواجهتها والحد منها.
وسيتذرع القائمون على أمور البلاد والعباد غدا كما هو متوقع بالظروف
الأمنية وظاهرة الهجرة والتهجير وتفاقم حالات الفقر والعوز التي تدفع
بعشرات آلاف الأطفال للتسرب من المدارس الى ميادين العمل والبحث عن لقمة
العيش. وحينذاك تصح علينا وعليهم سخرية السادات وعبارته الشهيرة: أومال
راشد كان بيعمل أيه.
ثقافة التنجيم
العدد ( 596)الخميس
25/11/2010
صنع أدباء ومبدعون كباراً من أمثال الكولومبي غارسيا
ماركيز، والتشيلية ايزابيل أليندي، أدباً رفيعاً من أساطير وخرافات شعوبهم،
بوصفها جزءًا من الثقافة السحرية الغابرة. أما نحن (العرب) فقد صنعنا، ولا
نزال نصنع، من حقائق الحياة اليومية المريرة، خرافاتنا وأساطيرنا الخاصة،
مجسدين بذلك، أو بالبرهان القاطع، توصيف المستشرق الغربي الشهير أرنست
رينان، القائل بأن خصائص العقلية العربية عاجزة عن التركيب لأنها غارقة في
المتخيل.
وفي واقع الحال لا يكمن المتخيل، بالنسبة لنا، في طريقتنا للنظر إلى التراث
وفي تفسيرنا لهذا التراث، كما يذهب رينان في توصيفه، فحسب، بل هو يكمن في
إصرارنا على تحوير الواقع نفسه لكي يبدو لنا بالصورة المتخيلة، وهنا بالضبط
تكمن المشكلة. أما المشكلة الأكبر من هذه فهي تكمن في حقيقة أن ثقافة
الخرافة تلك، التي تريد إعادة إنتاج الواقع في صيغة سحرية، هي ليست ثقافة
العامة، أو الرعاع، أو الدهماء، كما قد (نتخيل!) إنما هي ثقافة المتعلمين
وحتى المثقفين. بمعنى إنها ليست ثقافة الهامش أو الأطراف أو الثقافة
الشعبية (الفولكلورية) بل هي ثقافة المتن وثقافة المركز وثقافة النخبة،
وهنا بالضبط تكمن الطامة الكبرى.
ليس هناك ماهو "متخيل" في هذا الكلام، بل هناك ما لا يحصى ولا يدحض من
الأدلة على حقيقة وجود وفداحة "ثقافة الخرافة" السائدة في وضعنا العربي
والعراقي، ليس أقله ما نقرأ ونسمع عن الوضع العراقي وملابساته وما يدور
وينسج من حكايات وخرافات وأساطير، حول هذا الوضع، الذي فاجأ عامة العرب
وأطلق العنان لمخيلتهم في إعادة إنتاجه وتركيبه.
ولأن هذا كله ينتمي، إن شئنا، لثقافة الدهماء والعامة ومواهبهم في صناعة
الخرافة، فإننا نحيل، هنا، إلى مصادر أكثر أهمية و "نخبوية". فالتقرير
الثاني (2003) للتنمية الإنسانية، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي،
يعترف، بالعربي الفصيح، بإن واحدة من معيقات التنمية العربية تكمن في تأثير
ثقافة الخرافة على العقل العربي وذلك بسبب اتصال هذا العقل بالمعرفة
والعلوم والثقافة من جهة ومناقضته لها من جهة ثانية، جراء تغليبه للهوى
والرغبة والأماني وتمجيد الماضي، أكثر من اهتمامه بالحياتي والواقعي
والحقيقي.
إن نكوص فئات اجتماعية مختلفة إلى الماضي والتغني بأمجاده واتساع ظاهرة
التردد على السحرة والمشعوذين وشيوع الأفكار اللاعقلانية، هي جزء من نتائج
الواقع ومعيقات المستقبل. والمصيبة الأخرى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على
البيئات الشعبية بل هي تزحف حثيثاً نحو بيئات وقطاعات واسعة تشمل المتعلمين
وحملة الشهادات الجامعية والعلمية. وهو ما يذكرنا بدراسة الباحث المصري
المعروف سيد عويس لمئات الرسائل، التي يودعها الفقراء والتعساء من المصريين،
طلباً للشفاعة والمراد، إذ وجد بينها رسائل كثيرة من متعلمين وخريجي جامعات.
وبوسعنا أن نأتي بالمزيد من الأمثلة لكننا نكتفي بمثال واحد أخير هو ذلك
المتمثل بصفحات وحقول الحظ والتنجيم واستشراف المستقبل عن طريق الأبراج،
التي لا تخلو منها صحيفة أو مجلة أو فضائية، تصدر أو تطبع أو تبث، في هذا
الفضاء العربي السحري... فهل كان أرنست رينان على خطأ
وليمة سياسية
بــلا نســاء
العدد ( 589)الخميس
11/11/2010
أقام الرئيس جلال الطالباني قبل بضعة أشهر مأدبة
غداء في منزله اقتصر حضورها على الرجال من السياسيين وغابت عنها النساء من
السياسيات.
وكتبت حينها أحرض النساء على الرئيس لأنه كان يتباهى أيام المعارضة باصطحاب
زوجته، السيدة الأولى هيرو إبراهيم أحمد، الى معظم لقاءاته واجتماعاته مع
رجال المعارضة وكان يقول لهم أنني المتحضر الوحيد بينكم لأنني أجلب معي
زوجتي.
واقترحت يومها على النساء وخاصة عضوات البرلمان أن يطالبن بشمول الكوتا
المخصصة لهن في الدستور، وحضور جميع مآدب الغداء والعشاء وحتى الفطور كي لا
يتفرد الرجال بالسمك المسكوف والدولمة والفسنجون ورئاسة الحكومة والمناصب
السيادية، وغيرها من طيبات ما رزقناكم. ولكن للأسف لم تأخذ الأخوات من
النساء بمقترحي ذاك فتكرر معهن الأمر وهذه المرة ليس على وليمة غداء إنما
على وليمة تشكيل الحكومة.
ولا أعرف في الواقع إن كان السياسيون العراقيون يعتبرون وجود النساء في
البرلمان وفي احزابهم مجرد ديكور للفرجة أو أكسسوارات تلطف المشهد العام
وتعطي الانطباع عن كونهم متحضرين لا يفرقون بين الجنسين، لكن للأسف هذا هو
بالضبط ما يحدث.
المشكلة أن في أوساط بعض القوى السياسية نساء، الواحدة منهن تعادل عشرة
رجال، في ثقافتهن ووعيهن المتقدم وطلاقتهن في الحديث وحرصهن على مصالح
البلاد والعباد، ومع هذا يفضل القادة حضور الخناشير من الرجال بدلا عنهن.
ولو كان هؤلاء القادة يدركون أو يؤمنون حقا بأن حضور المرأة في أي اجتماع
أو محفل تناقش فيه شؤون البلاد ومصائر الناس هو حق دستوري من حقوقها وليس
منة يتفضلون بها عليهن، لما غيبوهن عن هذه الاجتماعات. ولو أن النساء
أنفسهن حريصات على هذا الحق ولا يجاملن فيه أحدا لنظمن تظاهرة في ساحة
الفردوس كي لا يتكرر تغيابهن مرة أخرى.
لكن للأسف وكما هو الحال مع مأدبة السيد رئيس الجمهورية لم نسمع غير صوت
السيدة صفية السهيل معترضة على غياب النساء عن اجتماع أربيل وقد مر الموضوع
مرور الكرام على بقية نساء البرلمان. وهذه لوحدها مشكلة أخرى لأنها تعطي
الانطباع وكأن الموضوع لا يخصهن أو لا يشغلهن كثيرا سواء حضرن أو غيبن عن
مثل هذه الاجتماعات المهمة.
لذلك أخشى أن يعتبر البعض كلامي هذا من قبيل التطفل على شؤون لا تخصني، على
قاعدة المثل السائد: إذا القاضي راضي المفتي شعليه
دماء الضحايا فم
العدد ( 584)الخميس
4/11/2010
كتبت مرة أن الفريد نوبل اخترع الديناميت وكان غرضه
من ذلك خدمة البشرية. ولم يمض طويل وقت حتى تحول الديناميت الى اخطر سلاح
ضد البشرية بعد ان وقع بيد الاشرار.
وسيلة الاعلام سلاح يشبه، في خطورته، اختراع نوبل، يمكن استخدامه لخير
الناس ويمكن تحويله ضد هؤلاء الناس، والفيصل في ذلك هو من يملك ومن يتحكم
بهذه الوسيلة، الاخيار ام الاشرار.
في حياتنا الإعلامية لدينا معزوفة وحيدة نغنيها في العرس والفاتحة هي حرية
الإعلام ولا نفرق بين إعلام جيد واعلام رديء إلا بعد أن تزكم أنوفنا
الروائح الكريهة.
الإعلام الجيد الذي يحترم نفسه هو الذي يعتمد الصدقية قبل السبق الصحفي
والإثارة. وهو الذي يستند إلى المعلومة الصحيحة ويدقق في مصادرها قبل
الإقدام على نشرها أو بثها. وهو الذي يختار الأخبار والمعلومات التي يستحق
القارئ والمشاهد سماعها والإطلاع عليها بدون انحياز أو أغراض جانبية غير
موضوعية. فالواجب المهني يحظر على الإعلام اجتزاء الحقائق أو تشويهها أو
استخدامها في غير مقصدها. والمعايير المهنية تستوجب الحذر من أي تحريض على
العنف أو على النزعات الطائفية والعنصرية.
لكن للأسف كل هذا وسواه لا تأخذ به بعض وسائل الإعلام التي توجه خطابها إلى
المشاهد العراقي سواء كانت عراقية أم عربية متجاوزة بذلك على وظيفتها
كوسيلة إعلام تحمل رسالة حضارية تنشد التقدم والرقي والسلام الأهلي وليست
طرفا من أطراف النزاع السياسي، أي نزاع كان.
في كل دول العالم وفي أكثرها ديمقراطية تحاسب وسيلة الإعلام عندما تخرق
المعايير المهنية أو تقصد الإساءة أو تحرض على العنف أو التفرقة العنصرية
والطائفية ومن يريد أن يعمل خارج هذه المعايير عليه أن يتحمل تبعات ذلك.
ما حدث قبل أيام مع فضائية البغدادية يستحق أن نتوقف عنده ونعيد التأكيد
على حقائق تغيب عن البال أحيانا. فحرية التعبير يجب أن تكون مصانة ومحترمة
ولكن قبل ذلك يجب أن تصان أرواح الناس وتحترم حقوقهم. وحرية التعبير في
أرقى الديمقراطيات لها سقف تقف عنده عندما يتعلق الأمر بحرية الآخرين فكيف
الأمر معنا في العراق حيث يضرب العنف والإرهاب ذات اليمين وذات الشمال بين
يوم وآخر؟
نعود لنقول أن البغدادية وسيلة إعلام لكنها أو لكن البعض ينسى ذلك أحيانا
ويتعامل معها كحزب سياسي. وهي نفسها تتصرف بهذه الطريقة وتصدر بيانات تشبه
بيانات الانقلابات العسكرية حول قضايا مهنية لا تستوجب كل هذا الصراخ
والتهديد والوعيد واستعداء الآخرين، إنما تتطلب مناقشات هادئة ورصينة تشرح
وتوضح وتكشف وتعزز روح الحوار البناء سواء كان يتعلق الأمر بالإعلام أم
بسواه. . مساء الإثنين وعندما جاء بضعة عناصر من الشرطة مع موظفين فنيين من
هيئة الإعلام والاتصالات لتبليغ البغدادية بقرار تعليق رخصتها قال مقدم
البرنامج الذي كان يبث على الهواء حرفيا "إذا كانت القوات العسكرية تطوق
البغدادية فالشعب العراقي يطوق الآن هذه القوات" وأنا اسأل هنا هل هذا كلام
وسيلة إعلام أم تهديد جنرال؟
وبعيدا عن التفاصيل لقد صدر قرار إغلاق البغدادية من هيئة رسمية ودستورية
معنية بتنظيم عمل مؤسسات الإعلام في العراق ومسؤولة عن ضمان التزام هذه
المؤسسات بالمعايير والضوابط المهنية، وكان على البغدادية أن تنهج الطرق
القانونية في الطعن بقرار الهيئة حسب الأصول وهذا متاح لها ولا يزال لكنها
بدلا عن ذلك لجأت الى أسلوب الإثارة والتحريض.
وإذا كانت طريقة تبليغ البغدادية بقرار الإغلاق قد أثارت حفيظة البعض لأنها
لم تكن سليمة ولا حصيفة فهذا لا يعني بطبيعة الحال أن نجيش الجيوش ثلاث
ساعات من البث الفضائي وربما ستدوم أياما على قضية يمكن معالجتها بالطرق
القانونية إن كان لدينا الحق في ذلك، في وقت كانت فيه دماء العشرات من
ضحايا كنيسة سيدة النجاة لا تزال ساخنة لم تجف بعد وهي تستصرخ ضمائرنا
وضمائر العالم فدماء الضحايا فم
قصة الرسالة
العدد ( 579)الجمعة
28/10/2010
منذ ان ابتكر البشر وسيلة التخاطب والاتصال عن بعد، عبر الرسائل المكتوبة
بخط اليد، اكتشفوا معها وسيلة الإيصال عبر الحمام الزاجل. ومع إن هذه
الوسيلة في إيصال الرسالة، ارتبطت، عبر التاريخ، بالأعمال العسكرية وحملات
الغزو، حيث أصبحت أسراب الحمام الزاجل جزءا من عدة الحرب وتشكيلاتها
العسكرية، إلا أن " الرسالة" ظلت محتفظة بهويتها الإنسانية، بصرف النظر عن
المضامين التي تحملها من طرف إلى طرف، أوعن وسيلة إيصالها من قارة إلى قارة
أخرى.
وهكذا فمن رسائل الجواسيس القدماء، التي كانت تحملها لهم تلك الطيور
الجميلة والبريئة، إلى رسائل إخوان الصفا الفلسفية، التي ضاع جُلها في خضم
حروب وصراعات المذاهب والطوائف. ومن رسائل العشاق المعطرة بالورود،
لحبيباتهم، إلى رسائل الأدباء لبعضهم البعض، بقيت الرسالة هي الوسيط الأكثر
ثباتاً وحضوراً وألفة في حياة البشر، تزف لهم أخبار المسرات والأفراح
والنجاحات، مثلما تنقل لهم أنباء الفواجع والمآسي. تمتن صلاتهم مع بعضهم
البعض وتمنحهم فرص البوح والمناجاة وتبادل المعلومات والآراء والنصائح.
إنها الرسالة، تلك التي ينتظرها الأهل من ولدهم المسافر، وينتظرها الحبيب
من حبيبه الغائب، والزوجة من زوجها المهاجر، والصديق من صديقه البعيد...
قصاصة ورق صغيرة لكنها غالية الثمن ومليئة بالألغاز والحكايا والأسرار.
ومع تنامي وتطور عدة الكتابة وطرق إيصالها، انتقلت الرسالة من طور إلى طور
ومن أداة إلى أداة أخرى. فبعد قرون من الكتابة على قصب البردي وألواح الطين،
وبمداد مصنوع من السخام، حلت جلود الحيوانات محل البرديات والطين المفخور.
ولم تكن الرسالة المخطوطة على جلد الغزال المدبوغ والمصقول، كالرسالة
المكتوبة على جلد الماعز الخشن والأغبر. فبعض تلك الجلود الثمينة كانت حكرا
على عليّة القوم من الملوك والأمراء والقضاة والوجهاء.
وعندما اكتشف الصينيون (والبعض يقول العرب) مادة الورق، وصنعوه من ألياف
الشجر، حل "الكاغد" محل الجلود وأخذت الرسالة مجدها التاريخي، بعد أن صارت
تكتب بمداد الحبر المصنوع من عصائر النباتات والأزهار وبألوانها الزاهية.
ومع أن بعض العشاق جرّب كتابة رسائل الحب على أوراق الزهور والنباتات، كما
تقول أغنية محمد فوزي الشهيرة (على ورق الورد حاكتبلو) إلا أن تلك
المحاولات باءت بالفشل، كما يبدو، بسبب رقة ورق الورد ومبالغات العشاق
وأوهامهم، لذلك صرفوا النظر عن تلك البدعة واستعاضوا عن ذلك بالورق العادي
ولكن المصقول والملون والمليىء برسوم القلوب التي تقطر دماً وعشقا.
ومن رسائل العشاق الشهيرة في التاريخ، تلك التي أرسلها الرسام المعروف فان
كوخ إلى حبيبته، ولكنها لم تكن تحمل أي كلمات حب بل كانت تقطر دماً حقيقياً،
لأنها كانت تحمل أذنه التي قطعها بسكين المطبخ وأرسلها بالبريد المستعجل
لحبيبته، دليلاً على شوقه الملتهب. هل صادفتم مثل هذا المجنون؟
السعادة
العدد ( 574)الخميس
21/10/2010
يعتقد الإنسان ان السعادة أشبه بجائزة يانصيب، ولذلك
ينتظرها كل العمر ولا يحصل عليها.
