العدد (877)الثلاثاء 7 /2/2012

pdf الاولى اخبار العراق فكر وفن رياضة

اخيرة

 

 

الصفحة الرئيسية

pdf
الاولى
اخبار العراق
محليات
رياضة
اخيرة
الارشيف


كيف ترى صورة البحرين ؟


حسن العاشور


كواليس

قاسم محمد 


الشهيد السيد محمد باقر الصدر
استعادة المثقف النقدي(1)

علي الفواز

 

 

 

 

   
 

عباس عبود سالم

القمة على الأبواب

العدد (876)الاثنين 6 /2/2012


اعلان مملكة البحرين امتناعها عن المشاركة في قمة بغداد احسبه امرا متوقعا رغم انه جاء متشنجا وانفعاليا، وغير مناسب، وهو اختبار حقيقي لقدرتنا على ضبط النفس، فعلينا ان نتوقع مواقف مماثلة من دول اخرى ربما تبحث عن ذريعة لمقاطعة قمة بغداد التي سترتفع بالعراق الى واجهة عالمية لايريدها البعض.
وهذه الاطراف يمكن ان تعمل على اثارة ازمات داخلية عراقية، تتخذها ذريعة لايقاف القمة، او تأجيلها، او الغائها، او انها سوف تتحجج بموقفنا من سوريا، وتركيا، وايران، والبحرين التي هي مواقف تتعارض مع مصالح وسياسات هذه الدول التي تريد ان تدور تصورات العراق الاقليمية وفق مصالحها هي، متجاهلة ان لغيرها مصالح مختلفة عنها.
لكن الواضح ان اكثر من عشرة زعماء عرب اعلنوا عن نيتهم للحضور الى بغداد بهدف المشاركة في القمة التي من المؤمل ان تنعقد نهاية آذار المقبل، قبل ان يقوم العراق بتوجيه الدعوات الرسمية لقادة وزعماء وملوك الدول العربية.
وانعقاد القمة في بغداد يعد البداية الحقيقة للنهوض الدبلوماسي العراقي، كونها توفر فرصة كبيرة لبروز اسم بغداد ليس عاصمة للعدوان يتردد ذكرها كثيرا في مجلس الامن منذ ثمانينات القرن الماضي، وليست عاصمة الاسلحة المحظورة وانتهاكات حقوق الانسان والمقابر الجماعية، وهي لم تعد عاصمة الرجل الواحد الذي نشر صوره باعداد هائلة في كل شارع وساحة منها، وبغداد لم تعد مدينة التفجيرات ومركز الجيل الثاني والثالث من القاعدة، ولم تعد عاصمة الاقتتال الطائفي التي وفرت للاعلام الخارجي مادة دسمة عن صور بشعة للعنف الداخلي ببشاعة لم يالفها العالم من قبل.
ان بغداد اليوم هي مدينة السلام والاستقرار مدينة المصالحة والوئام، والتنوع، التي سيكتب باسمها ميثاق بغداد، وسيردد الاعلام اسمها كمقر اول قمة يعقدها العرب بعد ربيعهم الديموقراطي، وسيشارك بها قادة جدد من تونس، وليبيا، واليمن، ومصر، بغداد ستبشر بعهد عربي جديد اختلفت فيه موازين القوى، واستوجب تعديلا لميثاق الجامعة العربية، ووضع خارطة طريق لخط سير فعلي لمبادرات اصلاح الجامعة التي بدات لاتقوى على مواكبة التحولات الكبرى في المنطقة، فبغداد ستكون الفاصلة في ذلك.
ولمن لا يعلم نقول ان الجامعة العربية هي من بناة افكار رئيس الوزراء الراحل نوري باشا السعيد صاحب اول مذكرة تقدم بها في منتصف كانون الثاني 1943م الى بريطانيا تتضمن توحيد سوريا ولبنان وفلسطين وشرقي الاردن في دولة واحدة، وانشاء جامعة عربية تضم العراق وسوريا الكبرى واي دولة عربية اخرى، ثم خاض مباحثات شاقة بالاشتراك مع رئيس وزراء مصر مصطفى النحاس ادت في عام 1944م الى توقيع مايعرف ببروتوكول الاسكندرية، ثم خاضت ست دول عربية هي مصر، والسعودية، وشرق الاردن، ولبنان، وسوريا، واليمن، اضافة الى العراق، مباحثات لدراسة مشروعين للميثاق الاول طرحه نوري السعيد، مقابل المشروع اللبناني، وكان على الدول العربية الست التي وقعت على الميثاق ان توفق بين المشروعين اللبناني والعراقي.
ولا اريد ان اخوض في سرد تاريخي بقدر ما اريد ان اقول ان علينا ان نتصرف على اننا دولة العراق الرائدة في العمل العربي المشترك وليست طارئة عليه، علينا ان نعي اننا الدولة المبادرة الى تأسيس وانجاح الجامعة العربية، والمساهمة الفعلية في جميع انشطتها، والبلد الذي اشترك في الحروب العربية الاربع ضد اسرائيل، وامد الجزائر في ثورتها ضد المستعمرين بالعون المادي والمعنوي، والبلد الذي انقذ دمشق من السقوط والذي سهر على حماية حدود الاردن.
وكذلك وفي مثل هذا الوقت الحرج لم يبق امام موعد انعقاد القمة الا اقل من شهرين، يستوجب منا الابتعاد عن الاثارة الاعلامية، او السياسية لاي طرف عربي مهما حاول استفزازنا، وعلينا ممارسة اعلى درجات ضبط النفس مثلما يقولون، وان نلتزم بخطاب مسؤول ومهني ازاء كل الدول العربية، وان نتسامى عن الصغائر، وان نتصرف على اننا دولة كبرى عربية، واننا عاصمة العرب التي ستكفل وفاقهم، ووئامهم، وتكون دليلهم الى بناء تجارب تبتعد عن ما اخطأنا، وتقترب مما نجحنا به، فالقدر حول تجربتنا من جسد غريب وسط النادي العربي الى المرشد والرائد لهذا النادي في بناء الدول وارساء الديموقراطية.
على القادة السياسيين واعضاء البرلمان ان يتحلوا بروح وطنية عالية، وان يحاولوا ارسال التطمينات للقادة العرب، ويحفزوهم للقدوم الى بغداد، ويعطوهم انطباعا ان العراقيين موحدون ازاء قضاياهم الوطنية العيا، وانهم مختلفون في البرامج والسياسات الهادفة الى بناء العراق، لكنهم لن ولم يختلفوا في مواجهة التحديات والمصالح الوطنية العليا وهي رسالة مطلوبة بشدة

 

كيف نسوق انفسنا معرفيا ..ومتى..؟

العدد (872)الاثنين 29 /1/2012


لم يمض الا عام واحد على الثورة المصرية، حتى ازدحمت المكتبات بمئات العناوين لكتب ومطبوعات تتناول جوانب مختلفة من هذه الثورة التي استمرت 17 يوما، حيث تسابق الكتاب الى عرض كل جوانب الثورة، وتفاصيل ايامها القليلة، وممهداتها، ورموزها، ومستقبل مصر بعدها، ودورها الاقليمي والداخلي.
واضافة الى المطبوعات الخاصة بالثورة المصرية، انتجت دور الفكر ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية كما هائلا من الدراسات العلمية المحكمة، التي تتناول ابعاد عملية التغيير في مصر لتكون زادا ثريا للباحثين والدارسين والمهتمين.
وفي الولايات المتحدة حيث يتم تخصيص مليارات الدولات للبحث العلمي، هناك صناعة متخصصة بالكتاب تتكامل مع صناعة التلفزيون، والصحف، ووسائل الاعلام الاخرى، ولهذه الصناعة ضوابطها الفنية والاعلامية والتسويقية، فما ان يترك اي رقم سياسي مركزه حتى يظهر الى المكتبات كتاب انيق مبهر الطباعة والتصميم يسجل مذكراته، ويحكي عن تجربته ليزود العالم اجمع بتجربة جديدة يضيف من خلالها شيئا جديدا الى مفاهيم السياسة والمجتمع.
واغلب هذه الكتب يكتبها محررون متخصصون، بعد ان يقضوا ساعات طوال مع الشخصية المعنية التي يخرج باسمها الكتاب، ولايهم ان كان سفيرا في مهمة خاصة جدا مثل بول بريمر صاحب (سنتين في العراق)، او مرشح خرج من سباق الرئاسة مثل سارة بالين صاحبة كتاب (التمرد)، او جنرال عسكري يروي يوميات الحروب مثل تومي فرانكس صاحب كتاب (جندي امريكي)، او رجل مخابرات يكشف اسرار اللحظات الحرجة مثل جورج تينيت صاحب كتاب (من قلب العاصفة).
اضافة الى وزراء الخارجية، والدفاع، مثل روبرت ماكنمار وزير الدفاع خلال سنوات حرب فيتنام وصاحب كتاب (جوهر الامن)، و كونداليزا رايس التي هي بالاساس باحثة ومنظرة اكاديمية، ومادلين اولبرايت صاحبة كتاب( الجبروت والجبار)، وديك تشيني صاحب كتاب (في زمني(، وكولن باول صاحب كتاب (رحلتي الامريكية)، وكذلك جميع رؤساء الولايات المتحدة الامريكية، وهؤلاء جميعهم ليسوا كتابا وليست مهنتهم الكتابة والتاليف، لكنهم اصحاب اكثر الكتب انتشارا، ففي كل يوم يخرج عنوان جديد يخص شخصية، او حدثا ويحظى بحملة اعلامية كبيرة ويحقق مبيعات وارباحا هائلة ثم يترجم الى اللغات الحية.
وهنا من حقي ان اقف متسائلا، ماذا قدمنا نحن للتحول العراقي، وللانتفاضات التي انطلقت منذ عقدين من الزمن، وكان وقودها مئات الالاف من ابناء العراق، وماذا سجلنا من تاريخنا الذي نصنعه نحن وفي الغالب يسجله اخرون، سواء بالتوثيق الصوري المرئي، او بالكتب والدراسات العلمية، ماذا قدمنا للباحثين الذين يتناولون شأنا عصيا على الفهم العربي، وماذا وفرنا للمكتبة العربية كي يفهمنا ابناء النخبة الباحثة عن الحقيقة، وماذا وضعنا بين يدي سفراء جمهورية العراق من مطبوعات ليقدموها الى من يسألهم اين انتم الان، ومن انتم، ولكل باحث ومهتم ومراقب ومتشكك.
للاسف اكثر مطبوعاتنا كتبناها لانفسنا، وقليل جدا منها من يصلح للتصدير، وللترجمة الى لغات الدنيا، اما الاغلبية العظمى من العناوين التي تسجل، وتؤرخ، وتترجم، وتبحث، وتنظر في التجربة العراقية فهي صادرة من مراكز، ودور، ومؤسسات لبنانية، ومصرية، واردنية، وسورية وامريكية، وسعودية مثل مؤسسة العبيكان السعودية التي لم تترك شيئا الا وترجمته واعادت طباعته باسلوب جذاب ومتميز، ومركز دراسات الوحدة العربية الذي يشرف عليه ويديره الدكتور خير الدين حسيب، والدار العربية للموسوعات التي يديرها ويشرف عليها خالد العاني، والمركز العراقي للدراسات الاستراتيجية التابع لمؤسسة الخنجر وهي مراكز معروفة التوجهات.
اما مراكز الدراسات العاملة في العراق فهي لاتختلف للاسف عن اغلب منظمات المجتمع المدني العراقية التي اتخذت من الشعارات والعناوين البراقة واجهات للتكسب المشروع وغير المشروع، وهو حال دكاكين كثيرة اتخذت من مفردة مركز، ومجموعة، ودراسات، وابحاث، واستراتيجية، وعالمية، ودولية، تايتلات وواجهات لعملها، في حين ان ماتنتجه من اعمال وما تنظمه من مؤتمرات وورش ونشاطات اخرى، ليس الا تجمعات دعائية، واعلامية، لاتنتج الا الخطب الرنانة، والنقاشات العجولة، والكلمات المنمقة ذات المردود السريع التي اعدت كي تنقلها الفضائيات، وتنشرها الصحف، او انها تعالج عناوين كبيرة باسلوب (سلق البيض) على الطريقة العراقية، فليس المهم رصانة الانتاج وجديته بقدر مفعوله السريع بتاثيره واستجابته للممول او صاحب السلطة.
فكم من الذين يدعون الاستراتيجية انتج عشرة او خمسة بحوث رصينة نشرت في مجلات ودوريات عربية وعالمية متخصصة بالدراسات الاستراتيجية المحكمة، وكم منهم من يحمل تخصصا علميا دقيقا بالاستراتيجية، وكم منهم له مؤلفات بالاستراتيجية حتى يطلق على نفسه صفة هو ليس اهلا لها، هذا على مستوى المجتمع المدني، اما على مستوى الدولة ومؤسساتها المتخصصة فالقصور موجود ايضا.
فهل فكرنا باقامة ندوة فكرية على مستوى عربي تستقطب كبار الاكاديميين، والباحثين العرب، والخروج بعمل فكري يسبق انعقاد قمة بغداد التي تواكب اخطر واهم التحديات التي تواجه البلاد العربية، وهل فكرنا في طرح تجربتنا الى الوفود العربية التي ستحضر القمة من خلال مجموعة نتاجات فكرية، وسياسية، وتوثيقية تطرح رؤيتنا لخلاصة التجربة العراقية، واهميتها، ومستقبلها، وهل تركنا لاجيال جديدة من النخب الاكاديمية والبحثية العراقية تراثا علميا يمكنها من الوقوف على حجم التجربة وعوامل القوة ونقاط الضعف فيها ليتم تعزيز الانجازات وتكريسها، وتلافي الهفوات، والاخطاء، واعادة بناء النخبة العراقية على اسس جديدة من التراكم المعرفي ان قلتم لم نقدم شيئا وسنعمل اقول انا معكم، وان قلتم نعم قدمنا الكثير ساقول حسبي الله ونعم الوكيل

 