ويقول خبراء في علم النفس ان بإمكان الإنسان أن يربح جائزة السعادة ولكن
بالأقساط المريحة وليس دفعة واحدة.
وهي بهذا المعنى مثل الراتب الشهري نستلمه اليوم وينفد بعد أيام ولكن لو
قبضنا رواتب سنة كاملة دفعة واحدة سيختلف شعورنا وسنشعر بالسعادة حقا.
ويرى هؤلاء الخبراء أن السعادة كلمة سحرية موجودة في قاموس اللغة ولا وجود
لها بالمعنى الذي يعتقده الإنسان، وهى عبارة عن مجموعة أجزاء متناثرة بسيطة
وصغيرة تمر بنا في حياتنا اليومية فتدخل السرور الى أرواحنا.
ومن هذه اللحظات: أن تذهب في عطلة الى ساحل البحر. أن تأوي الى الفراش وأنت
تستمع بصوت المطر في الخارج. أن تضحك حتى تؤلمك معدتك. أن تعثر على نقود في
بنطالك الذي لم تلبسه منذ سنة. أن تسمع أحدهم يمتدحك دون أن يعلم أنك تسمعه.
أن تستيقظ فتجد أنه يمكنك أن تعاود النوم ساعتين أخريين. أن تستمع لأغنية
تذكرك بشخص تحبه. أن تنظر فترى من تحبهم سعداء. أو أن يكون لديك من يقول لك
أنه يحبك.
وأضيف الى هذه اللقطات أو اللحظات أشياء محلية منها: أن تشاهد في التلفزيون
برنامجا تحبه دون أن ينقطع التيار الكهربائي فجأة فيفسد عليك المشاهدة. أن
تسمع في الصباح الباكر أصوات عصافير تزقزق على الشباك وليس أصوات انفجارات
وصواريخ كاتيوشا. أن تستيقظ فتجد شوارع بغداد مزفتة ونظيفة ومرشوشة بالماء.
أن تتلقى اتصالا من شخص يقول لك أستاذ لديك دعوة مجانية لزيارة باريس.أن
تشاهد أطفالا في طريقهم الى المدرسة وهم يحملون حقائبهم المنتفخة على
ظهورهم الصغيرة.
أو أن تسمع في تلفزيون "العراقية" خبرا يقول أن الكتل السياسية الفائزة في
الانتخابات اتفقت على التنازل لبعضها البعض وإن الحكومة الجديدة ستشكل غدا
بعون الله.
السعادة هي مجموع هذه اللحظات وعلينا أن نتذكر دائما أن الحياة ليست مشكلة
علينا حلها كل يوم إنما هي هبة علينا التمتع بها قدر الإمكان.
طبعا نسيت أن أذكر أن كل اللحظات التي ذكرناها يمكن أن نصادفها في حياتنا
اليومية عدا لحظة واحدة الله وحده يعلم متى تقع. وسأتبرع لمن يعرف هذه
اللحظة بمكافأة هذا المقال لأدخل الى قلبه السعادة
غراب البين
العدد ( 569)الخميس
14/10/2010
تتميز مدينة عدن التي كانت عاصمة جمهورية اليمن
الديمقراطي قبل أن تتوحد اليمنان، بظاهرة وجود أعداد هائلة من طيور الغربان.
ومن كثرتها المفرطة كنا نراها في كل مكان، فوق الأشجار وتحت الأشجار، في
الشوارع والحدائق والبيوت والساحات. وكان من الطبيعي أن ترى غرابا يقف على
ظهر معزة أو على رأس خروف أو يمشي بالقرب من كلب أو يتزاحم مع قطة على فتات
الطعام. هكذا بدون أي خوف أو خجل.
كنا وصلنا الى عدن مطلع العام 1980 بعد فرارنا من العراق حينذاك. ولم نكن
نعرف أية معلومات عن طبيعة هذا الطير الأسود سوى كونه يجلب الشؤم، خاصة
عندما ينعق ساعات الغروب، ولهذا كانت أمهاتنا ترد عليه بالقول " نعقت في
بيت أهلك" وكان الشخص الشرير والغامض يوصف بـ (غراب البين).
كانت في باحة دار أحد الأصدقاء العراقيين في عدن شجرة كبيرة تقف فوق
أغصانها مئات من هذه الغربان. وكان يتضايق من وجودها ويتشاءم من نعيقها
الدائم فكان يشن حملات لطردها دون جدوى. وفي مرة من المرات تورط هذا الصديق
فقتل أحد هذه الطيور فقامت قيامتها. حاصرت مئات من الغربان بيته وبدأت
بمهاجمته من كل الجهات والمنافذ. ولم نستطع تخليص هذا الصديق إلا بعد
إستدعاء الشرطة التي فكت الحصار عن بيته ونقلته الى مكان آخر في غفلة من
تلك الطيور الغاضبة. الملفت في الأمر أن هذه الطيور لم تهاجمنا نحن عندما
جئنا لمساعدة الصديق المحاصر بل كانت تريده هو فقط وبالذات.
تذكرت هذه الحادثة الغريبة عندما قرأت مؤخرا ان دراسات علمية عن سلوك عالم
الحيوان أثبتت أن الغراب هو أذكى الطيور وأمكرها على الإطلاق. ومن بين
المعلومات التي أثبتتها الدراسات ما يسمى بـ (محاكم الغربان) وفيها تحاكم
هذه الطيور أي فرد منها يخرج عن نظامها مثل قيامه بسرقة طعام الأفراخ
الصغار أو قيامه باغتصاب العش أو هدمه أو أرتكابه جريمة الاعتداء على أنثى
غراب آخر. ولكل واحدة من هذه الجرائم عقوبة محددة أكثرها قسوة هي قتل
المعتدي ضربا بمناقيرها حتى الموت.
وتنعقد مثل هذه المحاكمات عادة في واحد من الحقول الزراعية أو في أرض واسعة
، تتجمع فيها هيئة المحكمة في الوقت المحدد ، ويجلب الغراب المتهم تحت
حراسة مشددة ، وتبدأ محاكمته فينكس رأسه ويخفض جناحيه ويمسك عن النعيق
اعترافا بذنبه.
لو كان الإنسان تعلم وأخذ العبرة من سلوك الطيور والحيوانات لكان حاله أفضل
بكثير لكنه للأسف لم يأخذ من هذه المخلوقات غير الجوانب السلبية والشريرة.
ولذلك لدينا اليوم الكثير من (غربان البين) التي تنعق من على شاشات
التلفزيون مبشرة تارة ومهددة تارة أخرى باحتمال عودة أعمال العنف والنزاعات
الطائفية. ولا نملك مع أمثال هؤلاء سوى ترديد عبارة أمهاتنا: (نعقت في بيت
أهلك).
أنواع المديح وأغراضه
العدد ( 563)الخميس
7/10/2010
لا أحد يكره المديح لكن للمديح أشكال وأنواع وأغراض .أفضله الذي يقال في
غيابنا وأكثره إحراجا الذي يقال في حضورنا. وفي بعض الأحيان يصبح المديح
عبئا.
عندما يمدحنا أحد نتلعثم ونشعر بالحياء وهذا رد فعل طبيعي.. فحين يكون
موضوع المديح ما نتميز به من (هدوء واتزان) نرتبك ونكف عن الكلام أو الضحك
كي لا نعطي انطباعا معاكسا. وعندما يخص المديح (كرمنا وضيافتنا) نقضي الليل
نفكر كيف نقيم وليمة تؤكد للمادح صحة ما ذهب إليه. وعندما يقول لنا شخص أن
ملابسنا أنيقة نذهب في اليوم التالي لنشتري المزيد من الثياب. اما حين يكون
المديح حول التزامنا بالواجب وعدم إضاعة وقت العمل يصبح طلب الإجازة
الزمنية بالنسبة لنا مشكلة.
وهناك مديح كاذب له أغراض مبيتة. وأذكر أن صديقا مدحني بطريقة مبالغ فيها
جعلتني أشك في أمره. وفي اليوم التالي عرفت السبب عندما جاء هذا الصديق
يطلب مني مبلغا من المال
.أسوأ أنواع المديح هو مديح النفس. وأعرف كتابا ومثقفين لا يخجلون من مدح
أنفسهم بل أن بعضهم يجري حوارا مع نفسه وينشره باسم مستعار. وأعرف صديقا
مولعا بمدح نفسه قام بالكتابة عن مجموعته الشعرية بعد أن تأكد أن لا أحد
كتب عنها، ونشر المقال في الصحف.
وهناك وزارات ومؤسسات دولة تتفنن بكيل المديح لنفسها. ولذلك فهي تؤسس دائرة
إعلام وتعين فيها مجموعة من الموظفين لهذا الغرض. ويتحول مدراء هذه الدوائر
أحيانا الى مداحين يشبهون شعراء القبيلة ايام الجاهلية.
وبعض المستشارين في هذه الوزارات والمؤسسات ينسون مهمتهم الأصلية وهي اعطاء
النصح والمشورة ويتحولون الى مداحين ومتزلفين للوزراء والمدراء الذين
يعملون عندهم.
ومن المديح ما يشعرنا بمسؤولية زائدة عن اللزوم. وقبل فترة قصيرة مدحت
زميلة تعمل في "البيان" عمودي الأسبوعي ومنذ ذلك الوقت وأنا اتردد في كتابة
المقال خشية أن أكتب شيئا لا يعجب الزميلة.
أفضل المديح هو الذي يأتيك من مديرك العام أو من رئيس التحرير لأنه غالبا
ما يسفر عن زيادة في الراتب أو مكافأة في اقل تقدير. وكي أكون صريحا سبق
وأن مدحني الصديقان ياسين مجيد وعبد الهادي مهودر لكنني لم أتسلم منهما
قرشا واحدا حتى هذه اللحظة
عند رخام الشاهدة
العدد ( 543)
الاحد 5 /9/2010
في الأعياد يذهب الأحياء الى الموتى، في قبورهم، فلا
يقولون لهم شيئاً. يقفون واجمين برهة، أو يجلسون مقرفصين جنب رخام الشاهدة.
ينظرون بأسى ويتذكرون ملامحهم وضحكاتهم القديمة. يداعبون بملل، تلك الزهرات
البرية الرخوة الطالعة من تربة القبر، وكأنها العلامة الوحيدة على ذلك
الذبول العظيم الذي اسمه الموت. هنا عند حافة الشاهدة، أو على رخامها
الصقيل، تسقط دمعتان أو ثلاث ثم.. ثم يمضي الأحياء واجمين تاركين وراءهم
الموتى وحيدين في وحشة القبر.
تُرى هل يدرك الموتى أننا نزورهم بين حين وآخر؟ نجلب لهم الزهور الصفراء،
مطوية بعيدان الياس البري؟ نشعل لهم الشموع ونقرأ على أرواحهم الفاتحة؟
هل يستمعون لتمتماتنا وهسيس زفراتنا الحزينة؟ هل تنير شموعنا الصغيرة ظلمة
قبورهم الموحشة؟ في الأعياد يشتاق الأحياء الى موتاهم، مثلما يشتاق الموتى
الى أحبتهم الأحياء. هكذا كان يقول لنا الأجداد، فروح الميت الحائرة تشعر
بالطمأنينة عندما يزورها من تحب. لكن من يزور تلك الأرواح الحائرة لأولئك
الغرباء من العراقيين، الذين يقطنون مقابر الضياع والتشرد الأبدي؟ من يحمل
الزهور لأولئك الذين عزت عليهم تربة الوطن حتى وهم أموات؟ فضلّت أجسادهم
الطريق الى مقابر النجف والشيخ معروف والاعظمية والشيخ عمر وباب الشيخ؟ من
ينادم أولئك الذين تاهت أرواحهم الحائرة وغارت أجسادهم، المعطرة بالكافور،
في غياهب تراب غريب؟
بالأمس جاء العيد فاشتقنا إليهم، حملنا زهورنا الصفراء وشموعنا الصغيرة،
وكانوا بانتظارنا هناك، عند مقابر الغرباء في السيدة زينب ومخيم اليرموك،
ومقبرة الشهداء في نجها. كانوا هناك، القينا عليهم التحية ونثرنا زهورنا
الصفراء على أضرحتهم وقرأنا سورة الفاتحة، أشعلنا شموعنا الصغيرة وتفقدناهم
واحداً واحداً ثم.. ثم مضينا تاركين أمواتنا في وحشة القبر.
وغدا سيأتي العيد وفي الأعياد يشتاق الموتى الى أحبتهم والى أوطانهم، لكن
من يحمل رفات أولئك الغرباء العراقيين يوماً، ليتوجه بها صوب أرض تحب
وتشتهي.. حيث الوطن، الذي آمنت وبكت وغنت وسجدت وصلت له؟ حيث أعطت وضحّت
وغارت في لجة الموت قربانا له؟ بالأمس جاء العيد فاشتقنا إليهم، ذهبنا
فأودعنا كلماتنا الصغيرة عند قبورهم، أبلغناهم تحايا الأهل والأحبة وعطر
العراق ووعد العودة، فـ(المسلمون على اختلاف ديارهم، لا يملكون مع المصاب
عزاء.. والجاهلية من وراء قبورهم.. يبكون زيد الخيل والفلحاء) أما نحن
فنبكيك يا زيد الخيل بكل الأسماء، فهذا كله قبر مالك. زيد الخيل هو عند
شوقي، كما هو عندنا، عبد الكريم قاسم ونجم البقال. هو الشيخ البدري والشيخ
البصري. زيد الخيل هو، في الشآم، محمد مهدي الجواهري ومصطفى جمال الدين
وعبد الوهاب البياتي وغضبان السعد وهاشم علي محسن. هو حسن الذهب وأبو يوسف
وحسين الكمر، وكاظم الركابي، وعبد الهادي الجلبي، وصادق العطية. هو ناصر
الفحام وسعيد جواد وأبو عليوي. هو هادي العلوي وفاضل الأنصاري وعلي كريم
سعيد. هو، في مقابر بيروت، شمران الياسري، وغازي فيصل، وفهد العراقي. هو من
سيذهب منا إليهم! وزيد الخيل هو، في العراق، دم الضحايا ونخيل البصرة وزهو
بغداد.
بالأمس جاء العيد ولا يزال العراق قصياً على أولئك الأموات، الأحياء، على
حنينهم وشغفهم، على ما حلموا وغنوا وضحوا، لكنه العراق قادم وهم قادمون، هو
أول الحياة وآخر الأماني، هو طائر الفينيق وهم رماده، هو سينهض وسينهض
موتانا معه، وسيعود وسيعودون معاً لا محالة، سيعودون كما ستعود الأعياد في
كل مرة، وسنحمل زهورنا وبيارقنا الزاهية وأغنياتنا الشجية، فـ : بعد الغياب
وبعد طول تشتتي... يصفو فؤادي والرؤى والموردُ!
انتحابات
العدد ( 533)
الاحد 22 /8/2010
حذفنا النقطة من حرف الخاء كي تستقيم العبارة. فهذا
هو واقع الأمر ولسان حال الناس الذين يشعرون اليوم وكأن مشاركتهم في
انتخابات آذار البرلمانية إنما كانت عبارة عن مقلب. فبعد أن علقوا الآمال
على قيام حكومة وطنية ومهنية تأتي لهم بالخدمات وتحسن أوضاعهم المعيشية
وتعالج مشكلاتهم المزمنة هاهم يشهدون احتداما سياسيا أشبه بمعارك الديكة
ونزالات المصارعة الحرة ولا أحد يعرف متى تنتهي عن منتصر أو مهزوم.
وإذا ما تمخض هذا الصراع فسيلد لهم في أفضل الأحوال حكومة هشة وضعيفة
تتناهشها الكتل والأحزاب، فهذا هو المنتظر بعد أن عاد الحديث مجددا وبقوة
هذه المرة عن المحاصصة والشراكة والتوافق وعن تقاسم الصلاحيات. حكومة لا
أحد يريدها قوية بل أن البعض يبحث لها عن مزيد من نقاط الضعف كي يجعلها
مجرد (خراعة خضرة) لا أكثر.
وبعد أن حلم الناس بحكومة تقطع دابر الإرهاب وتضع حدا لأعمال العنف
والجريمة المنظمة ها هم يشاهدون دماء الأبرياء وهي تسيل في الشوارع مرة
أخرى، في غفلة من الأجهزة الأمنية وإنشغال من القوى السياسية، التي لايبدو
أنها معنية بالأمر ولا مهتمة به بحيث أنها لم تكلف نفسها حتى عناء إصدار
بيان يستنكر أو يدين ما شهدته بغداد من جرائم كان آخرها مذبحة باب المعظم .