مايقرره مجلس التعاون تنفذه الجامعة العربية

العدد (867)الاثنين 23 /1/2012


بدا اسم الجامعة العربية يعود من جديد للاهتمام ويقفز الى مقدمة الاحداث من خلال الملف السوري واعتقد ان هذه العودة لم تكن بارادة الجامعة انما بارادة قوى اخرى، لان الجامعة العربية اليوم اشبه بحصان طروادة كونها تمر بظروف صعبة للغاية يختل فيها توازن القوى العربية التي حاولت ان تقدم الكثير ولم تتمكن من تقديم الا القليل.
ولو استعرضنا ظروف وملابسات نشاتها نجد ان ظهور جامعة الدول العربية اقترن بالمذكرة الشهيرة التي وضعتها وزارة الخارجية البريطانية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، ودعوة رئيس الوزراء البريطاني توني ايدن، قبل ان يتم الاعلان عن تأسيسها منتصف اربعينات القرن الماضي بعد رحلة شاقة من المباحثات والمشاورات التي لعب فيها عراق نوري السعيد، ومصر مصطفى النحاس دورا كبيرا.
ونتيجة اختلاف الارادات العراقية المصرية جاء ميثاق الجامعة هشا، ضعيفا، لا يرقى للاكل من جرف السيادة القطرية لدول حديثة العهد بها، فلم تفرط الدول العربية بسيادتها وتركت هامشا بسيطا لهذه المنظمة التي باتت ناديا تمارس فيه اللاءات، والخطب، والبيانات، والمواقف والاستنكارات، التي تمحورت مجملها ضمن الصراع العربي الصهيوني، وفي البعض الاخر في مشاريع اقتصادية، وتنموية، وثقافية، حقق البعض منها تقدما يسيرا، وتراجعت اغلب المشروعات الاخرى.
كما جربت الجامعة دورها في تسوية المنازعات دون ان ينص ميثاقها الا على طريقتين للتسوية هما الوساطة، والتحكيم، وبسبب عدم وجود محكمة عدل عربية واسباب اخرى فشلت تلك الوسائل في العمل وفرض الواقع وسائل جديدة لم ينص عليها الميثاق، فجاءت دبلوماسية الامين العام، ودور مؤتمرات القمة لتسهم في تذويب شيء من جليد الازمات، لكنها لم تتمكن من الصمود امام ازمات اكبر تحولت نتيجة ضعف الجامعة الى كوارث حقيقية.
لقد تورطت الجامعة العربية في زج قوات الردع العربي في لبنان مطلع الثمانينات لتسهم في تعقيد الازمة بدلا عن حلها، وعادت لتتورط في جلب قوات اجنبية لمعالجة ازمة غزو صدام للكويت، لكنها وقفت خجولة صامتة امام مجازر صدام التي ارتكبها ضد ابناء الشعب للفترة من منتصف شباط لغاية منتصف آذار عام 1991م ولم تحرك ساكنا.
وفي 6 أغسطس/ آب 1990، اصدر مجلس الامن الدولي القرار رقم 661 وهو القرار الذي فرض بموجبه حظرا اقتصاديا على العراق، الامر الذي تسبب في تدمير مقدرات الشعب العراقي وانهيار طبقته الوسطى، وهجرة كفاءاته، وسحق فقرائه بشكل لم يسبق له مثيل، لم تقدم الجامعة العربية للتاريخ ولو وثيقة واحدة تنصر الشعب العراقي، وتدين نظامه، كما تفعل اليوم ازاء النظام السوري وليس هذا بتقصير منها بل لخلل فيها، اذ انها رهنت ديناميكيتها وقدرتها على الحركة باجماع اعضائها.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، بل ان العالم شهد تحولات غير مسبوقة بعد انهيار حلف وارشو وانتهاء الحرب الباردة، وتفكك الاتحاد السوفيتي، وتغير النظام الدولي من ثنائي القطبية، الى متعدد الاقطاب، فاحادي القطبية، وتصفية القضية الفلسطينية بعد مؤتمر مدريد للسلام 1991م، فقد شهدت تلك الفترة ظهور اوربا الموحدة بعد معاهدة ماسترخت 1992م (جذور الاتحاد الاوربي بدات عام 1951م أي بعد قيام جامعة الدول العربية بست سنوات)، وليس الاتحاد الاوربي وحده من حقق نجاحا، بل افريقيا القوية بفضل منظمة الوحدة الافريقية التي بدت اكثر فاعلية ونشاط وديناميكية، من جامعة الدول العربية التي استسلمت لانشقاق النظام العربي الى تجمعات اقليمية لم ينجح منها الا مجلس التعاون الخليجي الذي حقق انجازات اقتصادية فاقت دوره السياسي الذي تطور اكثر بعد ربيع الثورات العربية.
وبرزت اطروحة الشرق الاوسط الجديد، والدعوة الى نظام اقليمي يضم دولا اخرى غير عربية، ودخول الولايات المتحدة كشريك استراتيجي لدول الخليج الست بشكل غير مسبوق، وتفكك النظام الاقليمي العربي لدرجة تسابقت فيها بعض الدول الى التطبيع مع اسرائيل، وتوفير الدعم اللوجستي للقوات الامريكية بفتح المطارات، والموانيء، والممرات المائية، امام الاساطيل الامريكية، ولكنها في ذات الوقت سلطت اجهزة اعلامها لانتقاد الولايات المتحدة، والهجوم على الحكومة العراقية التي افرزتها تجربة ديموقراطية وليدة بعد 2003م.
لكن الجامعة العربية بدت غير قادرة على التأقلم مع النظام الدولي الجديد، الذي اعطى دورا اكبر للمنظمات الدولية مثل الامم المتحدة، ومجلس الامن الدولي، والاتحاد الاوربي على حساب سيادة الدول التي بدات بالضعف التدريجي لصالح المنظمات والتجمعات الدولية ضمن مايعرف بالعولمة.
الطرف الذي استغل هذه التحولات هو مجلس التعاون الخليجي الذي طرح نفسه كقاعدة متقدمة لحماية المصالح الامريكية، والغربية في الخليج، والعمل على الاقتراب من واشنطن اكثر لردع ايران والعراق، رغم نأي العراق بنفسه عن الاستقطاب وطرح نفسه محايدا امام جيرانه واشقائه العرب لكن هناك من يمتنع بشدة من اعطاء دور سياسي للعراق في الوقت الحالي.
اما عن علاقة الجامعة العربية في الملف العراقي فيحسب لها انها اظهرت تعاملا افضل من الدول العربية في علاقتها بالعراق الجديد، وقد دخلت شريكا مع الامم المتحدة في ترتيبات عراق مابعد صدام لكنها امسكت بملف واحد هو ملف المصالحة الوطنية لتفتح الحوار مع القوى السياسية العراقية المختلفة، لكن الحكومة العراقية وبحنكة اكبر قطعت الطريق على أي محاولة للاخرين بالتدخل من خلال باب المصالحة الذي لم توصده الحكومة في بغداد ليفتح في مكان آخر.
اعتقد ان الامر يحتاج الى المزيد من التفصيل بالشكل الذي لايستوعبه عمود صحفي محدد لكن ما اريد توضيحه هو ان الدكتور نبيل العربي نفسه وهو رجل عروبي مرموق غير مقتنع بتحويل الجامعة العربية الى اداة دولية تستخدمها قوى غربية بواسطة اطراف في مجلس التعاون الخليجي، لتدمير دول من وزن سوريا وربما العراق في وقت لاحق بذريعة حماية الشعوب وهذا ماستكشفه الايام المقبلة، لان الجامعة العربية لاتمتلك الديناميكية والقوة بقدر ماتملك التراث والمشروعية العربية، لذلك تستغل لمصالح اخرى، وتسير بارادات اخرى، فعلينا ان ننتبه الى حجم وخطورة مايحصل من حولنا لاننا اكثر المعنيين بهذا الامر

 

العراق والاخرون

العدد (851)الاثنين 26 /12/2011


في العراق هناك عاملان مهمان يضغطان باتجاه تطور الأحداث المتسارعة، الاول هو تصادمات (الربيع العربي) وارتداداته بما فيها العوامل المحركة، والمستفيدة، والمتضررة من هذا الربيع، والثاني الفراغ المعنوي، والمادي الذي يتركه انسحاب القوات الامريكية من العراق فللمرة الاولى منذ دخول القوات الامريكية الى العراق في نيسان 2003م يتحرر القرار السياسي العراقي من الضغوط الامريكية المباشرة ولعلها فرصة لا تعوض.
اذ تشهد الايام والساعات الحالية احداث ساخنة متسارعة بالتوازي مع تصريحات ومواقف مختلفة على مستوى العراق، وعلى مستوى خارجي في منطقة المشرق العربي ككل، فدول الخليج العربي تدير الازمة في سوريا ولبنان، وتتدخل في شؤون العراق، مثلما تديرها في اليمن، ومصر، وليبيا من خلال رجالها، وأموالها، وإعلامها، وتحالفاتها، لتمد اذرعها في هذه الدول وبالتعاون مع الاردن، والتوافق مع تركيا (يبدو انها تراجعت خطوة بعد الازمة مع فرنسا). وبالطبع تستفيد من مشاركة اسرائيل والولايات المتحدة العداء الشرس لايران، حيث ترى دول الخليج ومعها الاردن، وتحالف 14 آذار في لبنان بقيادة سعد الحريري، ان الشر الاسرائيلي اهون من الشر الايراني، وموقع ويكلكس عامر بالمزيد من الاسرار والصفقات المشبوهة في هذا الاطار.
وفي داخل الكتلة الخليجية ظل التنافس القطري السعودي مجسدا في دعم السعودية للتيار السلفي، مقابل دعم قطر لتيار الاخوان المسلمين، الذي يحظى بدعم تركي ايضا، وما تحقق في مصر من فوز حزب الحرية والعدالة الاخواني، والنور السلفي باغلبية مقاعد مجلس الشعب المصري يعد بحق نجاحا للمال الخليجي في شراء الثورة المصرية، ومصادرة الربيع العربي ليتحول الى ربيع خليجي، وكذلك فأن نجاح المبادرة السعودية في اليمن يعد متنفسا للمملكة لقطع دابر أي تحد ايراني من جهة جارها الجنوبي ربما يأتي من خلال الحوثيين.
لكن الأمر في سوريا ولبنان مختلف شيء ما، فقد أسهمت سوريا في إسقاط المبادرة السعودية في لبنان، ومعها سقطت حكومة الحريري، وصعد تكتل 8 آذار لتتشكل حكومة نجيب ميقاتي برعاية حزب الله المقرب من سوريا وإيران، وولدت من رحم ذلك تفاهمات عراقية سورية اذنت بتشكل محور تحالفات يجهض المخططات الاخرى، التي اوقفها العراق بموقفه الشجاع من الازمة السورية ومبادرته التي غيرت الكثير من الحسابات الاقليمية.
والوضع في العراق محل استهداف القوى الاخرى منذ بداية التجربة بعد عام 2003م، لغاية اليوم حيث يواجه المالكي ضغوطا، وهجمات اعلامية، وسياسية كبيرة، بسبب مواقفه الحازمة وصلابته بوجه المخططات الاقليمية، فالمالكي رجل يتمتع بالقوة والارادة والرغبة في توحيد العراق، وبناء الدولة التي تعاني معضلات كبيرة اهمها، التدخلات الخارجية، وترسيخ قاعدة المحاصصة، ووجوب توفر ممثلين لكل طائفة، الامر الذي اضعف مفهوم المواطنة العراقية، وقوض من اهمية القانون.
وبالمقابل فان خصوم المالكي لاسيما المتمثلين ببعض قيادات القائمة العراقية لم يفلحوا باقناع الجمهور العراقي بصدق شعاراتهم وثبت ان قائمتهم تضم رجال سياسة وطنيين، وكذلك تضم سماسرة سياسة وفساد، وامراء مجاميع ارهابية.
وقد ناقضت هذه القائمة نفسها حينما تبنت الاقاليم في صلاح الدين، وديالى، والانبار بناء على ضغوط واجندات ومصالح خارجية، وفق صفقات مريبة ربما تؤدي الى الحاق الاقاليم المتشكلة مع دول اقليمية من المحتمل ان تتمدد بناء على نتائج ماسيحصل في سوريا، ولكن الفشل السياسي كان نصيب عرابي هذه المخططات، الامر الذي قاد الى ضغوط خارجية كبيرة بالضد من المالكي.
فطروحات وممارسات بعض قيادات القائمة العراقية صدمت غالبية ابناء الشعب العراقي واخذت تشكل عبئا على مسار الحياة والعملية السياسية في آن واحد، وعملت على تقسيم وتجزئة قمة السلطة، ليلقي ذلك بضلاله على القاعدة التي تحولت الى قواعد متعددة، رغم ان الراي العام العراقي قاوم التقسيم والتشرذم وتمسك بالوطن الواحد، لكن ربما لن يتمكن من الصمود لازل اطول، لاسيما جمهور القائمة العراقية الخاضع لقيادات بعضها مصطنعة، فرضت نفسها بقوة، ورضخ لها الجمهور كونها الواقع المتوفر.
فالقيادات في العراق نوعان نوع يمارس العمل السياسي المعارض قبل سقوط النظام، وهذا النوع من الطبيعي له ان يستمر بممارسة دوره وقطف واكمال رسالته الانسانية، والانتقال من العمل السري الى العلني، ليخضع لحكم الشعب والتاريخ، والنوع الثاني هو الاخطر وهو نوع لجأت اليه الولايات المتحدة لتصنع منه ارقام سياسية جديدة بمواصفات خاصة اسهمت دول متعددة في تمويلها وصناعتها.
و بمجرد ظهور رقم جديد على شاشة التلفزيون ليتحدث بنعرة تعصب طائفي، او قومي، او ديني، حتى يدخل قائمة الارقام ويكون له دور محدد في سوق السياسة الذي راج بعد 2003 م بعد ان يحصل على الدعم والتمويل المطلوب.
هذا السوق اشبه باسواق الحواسم التي انتشرت في بغداد لبيع المواد المسروقة والممنوعة، لكنه سوق بحلة مختلفة تشرف عليه اقوى المخابرات الخارجية، وتنظمه ارادات دولية واقليمية، ليتحول الى سوق له اوزانه، وقيميه، وسماسرته، ورجاله، وضوابطه، ومسالكه السرية، والعلنية، والغريب ان كل الداخلين والخارجين الى هذه السوق غير الشرعي يخضعون لتقييم مؤشر خارجي، فتزاد اهميتهم، او تتراجع حسب ماترى لندن، او واشنطن، او الرياض، او الدوحة، او طهران، او انقرة، وماخفي كان اعظم.
وما يحصل الآن هو محاولات فرض اجندات اقليمية بالقوى وايجاد مفهوم (ربيع عراقي) بمواصفات خليجية وبالمقابل هناك محاولة جادة من رئيس الوزراء ومن القوى الوطنية العراقية في ايقاف التمدد الاقليمي واذنابه في العراق، ازالة سوق السياسة الفاسد، وانهاء مخلفاته للبدء بحياة سياسية عراقية نظيفة خالية من التبعية للاجنبي، وبعيدة عن المداخل الخارجية والساسة الذين يلجون المناصب من دهاليز دول اخرى

 

الصحفيون العرب فــــي بغـداد

العدد ( 846)الاثنين 19 /12/2011


اجتماعات المكتب الدائم للامانة العامة لاتحاد الصحفيين العرب في بغداد حدث لابد لنا من ان نقف امامه بتأمل، لاكثر من سبب، الاول هو التوقيت الذي عقد فيه هذا الاجتماع التاريخي الذي واكب انسحاب القوات الامريكية من العراق، وكذلك واكب التقدم الذي يشهده هذا البلد في شتاء عربي يحمل سخونة ربيع سياسي قلب المنطقة رأسا على عقب.
والسبب الثاني ان الصحفيين العرب جاءوا الى بغداد ليعلنوا بشكل ضمني عن اسفهم لكل ما اقترفوه سابقا من احكام غير دقيقة هاجموا فيها التحولات الكبيرة في العراق، وناصروا نظم سياسية عربية، اثبت ربيع العرب انها كاوراق اشجار الخريف لاتصمد امام هبوب اول الرياح.
والسبب الثالث هو الارادة التي اسهمت في تحقيق هذا الاجتماع بكامل نصابه، وبكامل شخصياته، الذين يعدون من اهم رموز الصحافة العربية، وقادة التشكيلات المهنية في 20 بلدا عربيا، مثل الاساتذة مكرم محمد احمد، وابراهيم نافع، وعبد الوهاب زغيلات، وجيم بو ملحة رئيس الاتحاد الدولي للصحفيين، واسماء كبيرة اخرى.
ومن خلال زيارات وفود نقابة الصحفيين العراقيين الى القاهرة لحضور اجتماعات اتحاد الصحفيين العرب، تلمست شخصيا مدى اصرارهم على تحقيق رغبة اخذت تكبر في داخلهم، وتقترب من التجسد على ارض الواقع، هي دعوة كبار الصحفيين العرب الى بغداد، ليقفوا على حقيقة الامور في العراق، هذه الامور التي كان الاعلام العربي يفتقد للامانة في نقلها.
واصرار نقابة الصحفيين العراقيين على اقامة مثل هكذا مؤتمرات ودعوة شخصيات اعلامية نوعية الى بغداد تعكس حقيقة ان المنظمات المهنية، والمؤسسات العراقية الاخرى لاتقل اهمية عن الوزارات، فلربما تفشل وزارة، او مجموعة وزارات في تنظيم ملتقى عربي، او دولي في بغداد، وتنجح منظمة مهنية، والجواب واضح جدا.
وهو ان بعض الوزارات تتعكز على اجراءات روتينية، ومخاطبات رسمية، ربما لاتجلب النتائج التي تؤديها العلاقات الشخصية، والاتصال المباشر مع اصحاب الشان، وربما يكون عمل الوزارة ونظيراتها العربيات مبني على عوامل ومؤثرات سياسية وكذلك تكون اقسام العلاقات العامة في الوزارات قليلة الفاعلية، او قليلة الامكانات، او الصلاحيات، او الخبرة، وبالتالي سيكون من الصعب عليها اقناع الآخر والتاثير عليه.
الذي اريد ان اقوله هو اننا نعيش التوقيت المناسب لاقامة ملتقيات عربية في بغداد، فلم يعد هناك جنود امريكان يجوبون مدن العراق، او كلام عن امن مفقود او سيادة منقوصة، بل هناك تراث وافر من الديموقراطية، وثراء كبير في التعددية الثقافية، ونمو اقتصادي، واجتماعي، وسياسي، في العراق هناك تجربة تستحق ان يكتب عنها الكثير، كون بغداد تقدمت العرب جميعهم في الانتقال من خريف الاستبداد الى ربيع الديموقراطية، التي بدون تغطية اعلامية حقيقية لن يعرف عنها العالم شيء.
لذلك نحن مدعوون لان نشد على ايدي زملائنا في نقابة الصحفيين، ونبارك لكل الزملاء والاصدقاء الذين اسهموا في انجاح اجتماع اتحاد الصحفيين العرب في بغداد من سياسيين وامنيين واعلاميين ومثقفين.
وندعو الجميع الى التواصل والاستمرار بل الانفتاح بشكل كبير على عقد مثل هكذا ملتقيات تمنح بغداد قوتها، ودورها الاقليمي الذي يتناسب مع مكانتها التاريخية الكبيرة
 

 

العدد ( 841)الاثنين 11 /12/2011

العلاقات العراقية الاميركية وزيارة المالكي الى واشنطن


لعقود طويلة احتفظت الولايات المتحدة بثوابتها الاستراتيجية في الشرق الاوسط، وهي ضمان تدفق النفط، وامن اسرائيل، لكن مع مجيء الرئيس جورج دبليو بوش حاولت ادارته توسيع الافق الاستراتيجي الامريكي في منطقة تنازعت فيها الايديولوجيات، وشكلت ميدانا هاما من ميادين الصراعات خلال الحرب الباردة.
حاول بوش الابن ان يتبنى استراتيجية نشر الديموقراطية فاطلقها عام 2001م، وحاول تطبيقها انطلاقا من الافكار الجديدة التي شكلت بمثابة دماء جديدة في نظام دولي جديد، لكن احداث 11 ايلول ادخلت بقوة متغيرا جديدا هو مكافحة الارهاب، اذ قادت الولايات المتحدة الحملة الدولية لمكافحة الارهاب، ونظمت جهدا امميا بهدف تجفيف منابعه، تمخض عن اسقاط نظام طالبان في افغانستان، واسقاط نظام صدام في العراق.
وبذلك انزلت واشنطن ملف العراق من رفوف البيت الابيض، وخزائن وكالة المخابرات المركزية، لتضعه على طاولة وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي قاد الحرب واوكل عملية بناء الدولة الى السفير بول بريمر، وحدث ماحدث من اخطاء كارثية وهدر في الاموال والجهود والوقت.
استمر الحال المتذبذب لغاية صدور قرار مجلس الأمن الدولي المرقم 1546 واستلام العراقيين السيادة في 28 حزيران 2004م وتشكيل حكومة الدكتور ابراهيم الجعفري ، ثم حكومة رئيس الوزراء نوري المالكي التي كانت في سنواتها الاولى منشغلة تماما بالتصدي للارهاب، والعنف الطائفي، والمؤامرات الداخلية، والخارجية الهادفة الى اسقاط الحكومة، واثارة الحرب الاهلية ومن ثم تقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم مثلما حصل في يوغسلافيا السابقة.
لكن حكومة المالكي استطاعت تجاوز المرحلة الاصعب وتوظيف الدور الامريكي بالشكل الذي يخدم استقرار ووحدة العراق، واستيعاب اللعبة الاقليمية، والعمل على انفتاح مدروس ولملمة عوامل قوة داخلية لم تكن موجودة في اشلاء دولة يفتك بها الارهاب، وينخرها الفساد الاداري والسياسي.
وبرغم كل الكبوات والاخطاء التي سجلت على اداء وزارات ودوائر خدمية، وربما امنية، تمكنت حكومة المالكي من تحقيق نجاح امني كبير، جعل المفاوض العراقي في وضع مريح اثناء الاعداد لاتفاقية الانسحاب الامريكي من العراق.
ونحن نعيش تطبيق بنود الاتفاقية التي شكك الكثيرون بجدية الاطراف الموقعة عليها، نكون امام دور مستقبلي هام للعراق، يتمثل في سد الحاجة الغربية من البترول، وتعويض اي نقص محتمل في امداداته بسبب ماستشهده المنطقة من احداث، وهذا يحتم على العراق الاسراع في تشييد منافذ تصدير عملاقة، لاسيما ان حاجة الولايات المتحدة للنفط ستستمر عقودا اخرى.
والعامل الثاني ان دور العراق بعد تحقيق استقراره الامني هو دعم الديموقراطيات الوليدة، ولعب دور امني استخباري في ردع قوى اقليمية ممانعة، والتصدي للارهاب الدولي الذي انتشر جيل جديد منه في دول المنطقة، وهو دور صعب ومركب ولايمكن ان يلعبه العراق في الوقت الحالي.
في حين يحتاج العراق الى الولايات المتحدة لتنفيذ التزاماتها الدفاعية فيما اذا تعرض الى اعتداء خارجي، وفي لعب شراكة استراتيجية تمكن العراق من لعب دور اقليمي ودولي يتناسب مع دوره الاقتصادي والسياسي، وموقعه الاستراتيجي لاسيما بعد احداث الربيع العربي التي ستتمدد الى اجزاء اخرى.
وتأتي زيارة رئيس الوزراء نوري المالكي في ظل ظروف معقدة في داخل العراق وخارجه، نظرا للاختراق الاقليمي للقوى السياسية العراقية الذي وصل الى حد اعلان برنامج تقسيم العراق بدعوى الفيدرالية.
زيارة المالكي لواشنطن في هذه الظروف تعتبر من اهم زياراته وجولاته الخارجية لانها سترسم ملامح الشراكة الاستراتيجية التي تحتاجها بغداد وواشنطن معا، والتي يمكن ان تتطور بالاعتماد على المنافع المتبادلة، لقطع الطريق على القوى الاقليمية المتضررة من نهضة العراق النفطية التي ستؤدي الى تمدد الربيع العربي الى بلدان اخرى كانت تحظى بحماية واشنطن.
والاهم من ذلك كله ان يتمكن المالكي في زيارته الى واشنطن من كسب معركة مواجهة الاختراق الداخلي من قبل الدول الاقليمية، وافشال مشروع التقسيم واقناع ساسة البيت الابيض بدعم وحدة العراق وجهود بناء الدولة التي تتطلب سنوات اخرى ربما تمتد الى عقد من الزمن

 

المالكي ومعركة الاستقلال

العدد ( 829)الاثنين 21 /11/2011


يقول الفيلسوف الاغريقي أفلاطون"إن من يعزف عن المشاركة فى الحياة السياسية، فسيعاقب بأن يحكم بمن هم دونه، ومن لا يراعون مصالحه"، ويقول جان جاك روسو صاحب نظرية العقد الاجتماعي "حين يقول المواطنون إنهم لا يكترثون بشأن الدولة، فإنك يمكن أن تعتبر أن الدولة قد انتهت".
فماذا نقول ونحن جالسون دون اكتراث بما سيحصل، وماذا ينتظرنا، نجلس غير مبالين بتدفق حركة التاريخ المتسارعة من حولنا، غاضين النظر عن الضغوط التي ترسم، والتدخلات التي تمنهج، والمواقف التي تتغير، و كل مانفعله ليس اكثر من انتظار يوم تاريخي مفصلي،يزيد في خطورته عن يوم تتويج فيصل الاول صاحب المذكرة الشهيرة التي تقول انه "لايوجد في العراق شعب عراقي بعد.. بل توجد تكتلات بشرية خالية من اية فكرة وطنية" (وضعها عام 1932م اي قبل وفاته بعام).
اليوم الذي ننتظره لايقل اهمية عن يوم حصل فيه العراق على استقلاله من بريطانيا 3تشرين الأول عام 1932م والذي ادخلنا عصبة الامم، ويوم قيام الجمهورية الاولى (القاسمية) 14 تموز 1958م، والثانية (العارفية)8شباط 1958م،والثالثة (البعثية) 17تموز1969م، ويوم سقوطها في 9نيسان 2003م وقيام الجمهورية الرابعة (الديموقراطية).
لكن خروج القوات الامريكية يترافق الآن مع ظروف ومخاوف ربما تهدد قوة وتماسك الجمهورية الرابعة في العراق الديموقراطي،والتي تشكلت بارادة الشعب، وبمساعدة ودعم الامريكان، وعرقلة ومقاومة دول الجوار وجزء من العراقيين، ولكن على المستوى الداخلي نمت هذه الجمهورية بحضانة مؤثرين اثنين مهمين يسيران بتضاد واضح يصل الى حد التقاطع.
المؤثر الاول هو غالبية الجماهير العراقية على اعتبار ان التجربة تشرعنت بشرعية اصوات الناخبين، وقامت وفق نظام انتخابي متطور، ورغم الملاحظات عليه يعد الاول من نوعه في المنطقة، وسيكون دليلا للانظمة التي تحولت حديثا من الشمولية الى الديموقراطية ولو بدرجات متفاوتة.
اما المؤثر الثاني فهو الطرف الذي من المفترض ان يكون ضامنا لنجاح هذه الديموقراطية، وهو الولايات المتحدة الامريكية التي لعبت سياسة لها وجه واضح هو اسقاط الديكتاتورية، وبناء الديموقراطية، والحرب على الارهاب،ووجه آخر غامض هو مالعبه سفراؤها ورجالها في العراق من تحت طاولة الشعارات المعلنة، وما تسبب ذلك من اذى كبير، ودمار، وتأخر عن عجلة التنمية.
وبين هذين المؤثرين يقف رئيس الوزراء نوري المالكي ليحمل على عاتقه اصعب المهام في اصعب المراحل، كونه هو صاحب الاتفاقية الشهيرة التي ستضمن خروج الامريكان من ارض العراق، ولكن اذا فقد العراق مايقدمه الامريكان من دعم عسكري، هل يفقد مايمكن الحصول عليه من دعم سياسي نحن في احوج حالاتنا اليه، وهل يتمكن المالكي من جعل بغداد تلملم ماتناثر من دعم امريكي وبريطاني الى قوى سياسية عراقية توزعت جغرافيا وثقافيا وسعت الى نيل حظوتها لدى البيت الابيض،وقصر برمنغهام.
ومن المؤكد ان المالكي يدرك انما يدور الان هو محاولات، وخطط لمراحل اكثر خطورة، سوف تستتر خلف الانفعالات العاطفية، والفرح والسرور بالمرحلة الجديدة التي حتما ستكون حافلة بالتحديات السياسية، والاستراتيجية، اضافة الى المخاطر الامنية، والمالكي يدرك ان هذه المخاطر تدار من الخارج لا من الداخل.
اذن فالمؤشرات التي تسبق نبيل الاستقلال الكامل وفق القاموس العراقي هي غير مطمئنة للغاية، وفق الخرائط الجديدة، التي بدات بصراع ثقافي طائفي، ثم صراع على السلطة والثروات، ثم اسقاط ذلك على الجغرافية، ليتحول الى صراع حول مناطق متنازع عليها بين الاقاليم والمحافظات.
وهنا اقدم رسالتي الى دولة رئيس الوزراء نوري المالكي الذي من الواضح انه الصوت الوحيد الذي يدافع بقوة عن وحدة الدولة، وتماسكها، ومركزيتها المطلوبة في هذا الوقت، اقول لدولته ان العامل الخارجي مهم جدا للحفاظ على وحدة العراق فقد وجد نوري سعيد ان الانحياز لبريطانيا ومن بعدها الولايات المتحدة، هو من يجنبنا الوقوع في مازق تعاظم قوة اسرائيل،وان الدخول في حلف بغداد يجنبنا اذى تركيا وايران، وحافظ على الموصل من الذهاب الى تركيا، في وقت خرجت الاسكندرونة من سوريا، لكن رؤية عبد الناصر الانفعالية هي من صنعت لاسرائيل قوتها وقدرتها على التأثير، وان ضعف قادة سوريا هو من افقدهم الاسكندرونة(انطاكية).
ان العامل الخارجي هو من تحكم ورسم للعراق سياساته، واثبتت الشواهد والوقائع ان تاثير العراق على المحيط الاقليمي لم يكن بالكفاءة، والسرعة التي يؤثر فيها الاقليم على العراق، حسب الخبرة التاريخية، ودراسة الاحداث.
والسؤال هو هل على دولة الرئيس المالكي ان يسعى لجعل العراق الحليف الاهم للغرب وياخذ بنصيحة سلفه المخضرم نوري السعيد، وذلك من خلال بناء شبكة مصالح متبادلة مع الولايات المتحدة وبريطانيا، وبناء علاقات ثقة متوازنة مع دول الاقليم.
وعليه الاستقواء بالشعب العراقي بمكوناته الثقافية، والطائفية، والعرقية، وتحقيق مايمكن من الثقة بين السلطة والمواطنين، وادامة الصلة مع الشعب، وتاهيله للمرحلة المقبلة، والعمل بسرعة لزيارة واستقبال شرائح مهمة ومؤثرة منه، وادامة العلاقة مع المنظمات، والقوى الشعبية،والدينية والعشائرية والنخب الفنية، والثقافية، ووسائل الاعلام، وحثهم على انقاذ العراق، والعمل على تحويل مسار ازمة، او كارثة محتملة،هي وجود العراق من عدم وجوده، انا واثق كل الثقة من ان دولة الرئيس المالكي واع لخطورة المرحلة، وهو قادر بعون الله على تجاوز ماينتظرنا من ازمات، طالما بقي شعاره الاهم هو وحدة العراق، ووجوده، وقوته وتاثيره، والعراقيون معه في معركته الشريفة هذه.