وبعد أن كانوا ينتظرون رحيل القوات الأميركية كي يحتفلوا بالسيادة الوطنية
العائدة هاهم يشعرون بالخوف من عاقبة هذا الانسحاب في ظل الفوضى السائدة
وتربص القوى المعادية.
ولولا خشيتهم من المتطرفين من الساسة لخرجوا بمظاهرات تطالب ببقاء المحتل
ما دام رئيس أركان الجيش العراقي بلحمه وشحمه يقول لهم جيشكم ليس جاهزا
لتوفير الأمن. ماذا بعد وماذا تبقى للناس من فرحة الانتخابات؟ ما نفع
برلمان مقاعده متربة وخاوية. وما نفع برلمانيين لا يهشون ولا ينشون بل
يتفرجون على محنة العراقيين مع حر الصيف اللاهب وانعدام الكهرباء ونقص
الخدمات وتدهور الأمن والمخاوف من عاديات الصراع السياسي الدائر؟
إذا كان زعماء الكتل والأحزاب الفائزة في تلك الانتخابات المنحوسة يريدون
أن يعرفوا مشاعر الناس عن قرب ما عليهم سوى التنكر والنزول الى الشوارع
والأسواق والمقاهي لسؤال الناس عن أحوالها وعن مشاعرها وعن خيباتها بهم
وبصراعاتهم وانتخاباتهم وبرلمانهم.
شخابيط
العدد ( 528)
الاحد 15 /8/2010
وزير الداخلية الأستاذ جواد البولاني صديقي لكنني لم
أنجح معه في تثبيت شرطي على الملاك الدائم رغم إن أبا مصطفى قال لي عندما
طلبت منه ذلك: أبشر شرطي بس إذا تريد أثبت لك وزيرا سأفعل.
مضت على هذه القصة ستة أشهر وصرت أخجل كلما صادفت الشرطي أبا عباس وهو
جيراني لسوء الحظ وكل يوم أصادفه على درج البناية.
ووزير المالية الأستاذ بيان جبر صديقي أيضا لكنني فشلت معه في الحصول على
قرض لأنني لست موظفا في الدولة. ورغم توسط صديقي عمار البغدادي وهو مستشار
لأبي محمد فقد ذهبت جهودنا أدراج الرياح.
ومستشار رئيس الجمهورية الدكتور جلال الماشطة صديقي جدا وعندما استقال من
شبكة الإعلام في العام 2005 قدمت استقالتي تضامنا معه وكنت مديرا للبرامج
حينها. وبقيت عاطلا عن العمل عدة أشهر في العام 2006 وكان يكتفي بمواساتي
كلما تحدثنا على الهاتف.
ورئيس الوزراء يعرفني هو الآخر حق المعرفة وعندما قدمني له مستشاره
الإعلامي الاستاذ ياسين مجيد وهو صديقي بالطبع قال الرئيس المالكي: (أنا
والحلفي أثريين) في المعارضة. لكنني لم أفلح في الحصول على أبسط الطلبات
التي تقدمت بها طوال السنوات الماضية بما في ذلك إجراء حوار لصحيفة "
الصباح الجديد". الأمر الذي عرضني لمزاح رئيس التحرير الزميل اسماعيل زاير
الذي قال مرة بأن علاقاتي التي أدعيها مع أركان الحكومة لا جدوى منها.
وكانت مناسبة المزاح قيام مراسل صحيفة الغارديان البريطانية القادم من لندن
بإجراء حوار صحافي مع طارق عزيز وهو في زنزانته. ولا نعرف كيف تمكن هذا
الصحفي وبأية وسيلة أو بأي ثمن من إجراء مثل هذا الحوار مع سجين محكوم
وينتظر محاكمات أخرى؟
خلاصة هذه الشخابيط أنني لم أعد احتاج وساطات الأصدقاء فالشرطي أبو عباس
ترك موضوع تثبيته ولم يعد يسألني عن صديقي وزير الداخلية. ومن جانبي عذرت
الأستاذ بيان جبر ولم أعد بحاجة الى القرض لأنني أصلا لا أملك شبرا من
الأرض. ومستشار الرئيس الدكتور الماشطة لم يعد يواسيني لأنني صرت اشتغل على
باب الله. وبقيت لدي مشكلة واحدة مع اسماعيل زاير أن يكف عن مزاحه الثقيل.
الشرقية والمطلك
والأعظمية
العدد ( 523)
الاحد 8 /8/2010
زوجتي من الأعظمية وأهلها يعيشون هناك وكنا نتصل بهم
أثناء الأحداث الأخيرة كل يوم ولم نسمع منهم ما سمعناه من صالح المطلك
وأياد علاوي وقناة الشرقية عن أعمال البطش بالأبرياء والاعتداء على أعراض
الرجال والنساء. ولم يذكروا لنا شيئا عن مأساة الأعظمية والعقاب الجماعي
والاعتقالات العشوائية.
صالح المطلك لم يتحدث عن جريمة قتل الجنود والشرطة وحرق جثثهم في وضح
النهار وأمام الناس على يد مجموعة من القتلة الإرهابيين.
ولم يقل كلمة واحدة في إدانة هذه الجريمة البشعة بحق مواطنين عراقيين
أبرياء كان بينهم من هو من أهل الأعظمية نفسها. وصالح المطلك لم يدع أهل
الأعظمية الى التعاون مع الأجهزة الحكومية لكي يلقوا القبض على هؤلاء
القتلة إذا كانوا من داخل المدينة كي يتم وأد الفتنة التي أرادوا أشعالها.
وهو قد يعرف أو لا يعرف أن واحدا من أسباب تطويق القوات الأمنية للمدينة هو
حمايتها من أي ردة فعل غير محسوبة قد يقدم عليها أهالي وعشائر الجنود الذين
أحرق الإرهابيون جثثهم لكي يعطوا الانطباع بأن أهل الأعظمية هم من يقف وراء
هذا الفعل الشنيع.
ولكن بدلا من هذا الواجب النبيل، واجب التهدئة وتفويت الفرصة على من يريد
إعادة العراق الى الفتنة الطائفية ، الذي يقع على عاتق كل سياسي وطني، ظهر
صالح المطلك على قناة الشرقية ليلقي خطابا رنانا مليئا بالأخطاء الإملائية
وعبارات التحريض والفتنة وخلق أجواء الكراهية بين الناس والأجهزة الأمنية،
متوعدا بيوم حساب قريب، لا نعرف إن كان إنقلابا عسكريا أم حربا طائفية.
ولو كانت مصادر معلومات السيد المطلك صحيحة ودقيقة عن ما أسماه بالبطش
والاعتداء على أعراض الناس لقلنا هذا من حقه كسياسي يريد الدفاع عن أبناء
شعبه، لكن مصادر المطلك كانت مشبوهة ومريبة وهو لم يدقق بها كما يتوجب على
أي سياسي يحترم نفسه أن يفعل في مثل هذه الأحداث الخطيرة. قناة الشرقية هي
الأخرى نزلت عليها أحداث الأعظمية هبة من السماء ولم تصدق فانبرت تكذب
جهارا نهارا وتصب الزيت على النار بدون أي وازع أخلاقي يستوجبه شرف المهنة
الإعلامية والشعور الوطني.
أهل الأعظمية أنفسهم كانوا يسخرون من هذا التهويل، تهويل صالح المطلك
وتهويل الشرقية. وأنا نفسي سألت بعض الأقارب من سكنة الأعظمية عن رأيهم
بخطاب المطلك وبتغطية الشرقية للحدث فقالوا لي صراحة أنهم شعروا بالخوف ليس
من الأجهزة الأمنية إنما من جو الفتنة والإثارة الطائفية التي يمكن أن تشجع
عليها مثل هذه التصريحات والتغطيات الإعلامية غير المسؤولة. ولا أعرف في
الواقع هل يجوز لسياسي أو لإعلامي أن يبني مجده الشخصي على حساب مخاوف
الناس ومصالحهم وأمنهم، وهل يجوز لأمثال هؤلاء أن يضربوا عرض الحائط
بالمعايير الأخلاقية والمهنية التي تحظر التشجيع على العنف وإثارة النعرات
الطائفية وتأليب البعض على البعض الآخر؟
بين كتابة و..كتابة
العدد ( 519)
الاثنين 2 /8/2010
حتى وقت قريب كنتُ أعتبر ما يسميه بعض الكتاب بـ (حالة
استعصاء عملية الكتابة) نوعاً من حجة أو ذريعة لتبرير حالة الكسل والعجز،
التي يعاني منها هؤلاء. ومع أنني لست (سوبرمان كتابة) بل كنتُ وما أزال
أعاني من مثل هذه (النوبات) التي تجعل من عملية الكتابة مخاضاً عسيراً، بيد
أنني غالباً ما كنت أجد لها تبريرات أخرى، من قبيل الافتقاد لموضوع الكتابة
أوالإفتقار للمعلومات اللازمة، أو الانشغال بما هو خارج دائرة هذه العملية...الخ.
بالأمس فقط اكتشفت أن من اخترع ذلك المصطلح الظريف والأنيق (حالة استعصاء
عملية الكتابة) يستحق واحدة من جوائز البوليتزر، التي تمنح للصحفيين، ليس
لأنه على حق في توصيفه هذا، بل لأنه وجد لهذه المعضلة، التي تؤرق الكاتب،
والصحفي خاصة، حلاً سلمياً، أو مخرجاً فلسفياً يساعده علي تجاوز أو تجنب
الوقوع في دائرة الكآبة والشعور بالعطل من جراء (استعصاء عملية الكتابة)!
ومع أن الركون إلى مثل هذا الحل السحري يشبه العثور على مفتاح ذهبي غير
صالح للاستخدام، إلا أنه يبقى أقل ضرراً من الشعور بضياع الباب والمفتاح،
ذلك أن تشخيص الداء، وإن كان لا يعني الشفاء منه، لكنه يعني، في أضعف
الإيمان، انتظاره في يوم ما.
وتذكرت أيضا تفسيراً آخر لهذه الحالة أضبط من سابقه، يقول إن كثرة التفاصيل،
أو كثافة المعلومات، ليست عاملاً ايجابياً يساعد الكاتب على الكتابة، كما
قد يتصور البعض، إنما على العكس من ذلك، قد تصبح هذه الوفرة عاملاً سلبياً
يعيق عملية الكتابة ويجعل منها أكثر صعوبة.
السبب، كما يقول أصحاب هذا التفسير إن الكاتب المبدع، لكي يكتب، يحتاج إلى
قدر من الخيال يرمم به موضوع الكتابة الناقص، كي يضفي على مادته ما هو خاص
وشخصي، حتى لو كانت مادة صحفية أو سياسية.
وبهذا المعنى فإن عملية البحث عن موضوعات الكتابة، وليس توفر أو وفرة هذه
الموضوعات، هي التي تتيح للكاتب لحظة التقاط مادة الكتابة وفرصة الاشتغال
عليها بروح الإبداع والخيال.
ولكي لا نبدو وكأننا نبحث هنا، عن حجة أو ذريعة لنا أو للكسالي من أمثالنا،
نقول (ونحن نتحدث عن الصحافة تحديداً) ليس المهم دائماً أن يعيد الكاتب
إنتاج المعلومات التي بحوزته، والتي أصبحت، هذه الأيام، بوفرة التراب، بفضل
تكنولوجيا الانترنت وسواه، إنما المهم إعادة إنتاج ما هو في قلب المعلومات،
أو ما هو وراء هذه المعلومات، من أحجية والغاز ومعان و... حقائق أيضاً،
فعبر هذه العملية، بالضبط، يتجسد خيال الكاتب وإبداعه وبراعته.
في الخلاصة أعتقد أننا سنجد الكثير من الأعذار لأولئك الذين يشكون أو
يعانون من حالة (استعصاء عملية الكتابة) على الرغم من أن موضوعات الكتابة
مطروحة على الأرصفة، كما يقال، لكننا لن نجد عذراً واحداً لمن يلتقط هذه
الموضوعات ويقدمها لنا بترابها وطينها وبعجرها وبجرها، متصوراً أنه جلب لنا
الأسد من ذيله. فمن يتعود الاشتغال وفق قاعدة الجود من الماجود، لن يجد غداً
من يقلّب صحائفه أو يقدر جهده ويحترم وجهة نظره لأنه سيبدو أشبه بمن يبيع
الماء في حارة السقايين منه إلى صانع كلمة حرة، ذكية وقوية، تُصدر رنيناً
لا خنيناً!
خصخصة الكهرباء
العدد ( 515)
الاحد 25 /7/2010
هل يتذمر العاملون في وزارة الكهرباء مثل بقية المواطنين من انقطاع التيار
في بيوتهم؟ سؤال يبدو بلا معنى لكنه قفز الى ذهني وأنا أقرأ استطلاعا
صحافيا يطالب فيه مواطنون بالغاء وزارة الكهرباء وتكليف شركات أجنبية أو
محلية بتشغيل هذا القطاع الحيوي فتساءلت: ولكن أين تذهب هذه الألوف المؤلفة
من العاملين في هذه الوزارة الغولة؟
في واقع الحال إلغاء هذه الوزارة هو أفضل حل لمشكلة الكهرباء فالخصخصة
أصبحت حلا واقعيا ويكاد أن يكون سحريا تأخذ به العديد من دول العالم
لمعالجة المشكلات والأزمات المستعصية التي تفشل مؤسسات الدولة في معالجتها
بسبب الفساد الإدراي والمالي والروتين وكل أمراض القطاع العام، فضلا عن أنه
يوفر على خزينة الدولة عشرات المليارات من الدولارات التي تنفق سنويا على
هذه الوزارة.
وللبرهنة على نجاح عملية الخصخصة لنأخذ قطاع الاتصالات مثالا. فهذا القطاع
هو الوحيد الناجح في بلادنا ولو لم تجر خصخصته عبر شركات الهاتف النقال
لكنا الآن نرزح تحت رحمة وزارة الاتصالات وهواتفها الأرضية التي تحولت بفضل
الجهود الجبارة للوزارة الى نوع من الأنتيكات في بيوت الناس، في حين ننعم
منذ سبع سنوات بخدمات الهاتف النقال الذي ينقلنا من قارة الى قارة بلمح
البصر.
نعود الى سؤالنا الأول: ولكن أين ستذهب الدولة بثلاثين ألف عامل وموظف في
حال أخذت الحكومة مقترحي هذا على محمل الجد وألغت وزارة الكهرباء؟ طبعا لكي
لا أبدو عبقريا أقول ليس لدي أي حل لهذه المعضلة لكنني أعتقد أن الحكومة لا
تعدم الحلول في مثل هذه الحالات ولن تتخلى بالتأكيد عن هذه الحشود من
العاملين وأسرهم. لهذا أنا مصر على مقترحي وأتمنى إلغاء لا وزراة الكهرباء،
فقط، بل وزارات كثيرة لا معنى ولا فائدة من وجودها أللهم إلا لتوزيعها على
الكيانات السياسية من باب المحاصصة وكم الأفواه. أكيد سيقول بعض القراء (هذا
غير بطران) نحن نريدهم يشكلون الحكومة وهو يريد إلغاء وزارات.
وأختم بأمنية أخرى وهي أن لا يقع هذا المقال بيد العاملين في وزارة
الكهرباء
ذيل الأفعى
العدد ( 510)
الاحد 18 /7/2010
عندما تقطع رأس الأفعى يصبح الباقي حبلا. هكذا يقول المثل لكن في واقع
الحال يجب الحذر دائما مما تبقى من الأفعى. والدليل قصتنا مع نظام صدام
حسين.
فبعد سبع سنوات على الإطاحة به لا يزال هذا النظام يتراءى لنا مثل شبح في
زوايا وأروقة مؤسسات الدولة. بل هو يتجسد أحيانا في ممارسات وأفعال وفي
رموز وشخصيات وفي قوانين وأنظمة لا تزال سارية ونافذة وقوية وكأن هذا
النظام الديكتاتوري لم يسقط قبل سبع سنوات.
ومن بين قطاعات كثيرة تعاني من هذه الظاهرة يواجه الإعلاميون العراقيون منذ
فترة ليست قصيرة لا شبح النظام وحده إنما ممارساته وقوانينه ورموزه. وعلى
الرغم من أن الإعلاميين العراقيين وخاصة أولئك الذين كانوا بعيدين عن قبضته
ظلوا طوال ثلاثين عاما رأس الحربة في النضال ضد هذا النظام حتى سقط الى غير
رجعة، لكنهم مع ذلك يكتشفون بين حين وآخر أنه لا يزال يعشش هنا وهناك
يحاربهم ويقمعهم مثلما كان يفعل في سنوات حكمه الأسود.
قضية صحيفة المدى واحدة من قضايا كثيرة استخدم فيها القضاء مواد قانونية
تعود لحقبة النظام السابق. وحسب رئيس تحرير الصحيفة الزميل فخري كريم في
مقابلة تلفزيونية، فقد عومل من جانب أحد القضاة بطريقة غير اصولية كان
يتوقع أنها ذهبت مع نظام صدام المقبور.