 

العراق يمتنع عن التصويت

العدد ( 824) الاثنين 14 /11/2011


عندما عبر الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل عن رأيه ازاء ماتشهده المنطقة العربية بأنه ليس ربيعا للثورات العربية انما سايكس بيكو جديدة، شكل هذا الرأي صدمة لكثير من المتابعين الذين كانوا يتأملون من سقوط الانظمة القمعية ملامح مشروع نهضوي عربي طال انتظاره، وفرصة لتحقيق الديموقراطية والعدالة في بلدان ظلت رهينة النظم الاستبدادية والجمهوريات الوراثية.
لكن الغريب في الامر هو مدى الانتقائية الغريبة التي تعاملت بها المنظمات الدولية والاقليمية مع الثورات العربية، ففي الوقت الذي دفن فيه الملف البحريني في رفوف جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي بعد ان اجهزت عليه قوات درع الجزيرة وسط صمت اعلامي قاتل، فقد سلم الملف الليبي برضا الجامعة العربية الى حلف الناتو، فيما احتفظ مجلس التعاون الخليجي بالملف اليمني، وترك الملف السوري لجامعة الدول العربية.
والواضح ان موقف الجامعة العربية من سوريا ربما جاء مفاجئا للكثيرين رغم كل ملابسات الامر، ولم يميز بين حالة اسقاط نظام وبين اسقاط دولة لها امتياز عضوية الجامعة العربية، وكذلك كان عليه ان يجري تحقيقات اوسع وادق ليتعرف على حجم وخطورة مايحصل في سوريا.
وانا على يقين بأن الدكتور نبيل العربي الامين العام للجامعة العربية قد تعرض الى ضغوط كبيرة حتى يوافق على الخروج بالموقف الاخير ازاء سوريا، الذي تمثل باسقاط عضويتها، وسحب السفراء العرب وبدء اجراءات مقاطعة اقتصادية، وذلك من خلال البيان الذي تلاه وزير الخارجية القطري حمد بن جاسم، رغم ان القرار لم يكن قد حصل على أجماع الدول العربية انما مرر بالاغلبية، وهو من حيث قيمته القانونية لن يكون ملزما للدول العربية التي لم تصوت عليه.
هذا الموقف المتعجل للجامعة العربية ربما تكون له تداعيات خطيرة كونه سيحرج روسيا والصين وسيقطع حلقة الاتصال بين الحكومة السورية وبين محيطها العربي، ويغلق كل محاولات احتواء الازمة ودعم عمليات الاصلاح السياسي التي اعلنت عنها دمشق.
فلو كان هذا القرار اتخذ من اجل دماء ابناء الشعب السوري فمن يضمن توقف النظام السوري عن الحل العسكري للازمة، وعن ضرب القرى او المدن المتورطة في الاحتجاجات، ومن الصعب على الجامعة العربية ان يكون لها دور او تاثير مستقبلي على دمشق الاسد في حال تمكن الرئيس السوري من حرف مسار الازمة وهو احتمال وارد رغم انه ضعيف.
فدول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية التي صوتت على قرار تجميد عضوية سوريا يبدو انها متيقنة من سقوط حتمي للنظام السوري، وكذلك يبدو انها تعرضت لضغوط معينة حتى تتخذ قرارها، فما الذي يجعل الجزائر او السودان تصوت لصالح القرار رغم مواقفها المتحفظة من مسألة التدخل انها حتما ضغوط خليجية ودولية لتحقيق اهداف محسوبة.
لكن لو نظرنا الى مايحدث بتمعن سنجد ان الامر ليس بعيدا ابدا عن اللعبة الدولية، وان قيام تمرد، او احتجاج في دولة لايعني بالطبع قيام ثورة وطنية تضمن انتقالا سلسا للديموقراطية، وان وجود اصوات عالية تتحدث باسم الشعب لايعني ابدا ان الشعب فوضها بذلك، وكذلك هناك حسابات طائفية ومصلحية يجب اخذها بعين الاعتبار، فربما يبدو الامر على انه تصفية تيار الممانعة لصالح مايعرف بتيار الاعتدال الذي يقوده مجلس التعاون الخليجي.
اما امتناع العراق عن التصويت على قرار تجميد عضوية سوريا هو بالتاكيد قرار حكيم وجريء يؤكد استقلال وتحرر القرار السياسي العراقي، وهو محاولة لامساك العصا من الوسط لخصوصية العلاقة بين العراق وسوريا التي تعد دولة مجاورة اضافة الى حسابات اخرى، تتعلق بطبيعة الداخل السوري واهمية ان يكون الجار الغربي للعراق دولة متماسكة افضل مما تكون قوى او مجاميع متناحرة، يصعب التعامل معها.
فالانهيار السريع لنظام الحكم السوري يؤدي حتما الى اعادة توازن القوى السياسية والاجتماعية من جديد، بشكل ربما يقود الى مرحلة من الفوضى التي لاتخدم امن العراق باي شكل من الاشكال الامر الذي يجعل حدودنا الغربية عرضة للتسلل والاختراق.
وفي ذات الوقت فوضع العراق السياسي يؤهله ليكون قائد التغيير والتحول الديموقراطي وهذا الدور يؤهله لدعم تجارب التحول الى الديموقراطية، مثلما حصل مع الثورة التونسية والمصرية والليبية، وهنا يجد العراق نفسه مطالبا لاحترام رغبة الشعب السوري في حال توسع الاحتجاجات الشعبية في سوريا التي لاتزال محصورة في مناطق محددة مثل درعا وحمص وحماة.
لذلك نحن امام موقف متعجل من الجامعة العربية وموقف حكيم من العراق ووضع سوري مقلق ومفتوح على كل الاحتمالات و مايهمنا في العراق ان ندرس الوضع الاكثر ملائمة لنا لان مصلحة العراق فوق كل الاعتبارات

 

شبكة الاعلام العراقي

العدد ( 809) الاثنين 17 /10/2011

 


بتولي السياسي والاعلامي محمد عبد الجبار الشبوط مهامه يكون بذلك قد اصبح المدير العام الخامس لشبكة الاعلام العراقي، والرئيس التنفيذي الثامن لها، وشبكة الاعلام ليست بالمؤسسة الهينة من حيث دورها ومعضلات بيتها الداخلي، ومن حيث الضغوط الخارجية، ومهامها الاستثنائية، في بلد استغنى كليا عن وزارة الاعلام.
انها مؤسسة يرتبط تاريخ انشاءها بالتاريخ الديموقراطي للعراق، وانطلقت بعد التحول وبدء العملية السياسة، لتسير بموازاتها، في مناخ يصعب الفصل فيه بين قسوة الاحتلال وعزة التحرير، وكذلك فأن غصن الشبكة الغض قد انبثق وسط غابة موحشة من فضائيات محترفة، توجهت كاميراتها كالخناجر صوب ساحة اللعب بالدماء والمشاعر العراقية.
فكانت شبكة الاعلام بمثابة اول ازهار الديموقراطية التي وجدت كي تنتج لغة اعلامية نقية تطرح الراي والراي الآخر، وتعلم الناس ادب النقد وحنكة الحوار، لكن قدرها كان بمواجهة الاعاصير الجارفة، والسيول المدمرة، فكان عليها ان تستمع لاصوات اليتامى والارامل، وضحايا العبث والعابثين، وتكشف مخططات الارهابيين، وتمد العون الاعلامي المعنوي لرجال القوات المسلحة، والصحوات، والوطنيين الشرفاء، فقد وجدت نفسها امام مواقف يجب اتخاذها.
زهرة تفتحت لتوها، وبدل ان يهب عليها نسيم دجلة الذي تطل عليه بناياتها، واجهت دخان البارود، وحرائق نيران الغدر وقسوة الارهاب، ومكر وخداع اصحاب الاقنعة الزائفة.
وخلال حقبة امتدت من مايس 2003م لغاية الان تعاقب ثلاثة رؤساء تنفيذيين وخمسة مدراء عامين على ادارة الشبكة، منهم من اخذ، ومنهم من اعطى، ومنهم من اخذ واعطى، وشبكة الاعلام اليوم بحاجة الى عمل استثنائي لتشخيص نقاط الضعف ومكامن القوة ليبدأ العمل بالاتجاه الصحيح. وكان قد تعاقب على ادارة الشبكة عددا من الرؤساء التنفيذيين ابتداء من احمد الركابي، ثم جورج منصور، ثم شميم رسام، وهؤلاء الثلاثة حاولوا صناعة بي بي سي عراقية، انطلاقا من توصيات مؤتمر اثينا لاعلام مابعد التحول لارساء تجربة خدمة البث العام، لكنهم عجزوا عن ذلك، وتم اختيار الدكتور جلال الماشطة مديرا عاما، وتولى منصبه لمدة خمسة شهور من تموز لغاية تشرين الثاني عام 2004م لتنتهي فترته باستقالة شهيرة عبر مؤتمر صحفي كشف فيه حجم الفساد الهائل الذي كانت تمارسه ادارة شركة هارس الامريكية، وقناة ال بي سي اللبنانية، اللتان كانتا تديران الشبكة.
وبعد فترة تم تشكيل مجلس امناء جديد للشبكة وتم اختيار السيد حبيب الصدر مديرا تنفيذيا بعد الماشطة، ومارس الصدر مهامه لمدة قاربت الاربع سنوات، خرجت الشبكة فيها من الادارة الاجنبية لتدار بكوادر عراقية، وسط ظروف حفلت بالكثير من الاحداث الجسيمة التي مر بها العراق، وكان على الشبكة ان تتحمل المزيد من العبء، وتقدم المزيد من التضحيات، وفي نيسان 2008م، قدم الصدر استقالته وتولى بعده السيد حسن علي عزيز الذي لم تدم ولايته الا شهورا ليتم تكليف الدكتور عبد الكريم السوداني مطلع آذار 2009م لغاية تولي الشبوط مهامه في ادارة هذه المؤسسة.
وثبت بالتجربة ان تغيير المدير العام في كل مرة لاينتج حلولا سريعة لمشكلات الشبكة ولم يتمكن المدراء العامين الذين تعاقبوا على ادارة الشبكة من الخروج من معضلة وضعها القانوني والاداري، وافتقارها لتقاليد العمل الصحيحة، وغياب التخطيط الهادف، وتذبذب الاداء. لكن التغيير هذه المرة مختلف عن كل مرة سابقة لأنه جاء بشخص من داخل هذه المؤسسة وليس من خارجها، لذلك فالشبوط ليس بحاجة الى فترة اختبار يستمع الى تقييم آخرين لاخرين، كي يتعرف من خلالها على الشبكة او يدرس خرائطها السرية، ويتاقلم مع مراكز القوى فيها، او يخلق مراكز قوى جديدة، فهو من الذين سهروا على ايجاد وبلورة حلول واجراءات وخطط تنهض بهذه المؤسسة وتعيدها الى الواجهة منذ توليه مهامه في مجلس الامناء.
وكذلك هو يدرك ان شبكة الاعلام العراقي تعرضت الى هزات عنيفة ونقد قاس منذ تاسيسها، ويدرك انها لم تتمكن من اداء دورها المطلوب، ويدرك ايضا ان الخلل لاتتحمله الشبكة وحدها ولايتحمله شخص وحده، او جهة وحدها، بل انه خلل مركب يحتاج الى خارطة طريق ترسم بذكاء وعناية، وتستوجب دعما من مجلس الامناء ومن الحكومة والبرلمان، للخروج بافضل النتائج، وتوجيه اكبر مؤسسة اعلامية في المنطقة على المسار القويم.
فالشبكة بحاجة الى اعادة الثقة بينها وبين جمهورها، وكذلك بحاجة الى تصدر المشهد الاعلامي استنادا الى امكانياتها وقدرتها وخبرة كوادرها، وهي بحاجة الى اطار قانوني سليم يتناسب مع متطلبات عملها ويمنحها القدر الكافي من المرونة والقوة، وكذلك هي بحاجة الى التخلص او تخفيف الضغوط الخارجية التي هي جزء من تعقيدات الواقع السياسي الذي يعيشه العراق، وهي ايضا بحاجة الى ترتيب بيتها الداخلي ورسم سياستها وثوابتها المهنية من جديد.
وبقي ان نعلم ان الانتقادات والضغوط التي تتعرض لهما الشبكة بصورة مستمرة، اغفلت الكثير من الجوانب الايجابية لهذه المؤسسة التي تضم خيرة الكوادر العراقية في مجال الفنون الاعلامية، وهندسة البث، والتصوير، والمونتاج، والاخراج وقد غذت هذه الشبكة جميع القنوات الفضائية والاذاعات والصحف العراقية والمؤسسات العراقية بكوادرها، لكنها لم تغذي نفسها بما يرضي طموح القائمين عليها وحاجة جمهورها الذي يتسمر امام شاشتها بوفاء عجيب.. ربما لانها المؤسسة الوحيدة التي لاتمولها جهة سياسية ولاتخضع لاهواء جهة على حساب اخرى، لانها صوت العراق، صوت الشعب العراقي