ولا نعرف كيف يمكن تفسير مثل هذا التعامل مع شخصية إعلامية معروفة ومحترمة
من جانب قاض المفروض أنه أكثر الناس التزاما باحترام الإعلام والإعلاميين.
ولو كانت القضية برمتها تستحق التقاضي لما كتبنا حرفا واحدا لكن الحيثيات
تقول أنها من نوع القضايا التي يراد بها الإساءة للإعلام والإعلاميين.
هكذا تتم مقاضاة الإعلاميين والتعامل معهم وترفع عليهم وعلى مؤسساتهم قضايا
وشكاوى تستند الى تلك القوانين والمواد ومنها على وجه التحديد تلك التي
تتعلق بنشر الأخبار والمعلومات وهي مواد أصبحت مناقضة للدستور الجديد
وتتعارض مع نصوصه وبنوده التي تضمن حرية الرأي والتعبير والعمل الصحفي.
كل هذا يتم تحت ذريعة أن هذه القوانين لا تزال نافذة ولم يتم استبدالها
بقوانين جديدة. وهذا يعني أن بإمكان القضاء أن يحكم على من يشتم الرئيس
جلال الطالباني بالإعدام شنقا. لأن قانون صدام لم يستبدل بقانون آخر
نيران صديقة !
العدد ( 506)
الاحد 11 /7/2010
كلما وصل مسؤول أميركي الى بغداد نضع أيدينا على
قلوبنا ليس خوفا من المسؤول الأميركي إنما من "المقاومة" التي تبدأ بقصف
المنطقة الخضراء بالصواريخ فتخطيء الهدف دائما وتسقط الصواريخ على رؤوسنا
نحن سكنة الأحياء المجاورة أو المحيطة بهذه المنطقة.
قبل أيام كنا على موعد رعب مع صاروخ أعمى ضل طريقه ولم يصل المنطقة الخضراء
ولا السفارة الأميركية، كما هو مفروض، فسقط في منطقة الزوية بالكرادة وعلى
بعد عشرات الأمتار فقط من مكان سكني وفيه المئات من الأسر. ومن حسن الحظ
اختار الصاروخ حديقة فارغة وسلمت بيوت الناس منه.
خطرت في بالي فكرة أن نقوم بتشكيل وفد من أهالي الزوية ونذهب الى المنطقة
التي انطلقت منها الصواريخ ونتفق مع الأخوة في "المقاومة" على الاحداثيات
وعلى ضرورة أن يختاروا من (ينيشن) جيدا في المرات القادمة عندما يريدون قصف
المنطقة الخضراء لكنني غيرت رأيي خشية أن يتهم وفد الزوية من قبل قيادة
عمليات بغداد بالتواطؤ مع القاصفين فتقصف رؤوسنا مرتين!
جاري أبو العباس اقترح فكرة أخرى هي أن نطلب من الأخوة في "المقاومة"
إبلاغنا بمواعيد القصف قبل وقت مناسب كي نأخذ زوجاتنا وأطفالنا باتجاه
الجادرية أو الكرادة خارج أو أية منطقة بعيدة عن ميادين المعركة. فاعترض
عليها أبو حسين قائلا: (ليش المقاومة ساذجة الى هذا الحد بحيث تعطيك مواعيد
المعركة وساعة القصف؟) وكان رأي أبو حسين صحيحا!
وقعنا في حيرة من أمرنا ولم يبق لدينا من مقترحات لمعالجة الموقف سوى مقترح
واحد هو أن نطلب من عمليات بغداد تزويدنا بكمية من الصواريخ، لكل عائلة
صاروخ واحد، نرد بها على مصادر النيران كلما قصفنا، عسى أن يدفع هذا الرد
رؤساء العشائر هناك للتدخل ومنع الأخوة في "المقاومة" من توجيه صواريخهم
ناحية الزوية وغيرها من المناطق المحاذية للمنطقة الخضراء.
المقترح لاقى رضا الجميع في المنطقة وننتظر استجابة اللواء قاسم عطا
والعياذ بالله..حقا
العدد ( 498)
الاحد 27 /6/2010
إذا كان البعض يعيد أسباب تعثر أداء البرلمان السابق
الى جملة من الظروف الموضوعية والذاتية في مقدمتها الأوضاع الأمنية التي
كانت سائدة طوال السنوات الأربع الماضية، إضافة الى حجم وفداحة الخلافات
بين الكتل النيابية، فإن البعض الآخر يعيد ذلك كله الى الآليات والأسس التي
قام عليها البرلمان السابق وفي المقدمة منها مبدأ المحاصصة السياسية
والطائفية ونظام القائمة المغلقة الذي فرض على الناخبين شخصيات سياسية غير
كفوءة نزولا عند رغبة الاحزاب التي ينتمون اليها وبمعزل عن قبول الناخب او
رفضه لها.
ولذلك فقد كان مجلس النواب السابق موضع انتقادات لاذعة من اوساط الرأي
العام العراقي التي لم توفر احدا من اعضائه بمن فيهم هيئة الرئاسة. فالأداء
المتعثر والخلافات بين الكتل والفشل في تشريع العشرات من القوانين المهمة،
يضاف الى ذلك حجم وضخامة الامتيازات التي كان يحصل عليها أعضاء المجلس،
كلها كانت أسبابا وجيهة للانتقادات الشديدة التي تعرض لها..
ولا شك إن سقوط ما يزيد على مئة وستين نائباً من أعضاء البرلمان السابق ممن
لم يحصلوا على الأصوات التي تؤهلهم للفوز بمقعد في البرلمان الجديد، إنما
يدل دلالة واضحة على ان الناخبين حاسبوا غالبية الذين مثلوهم قبل أربع
سنوات، فأصبحوا خارج اطار المعادلة السياسية للمرحلة القادمة.
ويعزو بعض المحللين هذا الأمر الى التغير الواضح الذي طرأ على وعي الناخب
العراقي وعلى تنوع خياراته التي ابتعد بها الى حد كبير منذ انتخابات مجالس
المحافظات بداية العام 2009 عن اختيار المرشحين بناء على انتماءاتهم
الطائفية أوالعرقية وبدء رحلة البحث عن البرامج السياسية لكل كيان سياسي
ومدى قدرة ذلك الكيان على تطبيق وعوده الانتخابية على ارض الواقع.
وتستند الانتقادات لبرلمان 2006 على الارقام والوقائع التي تنذر باثقال
البرلمان الجديد بعشرات القوانين التي ضاع الوقت في قراءتها مرة اولى ومرة
ثانية لكنها بقيت حبراَ على ورق.
فقد ضاعت السنوات الاربع الماضية على قراءة ثمانية وستين قانوناً لمرة اولى
ثم تلاوة أثنين وثلاثين منها لمرة ثانية من دون اقرارها فيما يقبَع تسعة
وسبعون قانوناً في ادراج النسيان ابرزها قانون النفط والغاز وقانون تنظيم
الاحزاب.
فهل يمكن اقرار هذه القوانين من قبل البرلمان الجديد أم يتوجب اعادة طرحها
لاعادة قراءتها قبل اقرارها؟
هذه مشكلة لا ندري كيف سيحلها البرلمان الجديد لكن ما يهمنا هو أن لا تتحقق
توقعات الشيخ جلال الدين الصغير الذي قال أنه يخشى أن يكون البرلمان السابق
نموذجا عظيما للبرلمان الحالي ....والعياذ بالله
رئيس حكومة بلا صلاحيات
العدد ( 493)
الاحد 20 /6/2010
لا أعرف من أين جاء السياسيون عندنا بالبدعة التي
تقول أن رئيس الوزراء المقبل يجب أن يكون مقيدا وخاضعا للكتل المشاركة في
الحكومة حتى لا يتصرف من عنده ولا يتحول الى ديكتاتور. أي رئيس وزراء يتحرك
بالروموت كونترول.
ما نفع رئيس حكومة على هذه الشاكلة وفي أي بلد في بلدان العالم جرى تعيين
أو انتخاب رئيس وزراء منزوع الصلاحيات ومقيد بحبال الشراكة. هل نريد خراعة
خضرة؟
قد تكون المخاوف التي يعبر عنها البعض فيما يخص التفرد بالسلطة أو
الاستئثار بها مشروعة تماما ولكن عندما يتعلق الأمر بانقلاب عسكري لكننا في
ظل برلمان ودستور وديمقراطية وكتل سياسية كبيرة لها ثقلها في المجتمع، فهل
بعد هذا كله نخشى أن يستولي المالكي أو علاوي أو أي رئيس للحكومة المقبلة
على السلطة ويهرب بها. ثم لماذا نسمي مثل هذا الشخص رئيس حكومة إذا كنا
نريد أن نتقاسم معه الصغيرة والكبيرة. وكيف سيعمل هذا الرئيس حكومة في وسط
تتجاذبه المصالح الحزبية والفئوية والطائفية وتتقاسم الأحزاب والكتل
صلاحياته، وهل سيكون موضع ثقة في الشارع أو في مؤسسات الدولة وهو بهذا
الحال المزري بحيث لا يستطيع أن يتخذ قرارا إلا بعد العودة الى سلسلة من
المعاونين والوكلاء والحراس والناصحين. ومن بوسعه أن يدعي بأن هؤلاء هم حقا
ثقاة وعباقرة وأهل مسؤولية أكثر من رئيس الوزارء.
لقد علمتنا تجربة السنوات الأربع الماضية أن حكومة بأذرع كثيرة تظل عرضة
للتصدع والخلافات لأن كل ذراع يريد حصته من القرار. وهذا ما حصل بالفعل
لحكومة الرئيس المالكي عندما انسحب وزراء التيار الصدري ثم جبهة التوافق
وبقيت الحكومة عرجاء فترة طويلة من الزمن وهو زمن صعب بالنسبة لنا فنحن
لسنا في بريطانيا أو السويد بحيث لا يؤثر انسحاب وزير أو أثنين في ظل وجود
مؤسسات عريقة ومستقرة، نحن في مهب الريح لا تزال مؤسساتنا ضعيفة ودولتنا
هشة وأوضاعنا غير مستقرة. ومن يتصور أن الحكومة غنيمة ويجب تقاسمها سيكتشف
سريعا أن هذا التقاسم سيقطع جسد الدولة إربا إربا.
من حق أي رئيس حكومة، إذا كنا نريد له النجاح في مهماته حقا، أن يختار
وزراءه ومعاونيه الذين يعرف قدراتهم ومؤهلاتهم ويضمن انسجامهم معه وعدا هذا
لن يكون رئيس وزراء أو في أقل تقدير لن يستطيع أن يؤدي مهامه على الوجه
الأكمل حتى لو كان سوبرمانا
دفتر تلفونات
العدد ( 488)
الاحد 13 /6/2010
قبل أن تصلنا أجهزة الهاتف النقال (الموبايل) كنا
نحتفظ بدفاتر صغيرة في جيوبنا نسجل فيها أرقام الهواتف. ولا أزال أحتفظ
بعدد من هذه الدفاتر الصغيرة بين أوراقي القديمة أعود إليها وأقلب صفحاتها
كلما صادفتني أو صادفتها.
دفاتر صغيرة مليئة بالأرقام والحروف والأسماء والشخابيط لم يعد لها من معنى
أو وظيفة سوى الذكريات. دفاتر ملونة وأخرى بورق صقيل وثالثة بشرائط من قماش
لماع. دفاتر تلفونات على عدد البلدان التي عشنا فيها سنوات المنفى الطويلة.
دفتر عدن ودفتر الشام ودفتر بيروت ودفتر براغ ودفتر صوفيا. ودفتر بغداد.
دفاتر مليئة بأرقام هواتف لأصدقاء مازالوا أحياء يرزقون لكنهم تفرقوا كل
واحد تحت نجم بعد أن تركوا تلك الأرقام أوغادروا بلدانها أو أستعاضوا عنها
بارقام الشبكات الدولية.
أرقام أخرى لأصدقاء غادروا الحياة منذ سنين فبقيت أرقام هواتفهم القديمة
علامة وحيدة على مرورهم في هذه الحياة. كثيرا ما قلبت تلك الدفاتر الصغيرة
فتوقفت حزينا متأملا أمام أسماء أصدقاء ترك بعضهم أثرا ما بعد رحيله، كتابا
مطبوعا أو قصائد مهموسة أو صداقات حميمة.
بالأمس عدت لهذه الدفاتر الصغيرة كما في كل مرة فقرأت في حرف الألف: أحمد
الموسوي..ذلك الصديق الذي قضى أكثر من ربع قرن من حياته مناضلا ضد النظام
ومدافعا عن حقوق الإنسان. كم كان الموسوي حريصا على تنظيم مؤتمرات الجمعية
التي أسسها في سوريا وأصبح رئيسا لها..كان دؤوبا ومنظما ودقيقا لاتفوته
شاردة أو واردة يحصي أسماء الشهداء ويجمع صورهم ويسجل تواريخ ميلادهم
وموتهم فينشرها في مجلة الجمعية التي يوزعها بنفسه ويرسل نسخا منها الى
المنظمات الدولية.
كان مدافعا صلبا عن تلك الحقوق التي كان النظام السابق ينتهكها ليل
نهار..وكان يحلم مثل كل المنفيين بسقوط هذا النظام وبالعودة الى الوطن. وقد
تحقق له ذلك لكن الأوباش لم يتركوا له فرصة للمساهمة في إعادة بناء وترميم
وطنه الجريح والمهدم. كان الدكتور أحمد الموسوي من أول العائدين بعد سقوط
النظام. عاد فرحا متفائلا ونشطا كعادته. ولم يكن يدري أن القدر كان يتربص
له في بغداد.. ميليشيات مجهولة الهوية والأخلاق دخلت على مكتب جمعية حقوق
الإنسان بالمنصور في وضح النهار وأختطفته. كان ذلك في العام 2005 ومن حينها
لم يعد الدكتور أحمد الموسوي من المجهول.
لم يبق له في دفاتري الصغيرة سوى رقم هاتفه القديم عندما كان يسكن منطقة
المزة فيلات بدمشق. أعدت قراءة الرقم مرات وكأنه نغمة حزينة ألفتها 6669786
أحمد الموسوي/ المنزل
المستقبل الآن
العدد ( 483)
الاحد 6 /6/2010
حين يشتد بؤس الحاضر تبدو العودة إلى الماضي مغرية،
بل إن بؤس الحاضر يدعونا، على الدوام، إلى تأمل الماضي ورؤيته بعين نقدية
وبروح موضوعية، لأن من يطمح إلى جعل المستقبل حقلاً مزهراً، عليه أولاً أن
يشذب شجرة الماضي مما علق بها، ذلك أن الماضي كان ولا يزال عرضة للإغراض
والأهواء السياسية والمصلحية وللنوازع الفردية والأنانية، فضلاً عن سوء
الفهم والتحجر والتعصب وكل أشكال التخلف. بعبارة أخرى كان علينا ولا يزال
أن لا نجعل من الماضي مجرد (حائط مبكى) نتعبد ونتأسى تحت ترابه التليد،
مثلما كان علينا أن لا نصنع من أحجاره أصناماً جديدة نتفيأ تحت ظلالها و...
كفى الله المؤمنين القتال!
ليست هذه صرخة بوجه الماضي، بل هي صرخة من أجل هذا الماضي، من أجل الايجابي
والعادل والصائب والمضيء فيه، من أجل أن نراه جيداً، بعيداً عن عمى الألوان
وعمى التعصب والفئوية، من أجل أن نقرأه بوصفه درساً بليغاً ومجيداً لا
باعتباره قصصاً للتسالي والتعالي الفارغ، من أجل أن نستفيد من عبره ونوظف
دروسه، فالماضي بعض من زادنا اليومي لكن بعض هذا الزاد تعفن ولم يعد صالحاً
للإستخدام في عصرنا الراهن. الماضي عجلة مجربة يجب أن تساعدنا في الوصول
إلى المستقبل لا أن تعيقنا أو تعيدنا إلى الحضيض.
لكن أين هو المستقبل؟ هل هو في الآتي من الأيام والسنوات المقبلة حقاً،
وكما نعتقد ذلك؟ أم هو الآن وفي هذه اللحظة بالذات؟ هل هو ما يصنعنا أو ما
نصنعه؟ من يتصور أن المستقبل غداً لن يحظى به على الإطلاق، فالمستقبل الآن
وهنا بالذات حيث نقف وحيث نحيا، ومن ليس له مستقبل ليس له ماضٍ، لا
العكس... نعم هكذا يجب أن نردد مع أنفسنا، فالماضي الذي نتغنى به، منذ قرون
وحتى اليوم، ليس ماضينا نحن أبداً، إنه مستقبل أجدادنا القدماء، أما ماضينا
الحقيقي فهو ذلك الذي يجب أن يتغنى به أحفادنا غداً، إنه بعبارة أدق، يومنا
الحاضر.. مستقبلنا الذي يجب أن لا نؤجله إلى الغد، وأن لا نضيع لحظة في
إشادة ركائزه. فكيف يجب أن لا نخسر رهان الحياة؟ وأن لا نخرج مطأطئي الرؤوس
من أبوابها وهي تصفق خلفنا؟
في واقع الحال لا وصفة سحرية لمثل هذا السؤال، لكن هناك سبلاً جربتها شعوب
كثيرة قبلنا وربحت حياة أكثر استقراراً ورقياً ورفاهية. إنها باختصار، فكرة
المستقبل ذاتها، التي يقوم عليها الرهان. إنه الفارق بين فكرتنا نحن عن
المستقبل وبين فكرة الآخرين عنه.