 

زيارة جبريل.. وثمار ربيع العرب

العدد ( 804) الاثنين 10 /10/2011


حطت طائرة الدكتور محمود جبريل الرجل الاهم في الثورة الليبية على مدرج مطار بغداد في زيارة وصفت بالمفاجئة والسريعة، ومر عليها الاعلام مرور الكرام كونها لم تتجاوز الا ساعات محدودة، لكن زيارة مثل هذه ليست بمدتها، فهي بالتأكيد على قدر عال من الاهمية والرمزية، فجبريل هو قائد الجناح الليبرالي في الثورة الليبية، ورجل له تاريخ مشرق ومستقبل اكثر اشراقا، ولكن لماذا جاء الى بغداد وماذا تعني هذه الزيارة..التي لم تكن زيارة مفاجئة مثلما وصفتها بعض وسائل الإعلام، فبعد اعتراف العراق بالمجلس الانتقالي تلقت وزارة الخارجية العراقية رسالة من رئيس المجلس الانتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل يعلن فيها رغبته بزيارة العراق..
جاءت زيارة جبريل الى بغداد بينما هناك ثلاث قوى اقليمية تتصارع من اجل الهيمنة على المنطقة، والاستفادة من انهيار دول شمولية كانت متسيدة المشهد العربي، وولادة دول اقل خبرة، وقوة، وتأثير بعد ربيع الثورات في مصر وتونس وليبيا، وبلدان اخرى.
والقوى التي تتنافس للهيمنة على المنطقة هي تركيا ومجلس التعاون الخليجي، وايران، في حين ان الاجواء مهيئة لدور عراقي كبير لم يتم بعد؟؟؟ ربما لطبيعة النظام السياسي العراقي، او لتردد صناع السياسة الخارجية العراقية، او بسبب وجود قوى وعوامل داخلية وخارجية معطلة للدور العراقي.
فموقف عبد الجليل وزيارة جبريل كانا امرا مفاجئا بالنسبة لاطراف كثيرة، لاسيما تلك التي حاولت شراء الثورة الليبية قبل دخولها المزاد، مثل مجلس التعاون الخليجي الذي يحاول الاستفادة من الربيع العربي لقطف الثمار ووضعها في سلته التي شارفت على الانتفاخ، مع مراعات الحاصدة التركية التي تحاول ابتلاع الجميع وهذا بالنسبة لدول المجلس الخليجي اداة مهمة للحد من نفوذ العراق، وايران معا لانهما سيان بالنسبة لهذه الدول.
فانهماك تركيا لتشغيل ماكنتها السياسية باقصى قوتها، حتى لو كان ذلك بالتخلي مؤقتا عن سياسة (التصفير) التي جاء بها مهندس العثمانية الجديدة داوود اوغلو والدخول في صميم الازمات، جاء لصالح تمدد حان اوانه تكلل بقيام رجب طيب اردوغان رجل تركيا الاول بزيارات تاريخية الى بلدان الربيع العربي، ليؤسس بوادر ارتكاز للقوة التركية الصاعدة والمقبولة لدى الثوار العرب، والقوى الشعبية العربية لاسيما الاخوان المسلمين.
براعة رجال السياسة والاقتصاد الاتراك تسير بخط متواز مع انهماك وسعي يبديه رعاة السلفية وشيوخها السعوديون، مع تدفق الاموال من خزائن امارة قطر التي ترعى الشيخ يوسف القرضاوي من مصر والشيخ علي الصلابي من ليبيا، والجميع يعملون في ظل مؤسسات اعلامية عابرة للحدود لصناعة نفوذ سياسي يمر عبر بوابة الدين والتطلعات القومية العربية، اما ايران فأنها تحاول الحفاظ على ماحققته من دور اقليمي والبقاء كلاعب اساسي في المنطقة.
وكل تلك القوى لايمكن ان تترك مجالا لسياسة خارجية عراقية مترددة تعكس انقسامات واختلافات داخلية خطيرة، جزء كبير منها تتحمله الدول المجاورة التي تمتلك تأثيرا على قوى سياسية عراقية تتلقى الاموال والدعم والنصح من هذه الدول.
ففي ظل اجواء الربيع العربي بادرت الكويت الى تغيير الجغرافية بلعبة ماكرة لخنق العراق في نقطة ضعفه الازلية وترسيخ وهنه الجغرافي في افتقاده لمنفذ بحري يمنحه القوة التي يبحث عنها منذ مطلع القرن العشرين.
وتركيا مازالت تبعث برسالة قاسية مفادها (ان لولاها لما كان العراق بلاد رافدين) وهذا استلاب خطير لرمز ميسوبوتيميا التاريخي، اما ايران فتمارس سياسة اقل ما يمكن وصفها انها غامضة وغير مفهومة، ففي الوقت الذي تعلن فيه تأييدها ودعمها لحكومة بغداد تمارس تصرفات وافعالا تؤدي الى اضعاف هذه الحكومة، اما السعودية فسياستها تتقاطع مع سياسة العراق الخارجية لاسيما دورها في البحرين ودورها في منع قيام القمة العربية في بغداد، وسعيها لخلق محور سني عربي يواجه مزاعم تمدد شيعي ترعاه ايران. سياسات التضييق على العراق لم تكن وليدة الربيع العربي بل منذ قيام النظام الديموقراطي وسقوط نظام صدام بسبب مخاوف الانظمة الشمولية العربية في ان يعم التغيير بلدانها ويطيح بعروشها، لذلك اجتمعت مصالح كثيرة لدعم سيناريو الفوضى، الا ان الذي تحقق هو قيام دولة جديدة تسير وتثبت وجودها رغم كل شيء، ويكن لها العالم الكثير من الاحترام وهو ماجاء بجبريل الى بغداد وسيليه عصام شرف وغيره من رموز الربيع العربي.
فالانظمة التي حاربت ديموقراطية العراق الوليدة قد تهاوت على يد شعوبها بعد ان تكشف كذبها وزيفها، وخاض العراق تجربة شاقة ومرتبكة احيانا لبناء الدولة تحت ضغط الاحتلال، وضغط الدول المجاورة، وتقاطع القوى السياسية، واجرام قوى التكفير ومن تحالف معهم من بقايا النظام المنهار.
لقد خسر العراق في وقت ما معركة الدعاية على المستوى العربي ولم يتحول الى واحة مبهرة تغري الشعوب العربية الى السير على خطاها، لكن الربيع العربي كان بمثابة دعاية مجانية للتحول العراقي الكبير. وكان على ماكنة السياسة الخارجية العراقية ان تخطط لكيفية بدء الدوران والتقاط حبل الصعود الذي مد اليها كي تتبوأ مكانة هي اكثر المؤهلين اليها، لكن لم يحصل شيء من هذا القبيل، لان الفاعلية السياسية ليست بكلمات المجاملة والترحيب وحسن النوايا، بل بالفعل، وتقديم العون، والدعم، وخلق الفرص الجديدة، والمصالح المشتركة.
فما يدفع جبريل الى زيارة العراق هو ان الاخير يتميز بانه حامل لواء الربيع العربي وان لم يتصد لذلك سياسيا واستراتيجيا، ومن غير المعقول ان يعود لبلاده بكلمات مجاملة وشكر وثناء، ماينتظرنا هو خطط للدخول والمنافسة، وماينتظر العراق من مستقبل كفيل بصناعة خارطة اقليمية جديدة يأخذ فيها مكانته ودوره الذي يستحقه.

 

 

تبارك بطلة العراق

العدد ( 799) الاثنين 3 /10/2011


قطعت طفلة عراقية لم يتجاوز عمرها العشر سنين تزاحم الإخبار، وضجيج التحليلات، وأوقفت بصورة مؤقتة ثرثرة من أدمنوا احتكار الكلام، واختزال العراقيين بشخصهم، لاسيما أصحاب الألف، والألفين، والثلاثة آلاف صوت، هؤلاء الذين يصرون على التمسك بناصية الحدث بالاستنكار، او التأييد، أو الشجب وأحيانا بتأجيج المشاعر سلبا أو ايجابيا، وحسب ما يتطلبه القفز بالكلمات على جراح الوطن.
تبارك التي أظهرتها إحدى القنوات العربية وهي تتحدث عن واقعة النخيب التي شهدتها مع اسرتها، روت الوقائع دون ان تتهم احداً، او تتهجم كلاميا على احد، ودون ان تتشكى كما يتشكى الآخرون، ودون ان تطالب بتعويض عن صدمة والم سيرافقها مدى حياتها، ودون ان تضيف شيئا من المحسنات اللفظية والرتوش الكلامية لحديثها، سوى براءة مطلقة تسحر كل من يستمع اليها، فهي من ارض تعطرت رمالها بدموع سكينة، وتزكت نسمات هوائها بأنفاس العقيلة (ع). نعم لقد هزمت تبارك دون ان تدري كل وسائل الاعلام، وهددت عروش الفضائيات، وتجار الكلام، ومن حاولوا صناعة فتنة طائفية، تبارك ثائر ذات الوجه والصوت البريء روت ببراءة الاطفال وتلقائيتهم المحببة روايتها، واطلقت بيانها الاول الذي فضح الجناة ومن وقف ورائهم، وكشف الجريمة وأي جريمة كانت.
تبارك بنت العراق رسمت للعراق صورة بحجم تاريخه، وعظمة حضارته، سوف تقاطع معلمتها في المدرسة في درس التاريخ وستقول إن الإرهابيين الذين يقتلون الأبرياء هم عراقيون أيضا، ستقول انا سمعتهم يتحدثون كلامنا وليسوا من جنسيات أخرى كما كنت اعتقد.
تبارك لاتعرف الفرق بين طائفة وطائفة، وبين مكون ومكون، ولا تفقه التقسيم والمحاصصة، ولاتعرف شيئاً عن الفرق بين النظام السابق والعهد الجديد، لكنها حتما عرفت ان في العراق نوعين من البشر، إرهابيون يريدون نشر الموت والرعب والدمار، ومواطنون يريدون الحياة.
أوغاد داهموا خيالها البريء الذي نما مع نمو وطن لم يزل يحاول النهوض منذ ثماني سنوات، وأصبح للوطن في عهده الجديد وتبارك عمر متقارب، وعدو مشترك، فاختزلت صرختها سفر محنة يمر بها العراق.
تحولت تبارك الى شاهد خالد يروي لاجيال جديدة حكاية الوطن الجريح الذي يحاول البعض ذبحه واستباحته بطريقة او بأخرى ويعمل البعض الآخر للتعتيم على هذه الجريمة.
والقصة حدثت في صحراء النخيب حيث قام إرهابيون يتنكرون بزي شرطة بإيقاف حافلة تحمل مسافرين عراقيين الى سوريا بينهم الطفلة تبارك وأسرتها، صعد 15 إرهابياً مدججون بالسلاح الى الحافلة ضربوا السائق وانزلوه، صادروا اجهزة الموبايل من جميع الركاب، وفي هذه اللحظات القاتلة من المألوف ان تتوقف الحواس ويستسلم المرء لقدر اسود، لكن عقل الطفلة لم يتوقف، وخطرت ببال تبارك فكرة ان تخفي جهازها المحمول في حذائها، قام الإرهابيون بإجبار الرجال على النزول ثم ساقوهم الى مكان بعيد عن الحافلة.
بقيت النسوة ومعهن تبارك ورجل مسن هو جدها، ولا رفيق الا عويل النساء وبعض الاطلاقات النارية الطائشة التي تصنع قلق دموي، الجميع يعيش هول الصدمة داخل صندوق جحيم هو الحافلة التي كانت قبل قليل جناح حمامة، والطفلة مازالت متماسكة، يمر وقت قليل ويشق صفاء السماء صوت اطلاقات نارية متتابعة أدركن النسوة ان هذه اصوات رصاصات تخترق اجساد أبنائهن وأزواجهن الذين كانوا قبل قليل يناقشوهن في برنامج الرحلة الى سوريا على متن الحافلة وليست اطلاقات في الهواء، اما تبارك فقد ظلت متماسكة حتى وان تحول حلم السفر الى كابوس لايمكن تصوره، وفي لحظة مناسبة اخرجت هاتفها المحمول ليصبح حبل النجاة لمن تبقى وتم من خلاله طلب النجدة من الجيش العراقي وانقاذ من تبقى من ركاب حافلة الموت في صحراء النخيب، وهنا تنتهي مجريات القصة وتبدأ تداعياتها التي لم تكن مسؤولة في غالبها.
ربما أساء البعض بعد الحادثة وربما أحسن البعض الآخر، وربما وقعت الجريمة في مكان وزمان غير مناسبين جدا، لكن تبارك قررت ان لا تناقش التفاصيل وأن لاتخوض تجربة السفر، وان لا تبرح منزلها مرة اخرى، فالإرهابيون بالانتظار، ربما يضعون اقنعة، ربما يلبسون زي الشرطة، ربما يتنكرون بهيئات مختلفة، ربما يكونوا بشكل مختلف، لكنها ستواجههم بالكلام فهي افضل من غطى الجريمة اعلاميا، وبذلك هزمت جيوش المراسلين والمحررين الذين ينساقون بوعي او بدونه الى ارتكاب عمل متشابه يتخلى عن الجوهر الانساني للأشياء، ويكتفي بانتاج قوالب نمطية لم يعد الناس بحاجة اليها.
ستصمت الفضائيات والصحف وتنسى الجريمة، وربما تنشغل بهجوم ودفاع عن شيء وشيء آخر، او ستهتم بديباجة نعي لواقعة اخرى اشد او اخف وطاة من جريمة النخيب، لكن تبارك لن تنسى الامر، سوف لم تتوقف عن الكلام، ستروي هذه القصة لاشقائها الصغار الذين سيكبرون يوما ما، وزملاء مدرستها رجال الغد، ستكبر وتكبر وسوف تتحدث بقصتها غدا وبعد غد الى جيل آخر ربما لم يرى الارهاب الذي عاشته تبارك بدمويته وقسوته واحتفظت بتماسكها ورباطة جأشها واستحقت ان يرشها بعض الزملاء لنيل لقب بطلة العراق، ففي العراق حتما ابطال ولدوا توا وابطال لم يولدوا بعض نام لان يكونوا افضل من يحافظ عليه. وأقول كلمات قالها الراحل الكبير عبد الوهاب البياتي، المجد للاطفال والزيتون، المجد للشهداء والأحياء من شعبي، المجد للأطفال في ليل العذاب وفي الخيام، المجد للزيتون في أرض السلام، وللعصافير الصغيرة وهي تبحث في تراب وطني الكبير

نهاية العالم

العدد ( 794) الاثنين 26 /9/2011


هذا اليوم الاثنين 26 ايلول سبتمبر هو موعد نهاية العالم ودمار الارض حسب كثير من الشائعات التي اخذت بالانتشار خلال الشهور الاخيرة، فقد انشغل الملايين من متصفحي الانترنت من مختلف البلدان بشائعات مرعبة عن احداث النهاية، وقد اظهر موقع يوتيوب مقطع فيديو لرجل يدعى البروفيسور الكسندر ريبروف يؤكد أن نهاية العالم ستكون يوم 26 ايلول سبتمبر 2011م.
ريبروف يعلل النهاية بسبب استقامة مذنب "ايلين" مع الأرض والشمس مما يؤدى إلى وقوع زلازل مدمرة اشد من اي زلازل وقعت سابقا، هذه الرواية تزامنت مع الأحداث الجارية لترقب سقوط القمر الصناعى "يوراس" التابع لوكالة "ناسا" الأمريكية (سقط في كندا صباح السبت 24 ايلول) الامر الذي اعطاها شيئا من التاثير.
وان شاء الله يمر الاثنين بسلام ولن ينتهي العالم، لكن الذي لاينتهي هو الحديث عن هذه التصورات اذ ان هناك آلاف المطبوعات والكتب والاطروحات تتحدث عن كوكب (نبيرو) الذي يقترب من الارض كل 4100 عام وسيكون موعد اقترابه المقبل في كانون الاول عام 2012م. وتقول بعض المصادر ان اقتراب (نبيرو) من الارض سيعكس قطبيتها اي ان القطب الشمالي سيصبح جنوبي والجنوبي يصبح شمالي، لما لهذا الكوكب من قوة مغناطيسية هائلة، وهذا ما يفسر لنا سبب انقراض الديناصورات والحيوانات العملاقة قبل 4100 سنة تقريبا اي عند آخر مرة مر بها (نبيرو) من الارض.
طبعا اصحاب هذه الرواية يدعموها ببعض الحقائق منها نبوءة عالم الفلك الفرنسي (نوستراداموس) التي تقول "ان الكواكب التابعة للمجموعة الشمسية سوف تضطرب بنهاية الالفية الثانية وستتسبب بدمار الحياة بعد 12 عاما فقط"، وكذلك بنتائج حسابية توصلت لها حضارة المايا قبل آلاف السنين.
وبالمقابل فان اكثر الفلكيين والمتخصصين في علوم الفضاء يسفهون هذه الاقاويل ويقللون من تاثير (نبيرو) ومذنب (ايلين) وغيرها ويؤكدون انه مازال من المبكر الحديث عن نهاية العالم بهذه الطريقة.
لا اريد التعمق الى درجة البحث في هذه المسالة الشائكة بقدر استعراض سريع لمفهوم نهاية العالم الذي يروق للكثير من رجال الدين من مختلف الاديان فهم طالما يذكرون الناس بقرب نهاية العالم ويحذرونهم من فوات الاوان، ويطلبون منهم الاستغفار وعدم الابتعاد عن القيم السماوية، وروح الشرائع الدينية، وقد راجت في الآونة الاخيرة مواقع، وكتب، ومطبوعات مختلفة تختص باحداث النهاية.
ولا تقتصر النهاية على الفلك، والدين، والغيبيات، بل تدخل في صميم الحياة السياسية، ففي كل تغيير..ستكون نهاية نظام، وبداية نظام جديد، والكل يدعي انه انهى الشر، واطلق يده للخير، وحتى في السياسة الدولية يكون الجميع مولعين بمفردة النهاية، فعند انهيار المعسكر الاشتراكي وسقوط الايديولوجية الشيوعية، خرج اهم صناع الليبرالية الجديدة المفكر الامريكي الياباني الاصل فرنسيسكو فوكوياما بكتاب مهم اطلق عليه اسم (نهاية التاريخ) وكان عنوانه جاذبا ومؤثرا، لكن التاريخ اكبر من ان ينتهي بكتاب فوكويا.
وهناك اشياء كثيرة في العالم نتمنى ان تكون لها نهاية، او نعمل فرادى او مجتمعين على انهائها، نحن جميعا نريد نهاية الارهاب، ونهاية هيمنة اغنياء العالم على فقرائه، ونهاية الطغاة في كل انحاء العالم.
ولكن يبدو من الغريب حقا ان نهايات كثيرة تحققت في عام 2011م ولم تعد امنيات مثل نهاية حكم زين العابدين بن علي في تونس، وحسني مبارك في مصر، ومعمر القذافي في ليبيا، وهؤلاء حكموا بلدانهم عقودا طويلة ولم يكن هناك مؤشر لنهاية قريبة لانظمتهم.
ونستطيع ان نقول ان النهاية فكرة تسيطر على الانسان وتثير مشاعره فرحا او حزنا فليس مع كل نهاية تتحقق السعادة وتنتهي التعاسة فربما يكون العكس، لكن من بين كل النهايات تبقى نهاية العالم الشيء الاكثر اثارة للناس لكن العالم لن ينتهي بفعل كوكب يمر من قرب الارض، او مذنب يقترب منها، لان النهاية الحقيقية للعالم تقررها القوى المالية، والعسكرية، والسياسية الكبرى والتي لاقيمة للانسان في مفاهيمها.
ان نهاية العالم يصنعها الظلم اينما وجد، ويصنعها النفاق اينما وجد، وتصنعها الرذيلة اينما وجدت، فالنفاق السياسي، والاجتماعي لايمكن ان يصنع حضارة، ولايمكن ان يبني مستقبلا ضامنا للكرامة الانسانية، التي هي الخير على الاطلاق، فهناك افعال بشرية تعجل من نهاية العالم وليس كوكب نبيرو وغيره، واختم كلامي بدعاء الامام الحجة(عج) الذي سيملأ الارض قسطا وعدلا بعد ان ملئت جورا وظلما "اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله و تذل بها النفاق وأهله وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك والقادة إلى سبيلك

 

رجال خلف رجال

العدد ( 789) الاثنين 19 /9/2011


في خضم احداث الثورة المصرية وبعد تنحي الرئيس حسني مبارك ظهرت فجاة قصة مثيرة بطرافتها وغرابتها عنوانها (الراجل اللي ورى عمر سليمان) وتتمحور حول شخص متجهم الوجه كان يقف خلف نائب الرئيس ورئيس مخابرات مصر السابق عمر سليمان اثناء تلاوته خطاب تنحي مبارك في شباط 2011م.
نال هذا الموضوع اهتمام الاعلام الالكتروني، والورقي في مصر، ثم انتقل الى الفضائيات، فسرعان ما ظهرت صفحات متعددة وباسماء مختلفة على الفيس بوك، وتويتر، كما انشأت مدونات باسماء مختلفة وكلها خاصة بشخصية من يقف خلف عمر سليمان، كما انتشرت بين الشعب المصري نكات، وطرائف، وحتى اغنيات تتعلق بهذا الرجل الذي لايعرفه احد، و لم يتم تحديد من هو لحد الان، لكن كل مايعرفه الجمهور انه يقف خلف سليمان تلك اللحظة.
الذي يهمني في الامر ان هذا الرجل ليس اختراعا مصريا، كونه موجود في كل وقت، وفي كل حين، لكن تسليط الضوء عليه هو الامر الجديد، فحقيقة رجال الخلفيات مضحكة مبكية، وقديمة لكن الجديد فيها ظهر مع ظهور التلفزيون الذي اسهم اختراعه ثم انتشاره في تقدم علوم الاتصال بشكل سريع، وفي نفس الوقت ظهور سلوكيات غريبة لها علاقة بالكاميرا والتلفزيون وما هو مرتبط به.
ففي الامر الطبيعي في التلفزيون ان تقف جيوش من الفنيين خلف الكاميرا، وامام المتحدث وليس العكس كون المتحدث هو من يراد اظهاره الى الناس، بشكل يتناسب وسياسة المحطة الاعلامية، اما ماهو خلف المتحدث ففي الحالات التقليدية تكون الستائر، او الزهور، او مظاهر جمالية اخرى هي المفضلة، او نقل الواقع كما هو، او ابتكار صور جمالية من خلال اللعب بمستوى وحجم الضوء والظل.
لكن ماهو سائد في عالمنا العربي هو غير الطبيعي، ففي اعلام السلطة يلعب رجال الخلفيات دور مثير، فمن المعروف ان صدام المخلوع كان حريصا على ان يظهر خلفه حراسه الشخصيين بمسدساتهم وبزاتهم العسكرية، ولم يتحدث احد او يسخر من (الرجل اللي ورى صدام)، اما مخلوع ليبيا فكان يتفنن في اظهار قماش الخيمة الصحراوية، او فريق حارساته الشخصيات من سمراوات ليبيا، اما زين العابدين بن علي فكانت زوجته ليلى الطرابلسي تقف خلفه، او هو يقف خلفها وحسب الحاجة، في حين حرص الرؤساء الاميركان على اظهار حديقة البيت الابيض خلفهم.
تنظيمات القاعدة واخواتها هي الاخرى مغرمة بوضع رجال خلف رجال، لاسيما عند تصوير المخطوفين، واظهار مجموعة ملثمين خلف الضحية قبل عملية الذبح، وعين المشاهد هنا تصاب بالارتباك، فهل يتم التركيز على الضحية، ام على الملثمين الخلفيين، ومن الاهم هنا رجل الامام ام رجال الخلف، الامر متروك للخبراء؟
في مجلس النواب لدينا وبرلمانات اخرى هناك تقليد ان يقف عدد من رجال الكتلة البرلمانية خلف قيادي في الكتلة اثناء المؤتمرات الصحفية لاسيما عند اعلان موقف ما، حينها يصرح القيادي بالكلام.. ويصرح الواقفون خلفه بتعابير الوجه.
وفي الشارع يتحمل المصورون والمراسلون التلفزيونيون معاناة كبيرة حينما يواجهون مئات المتطفلين الذي يحاولون دخول نقطة الضوء التي توفرها الكاميرا المحمولة، عساهم يحظون بظهور تلفزيوني عابر يشاركهم بنشوته المحبين من جيرانهم واصدقائهم وزملائهم.
كل تلك الحالات وحالات اخرى يكون فيها رجال الامام يحملون رجال الخلف، فرجل الامام هو الاساس، ورجل الخلف ديكور، او هامشي، او مكمل، او متطفل وحسب الحالة، لكن الاخطر ان يكون رجال الامام هم الدمية، ورجال الخلف هم من يمنحها زخم الحركة.
في هذه الحالات يكون رجال الخلف غير ظاهرين للعيان، فهم ليسوا بحاجة لكاميرات تكشف خططهم، وليسوا مكترثين باعلام يطبل لهم.. لسبب بسيط هو انهم قادرون على صناعة الاشياء واللعب بها.
ربما وصلتم معي الى المشهد العراقي الذي يكثر فيه رجال من هذا النوع، وعلى العاقل ان يفهم.. ويحصي كم رجل يصرح، ويتباكى، ويتعالى صوته.. ثم يصمت ويخرس، ثم تأتيه نوبة اخرى، ولو تتبعنا خط حياته السياسية نجد ان حبله السري مرتبط بدولة مجاورة، او بقوى خارجية، او بمجموعة مصالح عابرة للاخلاق والقيم.
بقي ان نعلم جيدا ان من يبقى بذاكرة الشعب، هم الرجال الذين تقف خلفهم شعوبهم، هم من يستندون في وقوهم، وقيامهم، وحديثهم الى ارادة الملايين الذين اوصلوهم الى ماهم عليه من نجومية وقوة وتأثير، هؤلاء فقط ليسوا بحاجة لأن يقف خلفهم احد، او يقفوا خلف احد، وهؤلاء هم من يستطيعون الدفع بنا الى امام، لانهم يستمتعون بالوقوف خلف الشعب الذي بدوره سيضعهم حتما في المقدمة