لعنة الماضي
العدد ( 479)
الاثنين 31 /5/2010
الماضي هو الزمن الوحيد القابل للإصلاح والتعديل. لا
يحتاج المرء لإعادة النظر فيه غير عبارات من قبيل (كان يجب) و(لو أن) و(كان
المفروض) ليعيد تركيب وترتيب الماضي على النحو الذي يريد ويشتهي. لكن
المشكلة أن الماضي ميت فما نفع إعادة تركيب هيكل عظمي؟
مشكلتنا مع الحاضر كوسيط للمستقبل وهو عصي على (كان) وأخواتها وعماتها.
فالحاضر مضارع والمستقبل مبني المجهول.
غالبا ما يلجأ الناس الى مقارنة الحاضر بالماضي والسبب بسيط للغاية إذ لا
يمكن مقارنة الحاضر بالمستقبل مثلا، فالماضي واضح والمستقبل غامض. لكن
المعضلة ليست بالمقارنة إنما بالمفاضلة. فعندما يقارن الناس بين الماضي
والراهن يجدون أن الكفة تميل لصالح الماضي سواء تعلق الأمر بالأمن
والاستقرار أو بالخدمات العامة إلا أن هذه المقارنة التي تفضي الى المفاضلة
تفتقد لسؤال جوهري هو من الذي أوصلنا الى هذا الحاضر غير ذاك الماضي. أليست
الحروب والمغامرات والقمع والإستبداد هو الذي يجعلنا منذ عقد من الزمن وحتى
اليوم ونحن ندفع أثمان ذلك الماضي البغيض إبتداء من العلاقات الفاسدة مع
دول الجوار الى الديون والتعويضات التي تلاحق مؤسسات الدولة وليس أنتهاء
بإصلاح البنى التحتية التي شيد قسم منها في زمن طيب الذكر نوري السعيد ولم
يرممها صدام إنما ساهم بتدميرها.
وقبل ذلك كله ها نحن ندفع الثمن سيولا من الدماء على مذبح الإرهابيين العرب
الذي استوردهم صدام عشية الحرب الأميركية على نظامه بأسم العروبة والجهاد
ثم تحولوا الى وحوش بشرية بعد سقوطه المخزي يقتلون العراقي لكي يدخلوا
الجنة المزعومة وكأن العراقي وحده المسؤول عن أنقاذهم من نار جهنم.
إذن لكي تكون المقارنة والمفاضلة موضوعية وسليمة يجب علينا أن نسمي الأشياء
بمسمياتها فالحاضر نتاج للماضي وليس العكس ذلك أن الماضي لا يزال قائما
بصورة من الصور فهو لايزال يعشش في الأروقة والزوايا ولا يزال يفعل
المستحيل لتعطيل ماكنة الحاضر عن الدوران باتجاه المستقبل
غداء رئاسي بلا نساء
العدد ( 473)
الاحد 23 /5/2010
خلت مأدبة الغداء التي أقامها الرئيس جلال الطالباني
ظهر الخميس الماضي من النساء واقتصرت على الرجال.
وعلى الرغم من أن عقيلة مام جلال، السيدة الأولى هيرو إبراهيم أحمد، كانت
تحضر برفقته في معظم لقاءاته مع رجال المعارضة أيام زمان، وكان يباهي بذلك
ويقول لهم أنني المتحضر الوحيد بينكم لأنني أجلب معي زوجتي، بيد أنه لم
يجلب هذه المرة، حتى النساء المشاركات في العملية السياسية الى مأدبة
الغداء وهو غداء سياسي.
ولا نعرف في الواقع ما إذا كان غياب النساء عن مائدة الرئيس مجرد سهو من
رجال التشريفات في مكتبه أم "مؤامرة" من السياسيين الرجال أنفسهم لاستبعاد
النساء عن مناقشة قضية رئاسة الحكومة المقبلة كي لا يطالبن بها فيزاحمن
المتزاحمين عليها أصلا.
الغريب في الأمر أن أحدا من الرجال الذين حضروا مائدة الغداء الرئاسي لم
يسأل عن سر غياب المرأة عن الجلسة ولم يكلفوا أنفسهم الاعتذار لزميلاتهم في
الكتل والقوائم الفائزة. وربما أعتبروا الأمر تحصيل حاصل ما دام الرئيس هو
صاحب الدعوة وقد يكون قدر أن النساء في يوم الخميس يكن مشغولات بتنظيف
منازلهن استعدادا لعطلة يوم الجمعة.
السيدة صفية السهيل، وهي الوحيدة التي تنبهت لهذا "الخطأ التاريخي" من جانب
الرئيس، لها كل الحق في الاعتراض على هذا الاهمال غير المبرر لدور المرأة
في مثل هذه المناسبات خاصة وأن ثلث أعضاء البرلمان من النساء، عدا عن وجود
نساء وزيرات في الحكومة الحالية.
وكان بودي أن اتصل بالصديق الدكتور جلال الماشطة لأسئله عن الموضوع لكنني
قدرت أن يكون سؤالي محرجا خاصة وأن أبا فارس غالبا ما يرفض الحديث في شؤون
لا تتصل باختصاصه كمستشار ثقافي للرئيس.
إذن ما هو السر؟ المشكلة باعتقادي لا تكمن فقط في شعور الرجال، وأقصد معظم
الرجال الشرقيين، بان مملكة المرأة الحقيقية هي المطبخ، بل تكمن أيضا في
قبول المرأة نفسها لمثل هذا المديح الزائف الذي يريد أبقاءها في عالم الطبخ
والنفخ والصحون والطناجر.
ولكي لا أبدو ملكيا أكثر من الملك اكتفي باقتراح على النساء وخاصة عضوات
البرلمان بأن يطالبن بشمول الكوتا المخصصة لهن في الدستور، جميع مآدب
الغداء والعشاء وحتى الفطور. كي لا يتفرد الرجال بالسمك المسكوف والدولمة
والفسنجون ورئاسة الحكومة والمناصب السيادية، وغيرها من طيبات ما رزقناكم
المحامي السيئ
محام سيء قد يفسد قضية عادلة. هذا مثل سائد أضيف
عليه أمثالا من عندي: محام بخيل قد لا يذهب إلى المحكمة للدفاع عنك إن لم
تبعث له أجرة التاكسي أو تدفع له تفويلة بنزين. ومحام شريف قد يدفع عنك
أتعاب المحاماة ثم يعتذر لك عن عدم نجاح مرافعته. وبين هؤلاء ما بين
الملائكة والشياطين.
في وضعنا السياسي الراهن هناك (محامون) كثر أساءوا إلى موكليهم قبل الإساءة
إلى أنفسهم...فالبعض من هؤلاء حذر من تصاعد أعمال العنف والإرهاب في حال
جرى استبعاد بعض الشخصيات عن المشاركة في الانتخابات، وهو في هكذا تصريح
يضع نفسه موضع مساءلة (جديدة) عما إذا كان على علاقة بمن يقف وراء أعمال
العنف بحيث يعرف مسبقا أنهم سيصعدون من أعمالهم. أو أنه في أضعف الأيمان
يريد التحريض على هذا العنف.
محام آخر من أمثال صاحبنا قال أن العالم كله بما في ذلك أميركا والأمم
المتحدة والجامعة العربية والشعب العراقي سيكون معنا إذا جرى استبعادنا عن
الانتخابات. والسؤال هنا هو لماذا إذن كل هذا الانزعاج ما دام العالم كله
معكم.
محام ثالث قال لن نسمح للصفويين بإقصاء ممثلي الشعب الحقيقيين عن
الانتخابات. وحسب علمي لا يشارك أخوان الصفا في هذه الانتخابات، ولكن إذا
كان المرشح يقصد بالصفويين الفرس المجوس فلماذا يريد الأخ المشاركة في
انتخابات إيرانية.
محام رابع قال إن إقصاء فلان الفلاني معناه إقصاء مكون أساسي من مكونات
الشعب العراقي. ومثل هذا الكلام الذي كان يصح على انتخابات 2005 مردود الآن
مادام أبو ريشه مع قائمة البولاني والهاشمي مع علاوي والهايس مع الحكيم
والشيخ علي السليمان مع المالكي، فاختلط الحابل السني بالنابل الشيعي، فعن
أي مكون أساسي يتحدث الأخ المحامي.
خلاصة الأمر: في زمن النظام السابق كان لدينا محام واحد هو القاضي نفسه،
يحكم علينا بالبراءة مرة والإعدام مرة أخرى، بدون أن يسمح لنا حتى بالتثاؤب
أثناء صدور قرار الحكم، واليوم لدينا محامون كثرا أولهم الشعب العراقي
وثانيهم القضاء، فلنحتكم لمن نثق به لأنه سينصفنا لا محالة
؟؟؟
العدد ( 394)الاثنين
25/1/2010
الكل يعلن أنه ضد التدخل الخارجي في الشؤون
الداخلية للعراق، من أين أتى هذا التدخل ولأي سبب كان.
والكل يعلن أن السيادة الوطنية خط أحمر والقرار المستقل خط أصفر والوحدة
الوطنية خط كحلي (واليوصل حدنا نكص أيده) ولكن ما أن تبرز مشكلة يعجزون عن
حلها فيما بينهم حتى تبدأ التلفونات بالرنين: (مستر أوباما ما عندنا غيرك
أبعث لنا مستر جو بايدن على وجه السرعة... عيوني عمرو موسى أمال فين الدور
العربي في العراء ليه هاملينه كده؟ دكتور سياد بري ولو أنته موبالسلطة بس
محتاجين دور الصومال وخصوصا الأخوان القراصنة) وهكذا سرعان ما تتبخر
السيادة الوطنية وتصبح الخطوط الحمراء خطوطا وهمية مثل خيوط الدخان.
حدث هذا مع مشكلة كركوك وحدث في مشكلة قانون الانتخابات واليوم يحدث مع
قرارات هيئة المساءلة والعدالة.
أنا اسأل هنا الساسة ممن بشرونا مؤخرا بأن التدخلات في مشكلة المساءلة
والعدالة قادمة سريعا ولن تقتصر هذه المرة على تدخل الولايات المتحدة
الأميركية والأمم المتحدة بل ستشمل دول المجموعة الأوربية وجامعة الدول
العربية وجزر الكاريبي وجزر سيشيل وإمارة رأس الخيمة، أسألهم ما الذي
أبقيتموه للعراق والعراقيين والى متى يمكن أن نبقى نستعين بالخارج لحل
مشاكلنا الداخلية وعلام إذن تتحدثون عن الخطوط الحمر والبيض والصفر؟
لماذا لا تلجأون إلى العراقيين، مواطنين ورأي عام ومنظمات مجتمع مدني وقضاء
وقانون ودستور، للفصل في خلافاتكم الداخلية؟ ومتى يمكن أن نعتمد عليكم أنتم
وليس على الأجنبي سواء كان صديقا أم شقيقا؟ وإذا كنا في كل مشكلة تعجزون عن
حلها نضطر للاستعانة بالأمريكان والبريطانيين والأوروبيين والعرب والهنود
والأفارقة، فما نفعنا منكم وبكم يا ترى؟
بالمناسبة كنت أود أن اسأل السيد جوزيف بايدن الذي وصل البلاد قبل البارحة
عن رأيه بالسياسيين العراقيين لكنني أخشى أن أتهم بإشراك أجنبي في الشؤون
الداخلية لذلك قررت التزام الخط الأحمر
حضرتك عراقي؟
العدد ( 388)الاثنين
18/1/2010
قبل نحوٍ من ستين عاماً، سأل أحد الضباط الإنجليز،
الزعيم الهندي الراحل المهاتما غاندي، عن محتوى الخطاب، الذي كان يريد أن
يلقيه في حشد من الهنود المتظاهرين ضد الاحتلال البريطاني لبلادهم، فقال له:
سأتحدث عن القيمة الغذائية في حليب الماعز! ولم يكن غاندي، في واقع الأمر،
يسخر من الضابط الإنجليزي، أو يريد أن يوحي له بأن خطابه لا يحتوي على
التحريض السياسي، بل هو كان صادقاً تماماً، لأن سياسته، في الأصل، كانت
تقوم على مقارعة الاحتلال بطرق وأساليب لم تكن تخطر على بال مخططي
الاستراتيجية الاستعمارية البريطانية في ذلك الوقت. فإلى جانب نهج اللاعنف،
كانت تلك السياسة تقوم على مقاطعة مختلف البضائع البريطانية، بما في ذلك
القماش، الذي كان الهنود ينسجون منه وزراتهم البيضاء الشهيرة، ولهذا كان
غاندي يجلس ساعات لينسج، من خيوط دودة القز "الوطنية!" ثيابه الخاصة، مثلما
كان يعتمد على حليب الماعز في غذائه اليومي، فسارت خلفه الملايين، من أبناء
شعبه، مقتفية أثر سياسته الحكيمة تلك، حتى اضطرت الإمبراطورية، التي لم تكن
تغيب عنها الشمس، الى مغادرة الهند، صاغرة، في نهاية المطاف.
لكن إذا كانت هناك من معجزة تركها المهاتما غاندي لشعبه، وللبشرية كلها،
عدا سياسة اللاعنف، فهي معجزة الديمقراطية، التي أنقذت ثاني اكبر دولة في
العالم، من ناحية عدد السكان، من احتمالات ومخاطر التطاحن والتقاتل الطائفي
والقومي والديني والإثني، ونقلتها الى بلاد شاسعة الأطراف والمصالح، مستقرة
وفيدرالية ومتقدمة، يكاد اقتصادها الوطني وتطورها التقني والتكنولوجي، أن
ينافس أكثر البلدان تطوراً وطموحاً في القارات المجاورة لها.
ومع هذا ما زلنا في العراق عندما نريد أن نسخر من شخص نقول له شنو حضرتك
هندي، في حين أن الهنود حققوا معجزة لم يحققها شعب من الشعوب ومن حقهم أن
يسخروا منا وليس العكس. أي أن يقول الهندي لهندي آخر عندما يريد أن يسخر
منه: شنو حضرتك عراقي!
ترى هل خطر في بال السياسيين العراقيين مرة أن يدرسوا تجربة الهند وهم
يتطاحنون في بلد لا يتجاوز عدد نفوسه سكان قرية صغيرة في أطراف نيودلهي
شكرا سيد غوغل!
العدد ( 384)الاثنين
11/1/20010
لم يساعدني أحد في حياتي المهنية مثلما ساعدني السيد
غوغل.
فمنذ ظهوره في حياتي وهو يقدم لي خدمات لم أكن أحلم بها من قبل، من دون
مقابل ولا تذمر أو كسل. فهو يحفظ اسمي عن ظهر قلب فيجمع لي كل ما أنشره في
الصحف والمجلات. ويخبرني لحظة بلحظة أينما ورد أسمي حتى لو كان ذلك في جزر
المالديف! ينتظر مني أي سؤال وقبل أن أكمل طلبي يكون قد أجاب عن سؤالي وقدم
لي مئات الأجوبة والحلول والمقترحات.
صديق مطيع يشبه المارد الذي يخرج من القمقم ويقول لك شبيك لبيك خادم بين
أديك.
سألته مرة عن نفسي، كتبت له: " جمعة الحلفي" وتركت له الأمر فأعطاني
معلومات عن نفسي لم أكن أعرفها أو أتذكرها. وفوق ذلك أخبرني عمن مدحني أو
ذمني أو شتمني ولماذا!
أسأله أحيانا عن صديق فارقته منذ ثلاثين سنة ولا أعرف عنه شيئا فيطلب مني
الأنتظار لحظة ثم يشرح لي من هو هذا الصديق، أين كان، وأين أصبح، وماذا
يعمل، وماذا يكتب وأين هو الآن. ثم يقدم لي على طبق من ذهب عنوان الصديق
وبريده الشخصي ويحثني على الاتصــــال به.
قبل أن يظهر "السيد غوغل" كنت أعتمد على ذاكرتي عندما أريد الكتابة عن
موضوع يحتاج الى أرقام أو أسماء او تواريخ. وبعد ظهوره أعطيت ذاكرتي إجازة
طويلة. فلم أعد بحاجة إليها. يكفي أن أكلف معاوني السيد غوغل بذلك فيعطيني
كل ما أريده في لحظات أو دقائق.
ذات مرة كلفني مركز دراسات بكتابة بحث طويل عن موقف الأحزاب العراقية من
القضية الفلسطينية فقضيت نحو شهر في تجميع الوثائق والمصادر التاريخية،
وشهر آخر في قراءتها، وشهر ثالث في كتابة البحث.
كان هذا قبل ان اتعرف على السيد غوغل وعندما ظهر أنجزت عدة دراسات وبحوث
بالحجم نفسه والدقة ذاتها خلال مدة أسابيع فقط.
أعجب أحيانا من صحفي أو إعلامي أو مثقف لا يعرف السيد غوغل مع أنني أتمنى
من قلبي أن لا يعرفه أحد سواي لكي أبقى صديقه الوحيد
الأطرش بالخارج!
العدد ( 380)الاثنين
4/1/20010
في بلاد الغربة، كما يسميها المهاجرون العراقيون،
يجد الإنسان نفسه أمام الكثير من الأشياء التي يجب عليه أن يتعلمها أو أن
يتعود عليها أو يتفهمها في أقل تقدير، كي يسهل عليه الاندماج والتعايش مع
شعوب وأقوام تلك البلاد وفي مقدمة هذه الأشياء اللغة، أي لغة البلد الذي
يعيش فيه ذلك المهاجر. فمن دون تعلم لغة ذلك البلد يظل الغريب غريباً يشعر
بالوحدة والوحشة وكأنه في جزيرة معزولة، مع أنه يعيش وسط الناس، ذلك أن
اللغة هي سبيل التواصل الأساسي بين البشر وفي حال افتقادها يصبح الناس
كالخرسان.
أما في حالة المهاجر في بلد ما ولا يعرف لغة أهل ذلك البلد فسيكون هو وحده
الأخرس وسط الناس الناطقين، أي يصبح كالأطرش بالزفة، كما يقول المثل
الشعبي.
وفي واقع الحال هناك الآلاف بل عشرات الآلاف من العراقيين الذين رفضوا
(بإباء وإصرار!) تعلم أية لغة من لغات البلدان التي عاشوا فيها سنوات
طويلة، فظلوا يمارسون حياتهم كالطرشان، ولهذا فهم يقضون جلَّ يومهم بين
المطبخ وسرير النوم وغرفة الضيوف.
وعندما تسأل الواحد من هؤلاء عن سبب عدم تعلمه اللغة السويدية (مثلاً) حيث
يعيش هناك منذ سنوات، ستجد لديه أجوبة جاهزة وقاطعة من قبيل القول إن اللغة
السويدية ليست لغة عالمية وهي لا تنفعني كثيراً وكأن الأخ عبقري زمانه في
بقية اللغات!
أو يقول لك: يا أخي هم شعب مغلق لا تستطيع أن تتفاهم معه بأية لغة، وصاحبنا
ينسى أن مفتاح التفاهم مع أي شعب هو تعلم لغته والتحدث بها.
ومن بين الأجوبة الطريفة التي سمعتها من عراقيين يعيشون في بلدان أوروبا
ولم يتعلموا شيئاً، لا من لغة شعوب تلك البلدان ولا من ثقافتها، قول أحدهم
إنه لا يريد تعلم لغة جديدة، لكي يظل يحافظ على لغته العربية الأم من
التشويه. ولم أصادف مشوهاً مثل هذا الشخص لأنك لو سألته عن الفاعل والمفعول
به في جملة مفيدة لا يعرف كيف يرد عليك، ومع ذلك فهو يخشى على لغته العربية
من التشوه!
لكن مقابل هؤلاء الكسالى الذين يقضون أوقاتهم في البحث عن عراقيين أو عن
عرب يتحدثون معهم في أوقات فراغهم الطويلة والمملة، هناك من وجد في حياته
الجديدة فرصة ذهبية ليس لتعلم لغة جديدة بل لتطوير معارفه وتعزيز معلوماته
من خلال التعرف على حياة الشعوب وثقافتها وآدابها وفنونها وعاداتها، لذلك
سيعود هؤلاء غداً، إلى وطنهم، ليس بالدولارات وحدها إنما بالمعارف والخبرات
أيضاً
شبعوا وجعنا
العدد ( 379)الاحد
3/1/20010
يقبض عضو البرلمان أكثر من عشرين مليون
دينار شهريا غير المخصصات والخدمات الجانبية. أي ما يقرب من 250 مليون
سنويا. وخلال السنوات الأربع الماضية قبض كل عضو برلمان ما مجموعه مليار
دينار.
هذا المليار هو الحلال الزلال فقط
وبالعافية عليهم فالعراق غني وأبناؤه البررة يستحقون مثل هذه المكافآت
المجزية لقاء جهودهم وتعبهم وسهرهم. لكن المشكلة أن هؤلاء السادة لم يقدموا
لبلدهم في واقع الحال ما يوازي أقل القليل مما أخذوه منه. وتعالوا نتحاسب:
عدد القوانين التي كان مطلوبا من
البرلمان تشريعها ولم تشرع خلال السنوات الأربع الماضية يفوق المائة قانون
بينها ما يعد من أهم القوانين.
لم يعقد غالبية النواب اجتماعا واحدا مع
الذين انتخبوهم والسبب أنهم لا يعرفون من انتخبهم ولا من انتخبهم يعرفهم
لأنهم جاءوا عن طريق القائمة المغلقة (أي عمياوي).
بعض النواب لم يحضر جلسات البرلمان طوال
سنوات أو أنه حضر بضع جلسات فقط ويجب على هؤلاء إعادة المليار دينار الذي
قبضوه لقاء عضويتهم.
بعض النواب كانوا سببا في تأجيج العنف
الطائفي ومنهم من هو متهم بمساعدة الإرهاب كما تقول السلطات المعنية وهؤلاء
يستحقون العقاب وليس جائزة المليار دينار.
بعض النواب لم يتفوه بكلمة واحدة طوال
السنوات الأربع ولا يعرف سوى رفع يده عندما يرفع الآخرون أياديهم.
بعض النواب يتسلمون رواتب شهرية عن
عناصر حماية وهميين خلافا للقانون.
بعض النواب لم يخرج من المنطقة الخضراء
ولا يعرف أين يقع سوق الغزل.
بعض النواب أسسوا شركات للحصول على
مقاولات خلافا للقانون.
بعض النواب شهاداتهم مزورة ولا يمتلكون
ما يؤهلهم لاحتلال مكانة النائب.
بعض النواب ينامون أثناء الجلسات وحين
يصحون يذهبون للمطعم ليأكلوا قبل زملائهم.
بعض النواب يغيبون عن الجلسات لكي
يحضروا على شاشات التلفزيون.
بعض النواب يغادرون أثناء الجلسات
ويقضون الوقت في التدخين خارج القاعة.
بعض النواب يعيشون في دول أخرى ويزورون
العراق بين حين وآخر.
قلة من النواب
يستحقون الشكر والتقدير لجهودهم ونتمنى أن يعودوا مرة أخرى إلى البرلمان
القادم. لكن ما نخشاه أن يعتبر جميع أعضاء البرلمان أنفسهم من هؤلاء القلة
كاريزما على تمّن!
العدد ( 362)
الاثنين 7/12/2009
الكاريزما هي الجاذبية الشخصية، والجاذبية شرط من
شروط نجاح القادة والزعماء وسواهم من نجوم السياسة والمجتمع، فليس هناك
زعيم دولة أو قائد حزب لا يتمتع بهذا القدر أو ذاك من هذه الكاريزما.
وإذا كنا هنا في دول العالم الثالث أو (الدول المتخلفة حديثاً) حسب تعبير
صديق قديم، لا نقيم اعتباراًً كبيراً لكاريزما الزعماء والقادة لأنهم
يتزعموننا ويحكموننا غصباً علينا وعلى أجداد أجدادنا، فهناك في دول أوروبا
والعالم الآخر، قطاعات واسعة من الناخبين لا يعطون أصواتهم إلا لمن يتمتع
بالكاريزما، سواء كان زعيماً جيداً أم رديئاً، فالمهم هو أن يكون وسيماً
ومحبوباً وخطيباً مفوهاً ويعرف كيف يدخل الى قلوب الناخبين.
وكما أذكر فقد سألني صديق عربي، أيام النظام البائد، هل أن صدام حسين يتمتع
بنوع من الكاريزما داخل العراق، فقلت له نعم بكل تأكيد ولكنها كاريزما من
النوع القاتل.
وأتذكر أيضا الزعيم الألماني هولمت كول الذي بكى أمام كاميرات التلفزيون
عندما أعلن عن خسارة حزبه في الانتخابات ولم يفكر بانقلاب عسكري بالطبع
إنما ذهب الى بيته واعتزل.
وقبل فترة قصيرة قرأت مقالاً لصحفي أوروبي كان في زيارة للعراق وأجرى ما
يشبه الاستفتاء حول استعداد الساسة زعماء الأحزاب في العراق لخوض
الانتخابات القادمة. ويقول كاتب المقال إنه سأل مواطناً عراقياً عن مزايا
الزعيم الذي سيمنحه صوته في الانتخابات، فقال له المواطن نريد زعيماً يوفر
لنا الخبز والأمان. واندهش الصحفي لهذه الإجابة الغريبة عليه.. فما معنى أن
يوفر الزعيم الخبز والأمان للناس وهي من اختصاص الشرطة والأفران؟ وعاد
الصحفي وسأل المواطن نفسه، عما إذا كان الزعيم المطلوب يجب أن يتمتع
بكاريزما خاصة؟
وكما يبدو لم تترجم عبارة الصحفي للمواطن، بشكل واضح، فاندهش، هذه المرة،
المواطن نفسه ورد عليه وهو يضحك: إذا كاريزما على تمّن... ممتاز!
هذا المقطع الساخر أفضل ما في مقال الصحفي الأجنبي، وأتمنى أن يكون الساسة
في بلادنا قد قرأوه جيداً، فالعراقي لا يحتاج اليوم الى المزيد من
المهاترات والبهلوانيات وألعاب السيرك والخلافات العقيمة، إنما يحتاج الى
الخبز والأمان والكهرباء والماء أولاً وأخيرا، أما الكاريزما فليست هناك
أسواق لتصريفها في العراق حالياً
كتًاب السيرك!
العدد ( 342)الاثنين
2/11/2009
الكتابة طقس خاص حسب تعبير الأدباء. والمقصود
بالعبارة هو قدسية فعل الكتابة وخاصة الإبداعية منها. وأنا من المعجبين
بهذا التوصيف لكن هناك من يعتقد أن فعل الكتابة يمكن أن يشبه فعل قرود
الشمبانزي وهي تتقافز على أغصان الأشجار، أو وهي تخطف أصبع الموز من يد
المتفرجين عليها في السيرك. والفارق بين الصنفين من الكتاب كالفارق بين
مهندس الكمبيوتر ومصلح البريمزات. فالأول يتعامل مع رموز اللغة البرمجية
والثاني يتعامل مع المنفاخ والنفط الأبيض.
ومن أفعال الكتابة لدى الصنف الأول ما هو صارم ورصين وأنيق، ومنها ما هو
عفوي وفوضوي. ومن النمط الفوضوي كتاب وشعراء كبار. فالجواهري الكبير مثلا،
حين يأتيه شيطان الشعر (أو ملاكه؟) يكتب على أقرب قصاصة ورق يجدها في
طريقه. فيما يكتب مظفر النواب شعره على ورق مصقول وملون غاية في الأناقة.
ومن يري الحروف الصغيرة التي يكتب بها مظفر قصائده يتعجب من قدرته على
إعادة قراءة ما يكتب
. وفي مرة من المرات نسي مظفر واحدة من كراساته الأنيقة تلك في بيتي، بعد
جلسة ، وعندما وجدت الكراسة مركونة على أحد الكراسي، شعرت وكأنني وجدت
كنزاً، لكنني أعدتها له صباح اليوم نفسه، لأنني فشلت في فك طلاسم الحروف.
وروى لي الصديق جلال الماشطة حكاية طريفة عن الشاعر الداغستاني المعروف
رسول حمزاتوف، قال أنه زار يوما بيته وعلم من زوجة الشاعر أنها اضطرت يوماً
لشراء كمية كبيرة من كراسات الورق المتعدد الألوان وقامت بتوزيعها في زوايا
المنزل لأنه يكتب قصائده على أي شيء يجده أمامه وخاصة علب السجائر الفارغة.
ومع ذلك ظل حمزاتوف يكتب أشعاره على قصاصات علب السجائر. وعندما سألته
لماذا يفعل ذلك ولديه كراسات الورق الأنيق؟ سألها هو: عندما يأتيك الطلق هل
تنشغلين بالبحث عن مكان الولادة؟
وأعود إلى صنف كتاب السيرك فهؤلاء يعتقدون كما يبدو أن شتم الناس والإساءة
لهم وتلفيق القصص والشائعات عنهم هي أفضل أنواع الكتابة للوصول إلى الشهرة.
وفي الواقع الطرق السريعة إلى الشهرة كثيرة ومتعددة في مقدمتها الحماقة
والاستهتار ونقص الغيرة
حرية التعبير عن
الأكاذيب
العدد ( 337)الاثنين
26/10/2009
الكذب على الناس ليس كالكذب على الزوجة. وكذب
الصحافة أشبه برمي عود الثقاب في كومة القش لا تنفع معه أطنان الاعتذارات
في عدد اليوم التالي.
قد تخطيء الصحيفة في نشر خبر كاذب مرره محرر خبيث أو خامل على رئيس التحرير
لكن أن يصبح نشر الأكاذيب سياسة للصحيفة فهو أمر غير مقبول. ولو كانت هناك
ضوابط ومعايير مهنية وقانونية للعمل الإعلامي في العراق لكانت عشرات من
الصحف ومحطات التلفزيون قد أغلقت لأنها تعتبر نشر الأكذوبة سبقا صحفيا.
ولا أذكر في حياتي المهنية التي زادت على خمس وثلاثين سنة أن صحيفة نشرت
ثلاثة اعتذارات عن ثلاث أكذوبات في عدد واحد. وهذا ما حصل للأسف قبل أيام
في أحدى صحفنا المحلية. هذه الصحيفة تدعي أنها تبيع أكثر من بقية الصحف
وربما كان هذا الادعاء صحيحا لأن أكثر ما يلفت انتباه الناس هو الفضائح
والشتائم. ومعروف في بلدان كثيرة أن صحف الفضائح هي الأكثر مبيعا لكن حتى
هذه الصحف تتوقف طويلا قبل أن تنشر فضيحة ملفقة ولا أساس لها من الصحة.
والمشكلة عندنا أن الأمر لا يقتصر على نشر الأكاذيب الصغيرة أو العابرة
التي يمكن الاعتذار عنها في اليوم التالي إنما الأمر يتعلق بنشر أكاذيب
تستهدف ضمنا تشويه سمعة الناس ومنهم شخصيات اعتبارية في قمة هرم الدولة.
ومثل هذه الممارسات لا يجب أن تمر كل يوم بمجرد اعتذار الصحيفة بل يجب أن
تخضع لمحاسبة صارمة من جانب الجهات المعنية بمراقبة أداء وسائل الإعلام
أثناء الحملة الانتخابية ذلك أن تشويه سمعة سياسيين لحساب سياسيين آخرين
يدخل ضمن الأداء المنحاز وغير المنصف.
وقد يجادلنا البعض في حرية التعبير، التي أصبحت هذه الأيام أشبه بقميص
عثمان، سنقول له أن حماية الناس وكراماتهم وسمعتهم من الأكاذيب والقصص
الملفقة والشائعات هي الوجه الآخر لحرية التعبير إذ لا يمكن لهذه الحرية أن
تستخدم ضد الآخرين بدون وجه حق لأنها ليست ملكا صرفا لنا وحدنا فدائما هناك
من يعتبر أن له الحق هو أيضا بالنصف الآخر من حرية التعبير
جربوع الخفيف!
العدد ( 327)
الاثنين 12/10/2009
يبحث الجربوع في أول الصيف عن ثمرة القرع (وتسمى
أيضا بالخفيف) فيثقب القشرة الطرية لها ويدخل فيها حيث الجو الرطب والطعم
اللذيذ لقلب الثمرة فيقيم هناك طـــــــوال الصيف يأكل ويتبرد وينام
و....يسمن.
في نهاية الفصل يكون حجم الجربوع قد أصبح أكبر كثيرا من الثقب الذي دخل منه
وتكون قشرة القرع قد تصلبت وأصبحت كالخشب فيتعذر عليه الخروج منها.
ماذا يفعل الجربوع في هذه الحالة؟ إنه يضطر لتنحيف نفســـه. يجوع ويجوع
ويهزل وينتظر حتى يتسنى له الخروج من ثقب القرع. وبعدها يكتشف أنه كان ضحية
مقلب صنعه بنفسه لنفسه.