 

الخروج من باب الزنزانة

العدد ( 773) الاثنين 22 /8/2011


احد السجناء المحكومين بالاعدام في باريس ايام الملك لويس الرابع عشر فوجيء في ليلة اعدامه بالملك يفتح باب زنزانته الكبيرة ويدخل عليه مع حرسه وبعد ان وقف الملك وتامل سجينه المفتول العضلات، وفضاء زنزانته الواسعة قال له:
- أعطيك فرصة.. إن نجحت في استغلالها فبإمكانك إن تنجو ! انشرحت ملامح وجه السجين، وطار من الفرح، وبادر بالسؤال:
-كيف ياجلالة الملك؟ فقال لويس الرابع عشر:
-هناك مخرج موجود في زنزاتك، بدون حراسة.. إن تمكنت من العثور عليه يمكنك الخروج حرا طليقا!! وان لم تتمكن فالاعدام بانتظارك!!
غادر الملك وحراسه زنزانة السجين بعد إن فكوا قيوده، لتبدأ محاولاته للتفتيش في دهاليز، واركان، وزوايا الزنزانة بمشاعر سجين يهرع للهروب من زنزانته التهمت الجميل من عمره... لم يترك شيئا ..السقوف، الفتحات الصغيرة، الاحجار الكبيرة التي ازاحها من مكانها ليدخل بفتحات المجاري، الدهاليز التي تؤدي الى زنازن اخرى، او تعود به من حيث اتى، ولكن لاجدوى، مضت ساعات الليل مسرعة وكل محاولاته باءت بالفشل.
فسرعان ما احس بخيوط من ضياء الشمس تتسرب الى زنزانته، وايقن انها آخر خيوط نور يراها، اذ وجد الملك يطل عليه من باب الزنزانة ويقول له:
-أراك لازلت هنا...
قال السجين بنبرة يائسة وقد اعياه السهر وانهكه البحث:
-كنت أتوقع انك صادق معي جلالة الملك...
فأجابه لويس الرابع عشر بثقة:
-كنت صادقا معك..
وهنا تعجب السجين!! وصرخ قائلا:
-لم اترك حجرا، او فتحة، او حفرة، او ركنا في زنزانتي لم أحاول فيها، فأين المخرج؟ هنا ابتسم الملك قائلا:
- لقد تركت لك باب الزنزانة مفتوحا وتوقعتك تخرج منه لكنك لم تفعلها!!
وعلى وقع ضحكات لويس الرابع عشر انهار السجين.. قبل ان ينفذ فيه حكم الاعدام، فكان بينه وبين الحياة، والحرية، والسعادة(باب الزنزانة) سنتمترات محدودة، ولكن الاختيار الصحيح هو الشيء الوحيد الذي لم يخطر على باله؟ كان قاب قوسين او ادنى للنجاة من موت حتمي، لكنه ترك الحل واختار ان يدور في حلقة فارغة، او بالمفهوم العراقي (يخوط بصف الاستكان)، وبالتالي ضاعت منه فرصة الحياة واستسلم للموت الذي كان بانتظاره.
اعتقد ان هذه القصة تنطبق علينا جميعا، فكلنا يحاول الخروج من الزنزانة التي ربما لاتشبه زنزانة لويس الرابع عشر، فزنازيننا ربما تكون من صناعتنا، او صناعة آخرين، الزنزانة ربما قوانين جائرة تحد من ابداعنا، او حرية منفلتة تعطي الحق والحرية، والغلبة لاصحاب الاصوات العالية، والضمائر المتراجعة، او فاقة تكبلنا، او اعداء يخنقوننا، او اختلال في ميزان العدالة يحط من قدرنا، او تقاليد واوهام تحجر قدرتنا على التجدد، الزنزانة باختصار ازمتنا الراهنة بكل تفاصيلها الاجتماعية، والسياسة، والاقتصادية.
فالازمة موجودة، نعم هي موجودة كانها زنزانة مظلمة ربما يكون وقعها علينا اشد من زنزانة لويس الرابع عشر، ولكن ليس المهم ماهي الزنزانة؟ وكيف تكون؟ وماهو حجمها؟ المهم معرفة الطريق الصحيح للخروج منها، المهم الوصول الى الاختيار السليم لبوابة الحرية والرخاء؟
فكل منا يحاول ان يلعب ادوار البطولة عندما يتحول الى ظاهرة عضلية، او صوتية، او ضوئية، من خلال المبادرة بتحطيم الجدران، والبحث عن مطارق، ومعاول، وفؤوس، وربما متفجرات، مثلما يبحث او يصنع نوافذ، وجدران، ودهاليز لتكسيرها، اي مثل اهل الجاهلية عندما يصنعون آلهتهم من تمر ثم يأكلونها عند الجوع.
وقليل منا من يترك جاذبية الفؤوس، وينحاز لصمت الخرائط ، قليل منا من يفكر بحل اللغز قبل ان يباشر العمل، قليل منا من يترك الحب والكره ويفكر في النتائج قبل ان يتقدم خطوة للامام، قليل منا من يفكر بخارطة طريق منطقية تكون في متناول يد الجميع لتتكفل بفتح باب الزنزانة، واخراجنا من عنق الزجاجة باقل الخسائر، كثير منا من ينفعل ويتصنع الانفعال، وقليل منا من يكظم غيضه ويفكر ويتعمق في التفكير.
ففي الشأن العراقي كثيرون من اختاروا ان (يخوطوا بصف الاستكان) ففي الوقت الذي هم يمتلكون نظاما سياسيا عصريا وقابلا للحياة والتطور، يبادرون الى تقليد دول مجاورة مبتلية بنظم سياسية متاخرة، ولم يبادر احد بتوجيه طاقات المحتجين للدعوة الى تغيير نوعي في الحياة العراقية، وانا شخصيا ارى ان باب الزنزانة هو الدستور الذي يستوجب التغيير بشكل عاجل، حينها يمكن التخلي عن سطوة النظام البرلماني التوافقي، وارساء فصل حقيقي للسلطات، وجعل انتخاب رئيس الجمهورية بشكل مباشر من الشعب بالتوازي مع انتخاب برلمان يمثل الشعب، وانهاء مرحلة كبل فيها الدستور قدرة البلاد على النهوض، لسبب بسيط هو لان هذا الدستور كتبه الجميع وهم ينظرون الى الوراء، كتبوه وهم قلقون من عودة قسوة الاستبداد، والصدامية.
كتبوه دون النظر في الخط الفاصل بين القوة والقسوة، بين قوة الدولة واستبداد الحاكم، بين السلطة الشخصية والمشخصنة، فاختاروا دولة ضعيفة وسياسة قوية، وتسابقوا لوضع العقبات امام اي سلطة حقيقية قوية في البلاد، وبالتالي تكون القوى السياسية والشعبية اقوى من الدولة.
فجاءت النتائج ليست بمستوى دور وتاثير العراق، وهو الذي من المفترض ان يكون النموذج الاكثر ابهارا وتأثيرا في المنطقة ولم يتحقق ذلك تعرفون لماذا؟ لان الغالبية هم من (يخوط بصف الاستكان) مثلما (خاط) سجين لويس الرابع عشر الذي ضيع فرصة النجاة الى الابد!!! لكن الفرق في حالتنا ان فرصتنا مازالت قائمة فهل ننتهزها ام نصر على ان تضيع الى الابد فمازلنا نصر على اختيار الطريق الخاطيء

كلنا روبن هود

العدد ( 768) الاثنين 15 /8/2011


الاحداث التي شهدتها العاصمة البريطانية لندن عادت بي الى احداث مؤلمة حصلت في العراق عام 2003م ومايعرف لدينا بالفرهود، اما فرهود لندن فهو اعادة لصورة روبن هود (علي بابا الانكليز) الذي زخر به التراث الانكليزي، ومسرحيات شكسبير، وهو ليس الا نمط بدائي لتحقيق العدالة الاجتماعية في عصر الارستقراطيات، من خلال اعادة توزيع الثروات على الفقراء بعد سرقتها من الاثرياء.
ومن روبن هود الى احداث لندن الاخيرة مرت انجلترا بمراحل سياسية واقتصادية تحققت بها صورة بريطانيا المحافظة التي نعرفها اليوم، فقد سمحت البيئة البروتستانتية المدعومة بعوامل جغرافية متميزة بتنوع وتعدد المدارس الفكرية الاقتصادية التي كانت وليدة الصراع الطبقي، وتناقضات الراسمالية، والبرجوازية، ولكن ليس بطريقة روبن هود انما بطرق اخرى منحت بريطانيا امتياز قيادة النظام الراسمالي العالمي، واحتضان رواد الاشتراكية ايضا.
ففي منتصف القرن السابع عشر ظهرت شخصيتان لهما اعظم الاثر في الاقتصاد الراسمالي ومستقبل اوربا هما سان سايمون في فرنسا، وآدم سميث في بريطانيا، الاول دعا الى تدخل الدولة في الاقتصاد مع الاهتمام بالصناعة، وهو ما وجد صداه لدى الانكليز، والاخير دعا للمصلحة الذاتية كأساس للتبادل الاقتصادي من خلال كتابه الخالد ثروة الامم الذي يعد بذرة قيام الراسمالية
وفي منتصف القرن التاسع عشر تحول سان سايمون الفرنسي، مع هيجل، وفيورباخ الالمانيان الى رافد اساسي من روافد ايديولوجية اخرى وجدت طريقها للبزوغ من على الارض البريطانية، هي الفلسفة الماركسية.
فضباب لندن ودوران محركات مصانع النسيج في مانجستر لم يفلحا في التعتيم على البيان الشيوعي الذي غير تاريخ اوربا والعالم اثر صدوره في لندن بتوقيع كارل ماركس، مع رفيق عمره الثري الانكليزي فريدريك انجلز، بعد ان امضى الاول مايربو على عشر سنوات مختبأ بين دواليب مكتبة المتحف البريطاني يدرس تناقضات الاقتصاد الراسمالي، الذي فنده تماما بعد ان وضع يده على (فائض القيمة)، ودعا الى تحرير (قوى الانتاج) وتأميم (وسائل الانتاج) واجراءات وافكار ثورية بشان اعادة فهم (الاجور) و(الاسعار) و(الارباح) ليبشر بمذهب سياسي اقتصادي، اجتماعي، ثوري اسماه الاشتراكية العلمية، وليواجه كتاب آدم سميث بكتاب مضاد هو(راس المال).
ماركس المنحدر من اصل الماني توقع لشمس الاشتراكية العلمية ان تبزغ من على الجزر البريطانية لانها برأيه الاكثر تاهلا للتحول من اقصى الرأسمالية، الى الاشتراكية، لكن ذلك لم يتحقق، واتجهت الاشتراكية الماركسية شرقا لتبزغ من بين مجتمع ريفي لم يبلغ الراسمالية هو المجتمع الروسي، وتترك لبريطانيا تحقيق اشتراكية جديدة تتلائم والاسلوب الانكليزي المحافظ سميت بالاشتراكية الفابية وهي تقوم على التحول التدريجي، ومن رجالها جورج برنادشو، وسيدني ويب وكانت نواة حزب العمال البريطاني.
تأسس ونما حزب العمال البريطاني في ظل سنوات الكساد الاكبر خلال الثلث الاول من القرن العشرين، لكن الازمة المالية انتجت سياسة مالية واقتصادية جديدة سجلت باسم عالم الاقتصاد الشهير (ماينار كينز) الذي يرى "ان الدولة من خلال سياسة الضرائب تستطيع التحكم بالدورات الاقتصادية" وحقق مذهب كينز نجاحا وانتشارا عالميا كبيرا اذن بقيام فهم جديد للرأسمالية.
لكن تجديد الراسمالية لم يسعف المحافظين في البقاء، فقد تمكن حزب العمال من اسقاط ونستون تشرشل والفوز بالانتخابات وتشكيل الحكومة منصف القرن العشرين، وبعد ذلك اقدم حزب العمال على تاميم مصالح وقطاعات حيوية مهمة، ثم ترسخت تقاليد سياسية جديدة في بريطانيا قامت على نموذج الحزبين لحكم بريطانيا وفق دورات سياسية شبه منتظمة لحين مجيء مارغريت تاتشر زعيمة المحافظين التي امسكت صولجان الحكم بقوة عام 1979م.
تاتشر جاءت للحكم في ظروف صعبة كانت تعيشها بريطانيا، من تراجع، وتضخم، وبطالة، وكذلك وجدت (ان صلاحيات الحكومة اكبر من قدراتها) وانها كي تنقذ بريطانيا من الانهيار والضياع عليها ان تقزم من حجم الدولة، وتنهي دورها الاقتصادي لصالح مؤسسات المجتمع المدني، والمنظمات غير الحكومية، والشركات المتعددة الجنسية من اجل شيوع آليات السوق الحر، وهي ثورة على مفاهيم كنز في الاقتصاد وعلى مسلمات الاشتراكيين واليساريين. وعليه تمت خصخصة قطاع الاتصالات، والمصارف، وقطاعات حيوية كثيرة كانت تديرها الدولة، وبعد اقل من عقد من الزمن تحولت التاتشرية الى مذهب اقتصادي عالمي بعد ان عضدها الرئيس الامريكي الاسبق رولاند ريغان، واصحبت تعرف بالتاتشرية والريغانية وحكمت العالم بقوانين جديدة، تعززت بسطوة البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، لتمهد للعولمة الاقتصادية والسياسية.
بعد انهيار المعسكر الاشتراكي ازدادت الثقة بمفاهيم التاتشرية، وازداد عدد الدول التي تسابقت لولوج السوق الحرة وتحرير الاقتصاد، فتم نشر مفاهيم الخصخصة وفرض شروط على الدول المتحولة الى السوق الحر برفع الدعم الحكومي، وبعبارة اخرى تقزيم الدولة وتعظيم النشاط الخاص و الشركات المتعددة الجنسيات.
وكانت النتائج مخيبة للآمال في حين نجحت الصين في تحقيق مستويات عالية من النمو في وقت تمسكت فيه بالنموذج الاشتراكي فشلت دول اخرى مثل مصر، وروسيا، والهند، واجزاء من اوربا الشرقية في تحقيق تحول ناجح الى اقتصاد السوق.
وهو ماجعل دول مثل اليمن، وتونس، والعراق تتخبط في التعاطي مع القطاع العام في طريق سعيها للحاق بركب الاقتصاد الحر، الامر الذي زاد من نسبة الطبقات المسحوقة، وظهور فئات انتهازية حظيت بنقمة الشعب كونها وحدها المستفيد من هذا التحول الذي عاد بالصراع الطبقي الى الواجهة واعطى الدوافع للفئات المسحوقة بان تبحث عن مخرج، والنتيجة كانت هناك تحذيرات غربية من فشل التاتشرية وبضرورة اعادة الاعتبار لقوة الدولة لاسيما بعد الازمة المالية العالمية التي عاد بها اسم كنز وتدخل الدولة من جديد واصبح العالم امام مفترق طرق، الواضح فيها سقوط التاتشرية والريغانية، وغير الواضح هو كيفية البحث عن صورة جديدة لعالم جديد قبل ان يظهر روبن هود من جديد