ولو أن الإنسان أخذ العبرة من حياة الطيور والحيوانات والزواحف وحتى
الجرابيع لما ارتكب الكثير من الأخطاء والخطايا في حياته. ولما شعر بالندم
وتأنيب الضمير بعد كل ورطة وضع نفسه فيها.
ولدينا اليوم الكثير ممن مروا بتجربة الجربوع وهم الآن داخل ثمرة الفساد
يأكلون ويتبردون وينامون في العسل ولكنهم سيكتشفون يوما أن ثقب الثمرة الذي
دخلوا منه سيضيق عليهم بعد أن يكونوا قد سمنوا وفاحت منهم روائح الفساد.
فمن أين سيخرجون حينها؟
هل يبدأون بعملية تنحيف لجيوبهم وأجسادهم حتى تعود كما كانت من قبل؟ ربما
سيكون الأوان قد فات على مثل هذه العملية وعندها لا ينفع مال ولا بنون.
النصيحة لهؤلاء أن يقرأوا كتاب الحيوان للجاحظ الذي يصف طبائع الحيوان
وغرائزه وأحواله وعاداته عسى أن يجدوا فيه ما ينفعهم من الدروس والعبر ما
دامت عبر الحياة البشرية ودروسها لم تنفعهم!
وأختم بهذه النكتة: (جربوع قال لأبنه الصغير عندما تنجح بالمدرسة سأشتري لك
حائط)
قانون الجرذان!!
العدد ( 322)
الاثنين 5/10/2009
يقول بعض المختصين في عالم الحشرات والزواحف أن
الجرذان والفئران التي نشاهدها في بيوتنا أو في الشوارع العامة هي مجموعات
مطرودة من عائلاتها لأسباب كثيرة منها عجز الجرذ عن الإتيان بغذائه أوعيشه
على حساب الآخرين أو عقوقه وعدم احترامه للنظام السائد. وغير ذلك من
الخلافات التي تؤدي إلى طرد الجرذ من العائلة فنراه يتسكع ويتفتل في
بيوتنا. وبناء على هذه الفكرة يفترض المختصون أن أعداد الجرذان والفئران
التي تعيش تحت الأرض ولا نراها تزيد على أعداد البشر بأضعاف.
وكما أتذكر على هذا الصعيد أن وزارة الاتصالات البريطانية أعلنت قبل سنوات
أن الجرذان في لندن تسببت في إتلاف شبكة الهاتف الأرضي عندما قرضت ما يعادل
عشرة كيلو مترات من الأسلاك المدفونة تحت الأرض. وقدرت الوزارة عدد الجرذان
التي قامت بهذه المهمة الشاقة بعشرين مليون جرذ.
ونعود إلى حديثنا فكما يؤكد المختصون فأن عملية طرد جرذ من عائلته تتم
بالإجماع (أي بالديمقراطية!) وبعد أن يتأكد جميع أفراد العائلة أن المطرود
يستحق ذلك. ولهذا لا يستطيع الجرذ المطرود العودة إلى العائلة حتى لو
أستخدم آلاف الحيل.
وبين أبناء البشر هناك آلاف وملايين يسرقون ويرتشون ويعيشون على حساب
الآخرين ويمارسون شتى أنواع الكذب والعقوق والنفاق وعدم احترام النظام وهم
يستحقون أكثر من الطرد ولكن المشكلة أن هناك من يتستر عليهم ويوفر لهم
الحماية.
ولو أننا استخدمنا قانون الجرذان مع الفاسدين والمرتشين وسراق المال العام
وطردناهم من المجتمع لكنا اليوم أفضل حال من الأمس. لكن المشكلة التي
تواجهنا هي في أولئك الذين يوفرون الحماية لهذه الجرذان البشرية. وما أخشاه
فوق ذلك هو أن يكون هؤلاء الفاسدين الذين نراهم يتفتلون في أوساط المجتمع
هم الجزء الظاهر من جبل الجليد. أي أن يكونوا مجرد مطرودين من عوائل الفساد
الكبيرة التي تقبع تحت الأرض
مخصصات بدل رشوة
العدد ( 317)الاثنين
28/9/2009
رغم ذكاء الإنسان إلا أن الطمع يعمي بصيرته ويدفعه
أحيانا إلى التصرف بطريقة توقعه في الورطة والفضيحة!
فلو كان وكيل وزير النقل، الذي اعتقلته النزاهة مؤخرا متلبسا بأخذ رشوة، قد
طلب من الشركة التي وشت به مبلغا متواضعا كأن يكون خمسة آلاف دولار، لكانت
الشركة أعطته المبلغ وانتهى الأمر بسلام.. ويا دار ما دخلك شر. لكنه طلب
نصف مليون دولار فراح ضحية طمعه!.
لا أريد هنا أن أبرر أخذ الرشوة كبيرة كانت أم صغيرة فهي فعل كريه على أية
حال لكنني على يقين من أن حلم القضاء على الرشوة أو على الفساد عموما يشبه
حلم إبليس بالجنة فهو مستحيل. لذلك أقترح أن تنصب الجهود على ترشيد الفساد
بدل القضاء عليه. وأزيد على ذلك اقتراحا على الحكومة بأن تدعو موظفي الدولة
إلى قبول الرشوة علنا ولكن بشرط أن لا تزيد عن ألف دينار للموظف الصغير
ومائة دولار للموظف المتوسط وألف دولار للموظف الكبير. أما الوزراء فما فوق
فيمنعون من قبول الرشوة ويمنحون بدلا عنها مخصصات رشوة بمقدار محدد!
وكي يكون المقترح عمليا على الحكومة أن تشترط على من يقبض رشوة أكثر مما هو
مخصص لمنصبه الوظيفي أن يدفع ضريبة تسمى ضريبة الرشوة. ومن تزيد رشوته على
راتبه الشهري يتبرع بالزيادة لدور الأيتام. أما من يقبض رشوة بدون أن يقدم
خدمة معلومة للمواطن وأقصد بذلك الوسطاء من المرتشين فهذا يخضع للمساءلة
القانونية لأن رشوته حرام. وزيادة في الحيطة من التلاعب تنشئ الدوائر
أقساما خاصة تقبض الرشوة من المواطنين وتوزعها في نهاية الدوام على
الموظفين المعنيين!
وسيتساءل القارئ الكريم وكيف سنراقب كل هؤلاء ونعرف مقادير الرشوة التي
يقبضونها وأقول له أن الأمر بسيط جدا وهو أن نعطي لكل موظف في الدولة رشوة
كي يراقب لنا زملاءه في الدائرة ثم يبلغ الحكومة بذلك
حقوق الإنسان..
المجرم!
العدد ( 312)الاثنين
14/9/2009
بلغ افتتان البعض بالشعارات والمبادئ الحقوقية والإنسانية، التي رافقت
عملية التغيير وسقوط النظام المباد، حداً جعل من طريقة وهدف استخدامها أمرا
مريباً ومدعاة للشك في حقيقة احترام هذا البعض لتلك الشعارات. ولم يعد
الأمر يقتصر على عملية اللعب والتأويل وحتى السخرية من هذه الشعارات
الخلاقة، على طريقة: أنت ديمقراطي إذن عليك تحمّل ترهات الآخرين، بل أصبحت
حمالة أوجه يمكن أن تستخدم بالحق وبالباطل في آن واحد. لهذا لم يعد غريباً
ولا مثيراً للشبهات، أن يطلع علينا من يدافع عن حقوق مجرمين قتلة، استباحوا
دماء الأبرياء في وضح النهار، باسم الدفاع عن حقوق الإنسان، ولسان حال هذا
البعض يقول لنا: هذه بضاعتكم ردت إليكم!
ليس هذا حتماً مفهوم حقوق الإنسان، كما شرعته القوانين الدولية، ولا هذا
أيضا الهدف الإنساني النبيل الذي يكمن وراء هذا المفهوم، بل هذا هو بالضبط
ما يريده ذلك البعض، أي استخدام سلاحنا ضدنا.
ولو أن الأمر توقف عند الدفاع عن هؤلاء القتلة لفسرناه على وجوه كثر ولكن
هناك من لا يكتفي بالدفاع عن هؤلاء إنما يمنع إنزال القصاص العادل
بهم.القصاص الذي شرعته قوانين السماء والأرض وأنزله بهم القضاء والمحاكم
الشرعية المستقلة وليس جهة سياسية ما. فكيف يريدوننا أن نفسر هذا يا ترى؟
إن من شاهدناهم ونشاهدهم على شاشات الفضائيات وهم يعترفون بأبشع الجرائم،
هم سلالة النظام الإرهابي البائد نفسه، وهم حملة ألويته وهم جزارو دهاليزه
المظلمة وهم حفارو قبوره الجماعية، فعن أية حقوق إنسان يتحدث هذا البعض،
وماذا أبقى أولئك المجرمون من حقوق الناس كي يستحقوا حقوقاً منهم؟
رحم الله جان جاك روسو وفولتير ومونتسكيو، فلو كان أولئك العباقرة يعلمون
أن شعاراتهم عن العدالة وحقوق الإنسان ستشمل بظلالها الوارفة قتلة الأطفال
والنساء ومشعلي الحرائق، لما أقدموا على فعلتهم الحميدة تلك
وسائل إعلام
أم جمعيات خيرية؟
العدد ( 307)الاثنين
7/9/2009
تخلط بعض وسائل الإعلام بين وظيفتها كوسيلة إعلام
وبين وظائف أخرى لا صلة لها بالإعلام من قريب أو بعيد. على سبيل المثال
هناك فضائيات تأخذ دور الجمعيات الخيرية فتقوم بمعالجة المرضى أو جرحى
التفجيرات الإرهابية على حسابها أو حساب مموليها. وقد يكون في هذا النشاط
جانب إنساني ولكن استخدام معالجة جريح أو مريض كإعلان تلفزيوني يجري
الترويج له بين فاصل وآخر يجعل من هدف هذا النشاط موضع ريبة وشك. فمن يقدم
الإحسان للناس عليه أن يتعفف عن استثمار هذا الإحسان لأغراض الدعاية أو
الترويج لشخص المحسن.
وهناك فضائيات تعلم المشاهد كيف يصنع العبوات الناسفة وكيف يرتدي الحزام
المفخخ ويقتل الناس. وهذه تضع نفسها في قلب الشبهات كواجهة لمنظمات الإرهاب
والعنف مثلها مثل مواقع الترويج للمخدرات. وللأسف مثل هذه الفضائيات تبث
إلى الجمهور العراقي من دول لا تكل ولا تمل من ترديد شعارات القومية
والأخوة العربية وغيرها من الخزعبلات.
فضائيات أخرى تستخدم الأكاذيب كسبق صحفي وتلصق هذه الأكاذيب بمصادر تقول
أنها (رفضت الكشف عن اسمها) وهذه الفضائيات تعاني من نقص في مركب الأخلاق
المهنية لأن الأكاذيب من قبل وسائل الإعلام أخطر من أكاذيب مسيلمة.
والمصيبة أن جميع وسائل الإعلام هذه تدعي أنها أكثر ديمقراطية من الآخرين
وأكثر حرصا على حرية التعبير وهي في واقع الحال تستخدم هذه المبادئ النبيلة
والحضارية بطريقة تسيء إليها إلى درجة تبدو معها أكثر سوءا من الاستبداد أو
الفوضى لأنها تريد تلقين المشاهد عبر الأكاذيب بالنزعات الطائفية وروح
العداء للآخر في حين أن الإعلام رسالة حضارية وتنويرية وتربوية قبل أن تكون
رسالة مصالح سياسية ضيقة معبأة بالكراهية والإسفاف
العرب العاربة والعرب
البائدة
العدد ( 302)
الاثنين
31/8/2009
قلة من العراقيين تعرف السيد خوسيه
لوي رودريغز رئيس وزراء أسبانيا لكن الغالبية تعرف أسماء الزعماء والملوك
وأصحاب السيادة والسعادة العرب. والموضوع هنا لا يتعلق باختبار معلومات
القراء الأعزاء، إنما يتعلق باختبار عروبة الأشقاء العرب وشهامتهم وكرمهم
الحاتمي.
فالسيد رودريغز تبرع قبل سنوات بمعالجة جرحى حادثة جسر الأئمة في ذات اليوم
الذي تبرع فيه شيخ خليجي بمليون دولار لضحايا إعصار كاتيرنا في الولايات
المتحدة. واليوم يكرر التاريخ نفسه على شكل مهزلة جديدة فالسيد رودريغز
نفسه يتبرع بعلاج جرحى جريمة يوم الأربعاء الدامي ويرسل طائرة إلى بغداد كي
تحمل الجرحى إلى بلاده البعيدة في حين بخل الأشقاء العرب حتى بإصدار بيانات
استنكار للجريمة. فيا سبحان الله!
عندما قاطعت الأنظمة العربية مصر بعد زيارة السادات لإسرائيل في العام 1977
وفرضت عليها الحصار شعر المصريون بالظلم من أشقائهم العرب وبدأوا يتحدثون
عن أصولهم الفرعونية الأصيلة مقابل أصولهم العربية الطارئة. وكانوا على حق
لأنه من غير المنطقي وغير الأخلاقي معاقبة شعب بأكمله بجريرة سياسة الحاكم.
وما مر به العراقيون خلال العقود الماضية وخلال السنوات الخمس الأخيرة خاصة
يكاد يخرجهم عن طورهم مع هؤلاء الأشقاء. فطوال سنوات التسعينات وقف العرب
يتفرجون على جوع العراقيين من جراء الحصار الدولي ومن جراء سياسة النظام
الدكتاتوري الظالمة.
وبعد العام 2003 لم يعد العرب يتفرجون على محنة العراقيين فقط إنما أصبحوا
سببا مباشرا في هذه المحنة من خلال إيوائهم للإرهابيين ودعمهم بالمال
ومساعدتهم على دخول الأراضي العراقية وتقتيل الأبرياء.
والمصيبة أن لدينا بعض السياسيين الذين يستقتلون في الدفاع عن العرب وعن
عروبة العراق ولا نعرف هل سأل هؤلاء الساسة أنفسهم يوما ماذا يستذكر
العراقيون من أشقائهم؟ وهل بإمكانهم أن يفسروا لنا كيف أن حكومة أجنبية مثل
الحكومة الأسبانية تتبرع بعلاج جرحانا في حين أن أشقاءهم العرب لم يكلفوا
أنفسهم حتى استنكار الجريمة؟
للعرب أسماء كثيرة منها العرب العاربة والعرب المستعربة والعرب البائدة
والعرب الهالكة. ولا نعرف أيا من هذه الأسماء ينطبق على عرب اليوم
هل أضعنا
هوية القاتل؟
الجميع أدلى بدلوه. السياسي وعضو البرلمان والإعلامي
والمواطن. الموظف والعامل وربة البيت وسائق التاكسي.
لم يبق أحد لم تأخذ وسائل الإعلام رأيه بجريمة الأربعاء الدامي وهذا شيء
جيد ودليل على أن لدينا إعلام نشط وفعال ولكن المشكلة أن كل واحد من هؤلاء
نصب نفسه قاضي تحقيق ووجه اتهاماته ذات اليمين وذات الشمال. أو لجهة ما،
يكرهها أو يعاديها أو يشك بها، بدون أن يسأله أحد عن دليل أو عن برهان أو
عن منطق في اضعف الأيمان. والنتيجة الجميع في دائرة الاتهام ما عدا القاتل
الحقيقي فلم يوجه له أحد اتهاما وهذا ما تريده كما يبدو بعض وسائل الإعلام.
الجريمة مروعة نعم. والدولة مقصرة نعم. والأجهزة الأمنية مسؤولة عن التقصير
نعم وألف نعم. وربما كان الأمر أبعد من التقصير. ولكن هل يرقى ذنب المقصر
إلى ذنب المجرم؟
هل يرقى ذنب الشرطي الشهيد الذي لم يجدوا من جسده سوى الكف المقطوعة التي
تحمل جهاز الكشف عن المتفجرات إلى ذنب البهيمة الذي ضغط على زر التفجير
وأزهق أرواح المئات من الأبرياء؟
هل يرقى ذنب الوزير البولاني أو الوزير العبيدي أو أي مسؤول أمني آخر إلى
ذنب من فخخ السيارات ومن زود القتلة بالمال ومن ساعد على عبور الإرهابيين
الحدود؟
بماذا تختلف جريمة الأربعاء الأسود عن جرائم ساحة النهضة وساحة الطيران
وبغداد الجديدة وسوق الصدرية ومدينة الصدر وغيرها وغيرها؟
لماذا يراد لنا أن نتخلى عن ذاكرتنا وننسى هوية القتلة الحقيقيين الذين
أوغلوا بدمائنا منذ أكثر من خمس سنوات وحتى اليوم؟
لماذا تريد لنا بعض وسائل الإعلام أن نغض الطرف عن الإرهابيين وعمن يفتي
لهم بقتلنا وعمن يزودهم بالمال وعمن يؤويهم وعمن يفخخ لهم السيارات ونمسك
برقاب بعضنا؟
هل أضعنا هوية القاتل؟
ماذا تقرأ؟
العدد ( 265)الاثنين
6/7/2009
سأل حشاش صديقه، وهو حشاش أيضاً: قل لي ماذا تقرأ،
أقل لك من أنت. فقال له: ماذا تقرأ؟ رد عليه: من أنت؟
طبعاً هذه نكتة بايخة لكنني أردت أن أدخل، من خلالها، إلي موضوع جدي يتعلق
بالقراءة. ففيما مضى من السنين كان السؤال ماذا تقرأ، سؤالاً أليفاً وشبه
دائم، لأن القراءة كانت فعلاً يومياً لأوساط واسعة من الشباب، أما اليوم
فأن السؤال لم يعد ماذا تقرأ بل ماذا تشاهد أو ماذا تسمع، أو كيف تقضي
أوقات فراغك. وبين اليوم والأمس حكايات كثيرة. فكما أذكر، عندما كنا شباباً
(وقد لا نزال؟) كنا نتبارى بعدد الكتب التي نقرأها في كل شهر، بل وفي كل
أسبوع. وكانت نوعية الكتب التي نقرأ هي الأخرى موضع تباه. فمن يقرأ
المنفلوطي ليس مثل الذي يقرأ كولن ولسون، ومن يقرأ ذنون أيوب غير الذي يقرأ
ديستوفسكي. كنا نجوب المكتبات، من شارع المتنبي حتى ساحة التحرير، حيث
مكتبة النهضة الشهيرة، التي كنا نجد فيها كل ماهو ممنوع أو محظور أو نادر،
من الكتب، لنشتريها أو نستعيرها. وكان من يستعير كتاباً من مكتبة عامة أو
مكتبة صديق، يجب أن يعيده في اليوم التالي، أو خلال يومين كأقصى حد. ولم
يكن أحد يتذمر أو يتضايق من قصر المدة أو من ضيق الوقت، فقد كانت قراءة
كتاب مهم أو محظور أوجب من أية مشاغل أخرى. وبسبب من نهم القراءة وحب
الإطلاع، لم نكن نوفر حتى الكتب الرديئة، التي كنا نتداولها كي نقارن بينها
وبين الكتب المهمة أو لكي نجعل من الكتاب ومؤلفه موضوعاً للتندر. وكانت مثل
هذه الكتب، أشبه بكيس البزر، نبدأ بقراءته من نقطة انطلاقنا في باب المعظم
وننتهي منه في ساحة الأندلس حيث مقر اتحاد الأدباء وحديقته الأليفة.
الآن لم نعد كذلك، لا نحن ولا أولادنا. ربما هناك استثناءات لكن عموماً
ضعفت موهبة القراءة لدى الكثيرين ولأسباب كثيرة. وقد أجريت، ذات مرة، ما
يشبه الاستقصاء بين عدد من الأصدقاء، فسمعت إجابات غير مشجعة عن سؤال تراجع
القراءة. أما الجيل الحالي، أي جيل الطلبة أو المتخرجين الجدد، فهو جيل لا
يقرأ. نعم أقول لا يقرأ على مسؤوليتي. فقد صادفت أعدادا ليست قليلة من
أبناء أصدقائي، خارج العراق و داخله، وتأكدت من أن بعضهم يقرأ بالمصادفة
والبعض الآخر لا يقرأ سوى ماهو ممتع ومسل أما الغالبية العظمي فلا يفتحون
كتاباً، والأسباب، إذا كانت هناك أسباب، فهي واهية، ماعدا الانشغال
بالدراسة أو الاشتغال على الكمبيوتر والانترنت. والحصيلة، كما اعتقد، أننا
سنربح جيلاً أمياً بامتياز على صعيد تحصيل المعرفة وتكوين الذائقة وتحفيز
الوعي، إن لم يعد النظر في سؤال الكتاب والقراءة.
من يبلغ الشرطة ؟!
العدد ( 261)الاثنين
29/6/2009
اخترع الفريد نوبل الديناميت وكان غرضه من ذلك خدمة البشرية. ولم يمض طويل
وقت حتى تحول الديناميت إلى اخطر سلاح ضد البشرية بعد أن وقع بيد الأشرار.
وسيلة الإعلام سلاح يشبه في خطورته اختراع نوبل، يمكن استخدامه لخير الناس
ويمكن تحويله ضد هؤلاء الناس، والفيصل في ذلك هو من يملك ومن يتحكم بهذه
الوسيلة: الأخيار أم الأشرار؟
الإعلام الجيد الذي يحترم نفسه هو الذي يعتمد الصدقية قبل السبق الصحفي
والإثارة. وهو الذي يستند إلى المعلومة الصحيحة ويدقق في مصادرها قبل
الإقدام على نشرها أو بثها. وهو الذي يختار الأخبار والمعلومات التي يستحق
القارئ والمشاهد سماعها والإطلاع عليها بدون انحياز أو أغراض جانبية غير
موضوعية. فالواجب المهني يحظر على الإعلام اجتزاء الحقائق أو تشويهها أو
استخدامها في غير مقصدها.
لكن للأسف كل هذا وسواه لا تأخذ به بعض وسائل الإعلام التي توجه خطابها إلى
المشاهد العراقي متجاوزة بذلك على وظيفتها كوسيلة إعلام تحمل رسالة حضارية
تنشد التقدم والرقي وليست طرفا من أطراف النزاع السياسي، أي نزاع كان.
في كل دول العالم وفي أكثرها ديمقراطية تحاسب وسيلة الإعلام عندما تخرق
المعايير المهنية أو تقصد الإساءة أو تحرض على العنف أو التفرقة العنصرية
والطائفية.
ولدي مثال واحد فقبل أسابيع فقط نشرت صحيفة أميركية إعلانا يقول "لعل
أوباما يحذو حذو لينكولن وغارفيلد ومكنيلي وكينيدي" وفي اليوم التالي اضطرت
الصحيفة وهي (وارن تايمز أوبزرفر) الى تقديم اعتذار للقراء لأن البعض أعتبر
أن الإعلان يتضمن تلميحا إلى الرغبة بأن يلقى أوباما مصيره قبل الأوان مثل
مصير الرؤساء الأميركيين الأربعة الذين اغتيلوا.
وقالت الصحيفة التي تصدر في شمال غرب بنسلفانيا أن الإعلان "شخصي" وتم سحبه
وقد أبلغت شرطة المدينة باسم صاحب الإعلان.
ترى هل تجرؤ وسيلة إعلام عراقية من تلك الوسائل التي تحرض يوميا على العنف
والطائفية وقتل الأبرياء على تقديم اعتذار للعراقيين الذين دمر هذا التحريض
حياتهم ويريد تدمير مستقبلهم؟ ومن سيبلغ الشرطة بأسماء أولئك الذين حولوا
وسائل إعلامهم إلى أداة ورفيق درب لقوى الإرهاب والجريمة؟
عرس سوادي
العدد ( 256)
الاثنين
22/6/2009
كلما جلست لأكتب مقالا أمدح فيه وزير الكهرباء ينقطع
التيار فأرجئ الموضوع إلى وقت آخر. تكرر معي الأمر إلى الدرجة التي جعلت
زوجتي تتشاءم من هذا المقال النحس فقالت لي مرة إذا مدحت وزير الكهرباء
أروح لأهلي وبعد متشوف وجهي.
تحسنت الكهرباء نعم وهذا لا ينكره أحد لكنها لا تزال تذكرني بعرس سوادي.
بلغ سوادي من العمر عتيا كما يقال فقرر أن يتزوج بعد أن بنى له غرفة فوق
السطح. تشاور مع الوالدة الكريمة فذهبت مسرورة إلى بيت المحروسة ابنة عم
سوادي لتطلب يدها. تم كل شيء على خير.
وقبل يومين من عرس سوادي توفي خالها حجي رشك فتأجل العرس أربعين يوما كان
سوادي يعدها على مسبحته اليسر وهو حزين ليس على الخال بالطبع إنما على حظه
العاثر.
بعد أربعين المرحوم رشك بيومين أو ثلاثة توفيت عمة المحروسة فتشاءمت عائلة
سوادي من هذا العرس. انتهت أربعين العمة فقرر سوادي أن يتزوج في اليوم
التالي قبل أن يموت أحد من الأقارب لكن الحظ العاثر كان له بالمرصاد فقد
مرضت خطيبة سوادي في اليوم التالي نفسه مرضا شديدا وبلغت درجة حرارتها
الأربعين وكادت أن تموت في تلــــــك الليلة التي نقلوها فيها إلى
المستشفى.
عندما أخبروه بالأمر صرخ سوادي من فوق السطح: والله وبالله أتزوجها باجر
حتى لو بيها طاعون والعرس أسويه يم المستشفى!
عرسنا مع الكهرباء الوطنية يشبه عرس سوادي كل يوم هناك سبب لنقض الوعود
التي قطعتها الوزارة على نفسها. ثم أن الناس لا تعرف على وجه الدقة متى
تأتي الكهرباء ومتى تنقطع وعلى أي خطة كروية تلعب الوزارة معهم، هل هي
(أربعة اثنين أربعة) أم ( اثنين ثلاثة خمسة) أم (خمسة ثلاثة اثنين) حيرة..
خاف يموت سوادي كبل ما يتزوج!
الإنسان عدو نفسه
العدد ( 251)الاثنين
15/6/2009
الإنسان يحتفل بعيد ميلاده كل سنة مع أن المفروض هو
أن يحزن في مثل هذا اليوم لأنه خسر عاما من عمره الثمين. وهذا يثبت نظريتي
التي لا يعترف بها أحد للأسف وفحواها أن الإنسان يقضي عمره وهو يبحث عن
طريقة لقضاء هذا العمر. فهو يلعب الدومينو والطاولي لقضاء الوقت ويذهب في
سفرات سياحية لهذا الغرض وينام كلما أتيحت له الفرصة لقضاء بعض الوقت تحت
اللحاف. وفي آخر دراسة صدرت مؤخرا يقال أن الإنسان يقضي ثلث عمره في النوم
وثلث آخر يقضيه بين الحمام وحلاقة الذقن وتناول الطعام وارتداء الملابس
وشراء مستلزمات المنزل والدردشة الفارغة الخ.
ويزور الإنسان جيرانه وأصدقاءه بحجة السلام والاطمئنان عليهم وهو في الواقع
يريد أن يتسلى ويقضي بعض الوقت بصحبتهم. وهو يشتري الآن جهاز كمبيوتر ويركب
خط انترنت لكي يقضي ساعات من وقته بين المواقع المنوعة. ويذهب إلى النوادي
والمقاهي والسينمات والمسارح لغرض وحيد هو قضاء الوقت لأنه لو لم يكن لديه
وقت فائض لما ذهب إلى هذه الأماكن.
والإنسان يتزوج لكي يقضي وقته مع إنسان آخر وينجب الأطفال لكي يتسلى بهم
ومعهم لقضاء الوقت. ولا يختلف في ذلك الكبير عن الصغير فنحن نشتري لأولادنا
ألعابا لكي يتسلوا بها ويقضوا أوقاتهم كي لا يزاحموننا على قضاء أوقاتنا
بالشكل الذي نرغب.
وكتبت مرة أقول أن الإنسان لا يترك فرصة لقضاء الوقت إلا واستثمرها، لكنه
عاجز عن القضاء عليه، وهناك فارق كبير بين أن تقضي الوقت أو تقضي عليه.
فأحياناً يصبح الوقت من ذهب وأحيانا أخرى يصير بسعر التراب، والفارق لا
يتعلق بالوقت نفسه إنما بحاجة الإنسان له. فالإنسان، عند الضرورة، ينظر إلى
عقارب ساعته كل خمس دقائق، حتى تبدو له كعقارب حقيقية، لكنه ينسى أياماً،
أنه يضع ساعة في معصمه، حتى لو كانت سويسرية الصنع.
ومع كل هذه البراهين والأدلة على صحة نظريتي يقول لي بعض الأصدقاء أنك تكتب
هذه الأشياء لمجرد قضاء الوقت وهم على حق طبعا فلو كانت لدي مهنة أخرى غير
الصحافة لكنت قضيت فيها وقتي بطريقة أفضل.
الحكومة حكومتنا
والجيب واحد!
العدد ( 246)الاثنين
8/6/2009
كلما أردت استئجار منزل أضع شرطا على صاحب المكتب
العقاري أن يكون في المنزل كراج سيارة. ومنذ خمس سنوات تقريبا استأجرت أكثر
من عشرة منازل في مناطق مختلفة وكلها فيها كراجات لكن المشكلة أنني لا أملك
سيارة ولذلك لم استخدم تلك الكراجات.
ولدي صديق كلما أردنا أن نتفق على موعد سهرة يقترح أن يكون الموعد مساء يوم
الخميس لأن اليوم التالي عطلة كما يقول دائما مع أن هذا الصديق عاطل عن
العمل منذ سنوات.
ومرة سألت الصديق نفسه لماذا يصر على يوم الخميس وكل أيامه عطل رسمية
وشخصية فقال لي مثلما تصر على الكراج وأنت لا تملك سيارة.
من هذه المفارقات هناك الكثير. فقبل أيام فرضت الحكومة غرامات مالية تصل
إلى عشرين مليون دولار على شركات الهاتف النقال بسبب رداءة خدماتها.
والحكومة محقة في ذلك بالطبع لكن المشكلة أنها بدلا من تعويض المواطن وهو
الخاسر الأول قامت بشفط هذه الغرامات لحسابها الخاص وكأن وزير المالية
السيد بيان جبر هو المتضرر وليس المواطن. والمفارقة الأخرى أن المواطن
المسكين مسرور جدا بفرض الغرامات على شركات الهاتف ولسان حاله يردد (حيل
وبعد حيل) لكنه لا يدري أن هذه الشركات ستجد طريقة تستعيد بها ما أخذ منها
من غرامات ومن جيبه هو وليس من جيب الحكومة. والحكومة معذورة طبعا لأنها
تعتبر الجيب واحد!
قضية أخرى قبل أن نختم الموضوع. صادف أن شارك المرحوم داخل حسن في حفلة
غنائية مع المطربين الشباب أيام السبعينات فاضل عواد وسعدون جابر وياس خضر.
وبعد انتهاء الحفل ذهبوا إلى المحاسب لاستلام مكافآتهم فأعطى كل واحد من
المطربين الثلاثة مائة دينار وأعطى داخل حسن عشرين دينارا فقط فقال له أبو
كاظم عمي يالمحاسب شنو حسبت الأبوذية على ربع دينار؟
خاله عدكم زباله؟
عشت في لبنان السنة الماضية ورأيت العجب من نظافة عاصمتها المحروسة بيروت.
سيارات نقل القمامة تمر في الشارع الذي أسكنه من خمس إلى ست مرات في اليوم.
وأحيانا لا يجد العمال قمامة كي يرفعوها من الحاويات. وبلديات العاصمة
تتنافس على نظافة الأحياء التابعة لها وفي كل موسم تفوز بلدية من هذه
البلديات بوسام النظافة.
عدت إلى بغداد وسكنت في ثلاث مناطق تعتبر راقية هي الكرادة وشارع فلسطين
وزيونة ولم أصادف برميل قمامة واحد في هذه المناطق. لهذا يحتفظ الناس
بأكياس القمامة داخل بيوتهم أياما عدة حتى تمر سيارة الأمانة في الأسبوع
مرة أو مرتين فيسلمونها للعمال مع إكرامية تتراوح بين 250 و500 دينار. وكنت
أدفع أعلى رشوة.. عفوا إكرامية لهؤلاء العمال من أجل تعزيز العلاقة معهم.
لا أعرف كم يكلف برميل القمامة لكنني أعرف أن أمانة العاصمة أنفقت مليارات
الدولارات خلال السنوات القليلة الماضية وعجزت عن شراء أو تصنيع براميل
تضعها في الشوارع ومناطق السكن. كذلك أعرف أن بعض الجهات في الأمانة تمنع
توزيع ما لديها من براميل لأن عدم وجودها يشكل باب رزق أو ارتزاق لعمال رفع
القمامة ومن يقف فوقها..أقصد فوقهم!
التقيت الدكتور صلاح عبد الرزاق أكثر من مرة ولذلك أعتبره صديقا، من جانبي،
خاصة بعد أن أصبح محافظ بغداد. وبحكم هذه الصداقة أقترح عليه خيارين لا
ثالث لهما.. كما يقال عادة:
الأول أن يأمر الأمانة باستيراد مصانع صغيرة لإعادة تصنيع القمامة داخل
البيوت لإنتاج الورق. أو يأمر بمنحي شخصيا برميل قمامة جديدا أضعه أمام
بيتي وأتباهى به بين الجيران لكي أغلق هذا الملف.
أخيرا سأل عامل النظافة ربة بيت: خاله عدكم زبالة؟ فردت عليه: أي خاله عدنا
هواي ما نريد بعد!
|