الحسن والحسين ومعاوية

العدد ( 748) الاثنين 18/7/2011


ا
تذكر جيدا مدرس التاريخ في الصف الثاني المتوسط، مطلع ثمانيات القرن الماضي ، حين سألته لماذا ندرس العصر الراشدي، والاموي، والعباسي، ولاندرس ثورة الحسين عليه السلام؟ من حسن حظي انه لم يتهمني بالشعوبية او الزندقة كما كان سائدا يومها، وقال بعد ان زينت وجهه ابتسامة خجلة.. كانت تدرس في الستينات..ايام عبد الكريم قاسم.. بواقع فصل في كتاب التاريخ، وتجرأت اكثر وقلت له لماذا الغيت الآن؟ ضحك وقال اترك هذا السؤال يابني الامر يثير خلافات وفتنا، والعراق فيه طوائف كثيرة.
عجبت لمن يختلف على مقتل الحسين (ع)، لكنني عرفت الاجابة فيما بعد.. مثلما كان يعرفها غيري، فالتناقض في الروايات هو سمة تعاطينا مع التاريخ، وهو ما دعا المخرج العالمي الراحل مصطفى العقاد الى الاعتماد على نص وسطي جديد يتحدث عن قصة الاسلام.
في عقد التسعينات ومع انتشار الفضائيات والانترنت، وتكسر ادوات السلطة في حجب المعلومات، وصعود السمعي والمرئي، اي صعود الصورة وسقوط الكلمة كما يشاع، شجع ذلك على انتشار اقراص مدمجة، وافلام، واعمال درامية اكثر جرأة في التعاطي مع التاريخ نجح بعضها في سد شيء من ثغرات فهم التاريخ، واثار بعضها الاخر جدلا بين الناس.
اما اليوم فنحن امام محاولة من نوع جديد، نحن امام عمل يتجاوز الجرأة ليؤسس مرحلة جديدة من تزوير التاريخ واعادة صياغته وتوظيفه، العمل بعنوان (الحسن والحسين ومعاوية) بواقع ثلاثين ساعة تلفزيونية انتجتها شركة كويتية تدعى شركة المها لمخرج اردني هو عبد الباري ابو الخير، ونص لكاتبين سوريين، وبتكلفة 8 ملايين دولار توزعت بين مساهمات متعددة.
هذا العمل اثار ردود فعل وضجة كبيرة وانقسم علماء ومشايخ العالم الاسلامي الى رافضين، وموافقين، مؤيدو العمل يقف في في مقدمتهم الشيخ يوسف القرضاوي، والباحث السعودي الدكتور سلمان العودة، والداعية الكويتي الدكتور طارق السويدان.
اما رافضوا العمل فهم الاكثر يقف الازهر الشريف في مقدمتهم حيث اعلن موقفه منذ البداية، بالاستناد الى قرار مجمع البحوث الإسلامية بتحريم تصوير أو تجسيد (الأنبياء، واهل البيت، والعشرة المبشرين بالجنة) اما اشراف مصر، فقد كان لهم رأي واضح منذ البداية ووقفوا ضد المسلسل بقوة، وعلى اعتبار ان الفكرة انطلقت من الكويت، انطلق صوت حجة الاسلام السيد محمد باقر المهري للاحتجاج ضد هذا العمل، ووافقه على فتوى التحريم خمسة من كبار مراجع الدين في قم.
سبب الرفض من قبل مؤسسات دينية من وزن الازهر الشريف، ينصب على الناحية الشكلية لان تجسيد مثل هكذا ادوار سيعيش في بواطن الذاكرة، نستعيد صورته كلما ذكرنا هذه الشخصية، والغريب ان المخرج اسند دور الامامين المعصومين الى ممثلين اردنيين، انا شخصيا لا ارى انهما يمتلكان اقل قدر من التأهل من الناحية الفنية الشكلية، ويقال ان احدهما اشترك بتمثيل مسلسل عن الغجر في وقت سابق، فكيف يمكن ان يعيش هذا الشخص ليجسد شخصية بوزن الحسن او الحسين عليهما السلام، مثلما الفنان عبد الله غيث الذي جسد دور حمزة بن عبد المطلب(ع) في فيلم الرسالة.
هذا من ناحية الشكل اما المضمون للاسف اصوات قليلة هي من اعترض على ذلك باعتباره محاولة سيئة لاعادة انتاج التاريخ، والعودة الى الديماغوجية السياسية والفكرية، وانكار وجود احداث جسيمة يحملها التاريخ، والجديد اليوم الاعتراف بهذه الاحداث لكن اعلان براءة الجناة وتسجيل الكارثة ضد مجهول، وهو ما عمد اليه صانعو العمل، حيث القوا كل اللوم على (عبد الله بن سبأ) على انه من اثار الفتنة الكبرى، متناسين ان السواد الاعظم من العلماء والمؤرخين لاسيما الشيعة منهم يرون ان (بن سبأ) شخصية وهمية لاوجود لها.
والاغرب والاخطر من وجهة نظري هو اعتبار، او الايهام بأن معاوية بن ابي سفيان، وابنه يزيد ممثلين لطائفة، والحسن والحسين لطائفة اخرى، وسبب خلافهما ادى الى انشقاق المسلمين الى سنة وشيعة، ويحاول صناع المسلسل الوقوف على الحياد بين الطائفتين، وعقد مصالحة بين الفريقين!!! يالها من سذاجة.. ويالها من سقطة.. ومن مقارنة خاطئة من اساسها...
فالحسن والحسين ريحانتي رسول الله، وسيدا شباب اهل الجنة هما الاسلام، ومعاوية خرج عن ولي الامر، اغتصب الاسلام لصالح اغراض شخصية، وحارب وابنه يزيد اهل بيت الرسول كما حارب رجال وعلماء وفقهاء السنة والشيعة على السواء، فمن الذي تنكر للشورى واسس دولة ازالت اسم الاسلام ورفعت اسم امية، وكانت بحق اعادة انتاج دولة المشركين، ومن الذي حرق الكعبة وقذفها بالمنجنيق واستباح اهلها ثلاثة ايام، ومن فتك باهل بيت الرسول بواقعة الطف.
ان تحميل عبد الله بن سبأ خطايا ماحصل، امر مضحك للغاية ويذكرنا بخطاب البعث والزعامات العربية التي ما انفكت تحمل الاستعمار والصهيونية والامبريالية اسباب التخلف والجوع والاستبداد وتبين فيما بعد انها مارست ابشع اكذوبة في التاريخ.
واقول وانا على يقين ان السكوت عن مثل هكذا تجاوزات سيمهد الطريق لانتاج اعمال تاريخية تبرئ ابا سفيان وابا جهل من محاربة الرسول(ص)، وسيلقى اللوم على شخصية جديدة ربما فارسية، او تركية، او هندية، او من المحافظين الجدد، سيقال حينها انها حرضت على اقتتال ابناء العم اي بني هاشم، وبني عبد شمس، وليذهب المدون من التاريخ الى رفوف المكتبات حيث يغطيه الغبار، لان الذي يفهم منه(بضم الياء) هو الذي تحول الى مادة سمعية بصرية، كونها الاقدر على اختراق الحواجز والتاثير على الناس والمكوث في ذاكرتهم وعقلهم الباطن

 

عباس عبود سالم

حمورابي الشيعي.. وسنحاريب السني.. والبقية تأتي

العدد ( 745) الاثنين 11/7/2011


لم اكن ارغب في الخوض بتفاصيل القضية الطائفية في العراق لإيماني ان دولة الموطنة فيه افضل بكثير من دولة الطوائف، ودولة العراق القوية هي افضل من دويلات يمسح فيها اسم العراق لتكتب محله اسماء لاقاليم تصنعها ظروف طارئة، وضغوط خارجية، وانفعالات قادة حديثي عهد بالقيادة، تغريهم هيئتهم الجديدة أمام المرآة، وجيش المتملقين والاتباع، وطقوس شعائرهم الجديدة المصحوبة بتصفيق طائش ورياء واضح، وحماس اخرق، قادة يرغبون في صناعة دويلات تضمن لهم عروش خادعة، وبطولات وهمية، لكن سرعان مايتضح انهم ناقصو وطنية وحكمة، وفاقدوا سعة صدر الساسة المحنكين.
ومنذ ان اعلن (بريمر) تمذهب السلطة، واعلن (بايدن) مشروعه لتقسيم العراق وقف الشعب العراقي رافضا ومعارضا ومحتجا على ذلك، فمن بستطيع المجازفة بترك شرائع حمورابي وتنفيذ وصايا مستر بايدن او سواه، ومن يجرؤ على تقطيع اوصال العراق الذي اتقدت من على ارضه شعلة الحضارة والمدنية، منذ الالف الثالث قبل الميلاد، ومن يتحمل خطيئة حرمان الهضبة الغربية من سهلها الرسوبي، وفصل الحضر، ونمرود، والصحراء الغربية وحقول الجزيرة، عن مسطحات مياه سومر، وزقورات اور، فكيف للانبار ان تستيقظ دون ان يمر بها نسيم عطرته منائر اضرحة الحسين، والعباس(ع) في كربلاء، وكيف لموصلي ان يتنازل عن تراث الجواهري، والسياب، وجواد سليم، ليستعير اسماء جديدة لثقافة تبحث عن وجودها في لاعراقيتها. هل سال احدهم نفسه؟ لماذا نعيد حرق بغداد، وتهديم اسوار بابل، ونبني اسوار من كراهية ووهم؟ ولاجل من نقطع الشعب الى شعبين او اكثر، هل لنجرب نموذج مشوه للفيدرالية، ولكن علينا ان نتذكر ان الفيدرالية شيء مختلف، علينا ان لاننسى ماحل بالبوسنة، وكوسوفو وغيرها يوم انتهت يوغسلافيا الى الابد، وعلينا ان نفهم لماذا لاينفصل اقليم كويبك الفرنسي عن كندا؟ ولماذا عادت دولة هونك كونك الى الصين؟ ولماذا لايسعى زنوج ميتشيجان ولويزيانا لولاية سوداء ضمن النظام الفيدرالي الامريكي؟ وان قاموا بذلك كيف سيكون رد الفعل حينها؟ هل يقولون من حقهم ان يفعلوا ذلك؟ بالتاكيد سيكون الامر مختلف جدا..
اذن كيف نسعى الى تصنيع دويلات تقوم على اساس المشترك المذهبي، وتترك المشتركات الاخرى، ومن قال ان هذا هو الخلاص او الحل، فلم يكن في ادبيات المعارضة العراقية من سعى الى هذه المجازفة الانانية، على حد علمي.
فهذا الامام الشهيد محمد باقر الصدر(قدس) في ايام المحنة فضل مواجهة الموت في العراق على مغادرته، وصدح صوته هادرا في احد نداءاته الثلاثة ليقول "واني منذ عرفت وجودي ومسؤوليتي في هذه الأمة بذلت هذا الوجود من أجل المسلم الشيعي والمسلم السني على السواء" وهو يعني مايقول. ورغم ان المعارضة العراقية شيعية في غالبيتها الا ان خطابها لم يكن شيعيا ابدا لم يظهر بين المعارضة او الشعب من دعا الى انفصال جنوبي، او تمذهب لباطن ارضه المليئة بالبترول، وخامات الحديد، والمعادن النفيسة، ولم يفكر احد باحتكار السواحل البحرية اليتيمة التي تنعم بها ارض الجنوب، دون ينعم بها سكانها الذين توارثوا الاضطهاد، والتهميش منذ ان قامت الدولة العراقية.
هذه الدولة قامت على اختلال التوازن وتوارثته من جيل الى جيل في اعقاب خمسة قرون من حكم الامبراطورية العثمانية، وبدات القصة الجديدة في 27 تشرين الأول 1920م يوم اعلنت اول وزارة عراقية برئاسة الشيخ عبد الرحمن الكيلاني النقيب وتم الامر برعاية المندوب السامي البريطاني على اثر ثورة العشرين التي اندلعت في الجنوب.
وهنا تتعدد النظريات في تفسير سبب الهوية العرجاء التي صممها الانكليز للدولة العراقية ففي بداية العام الذي تلى تشكيل وزارة النقيب، اي في 6 كانون الثاني 1921م اعلن عن تاسيس نواة الجيش العراقي اول فوج عسكري يحمل اسم الامام الكاظم، لكن تركيبته لم تكن تمثل الاسم الذي حمله.
وفي 23آب 1921م الذي يصادف يوم عيد الغدير اعلن عن تتويج الامير فيصل بن الحسين المولود في الطائف بارض الحجاز ملكا على العراق، لعدم الاتفاق على اي من ابناء الرافدين الذين طرحوا كمرشحين لعرش بلاد مابين النهرين التي سميت بالمملكة العراقية، لكن المناسبة التي تزامنت مع التتويج لم تكن تعني شيئا للدولة الوليدة.
لكن بعد عقد من الزمن اكتشف الملك القادم من الحجاز ان هناك اختلالا طائفيا في التوازن وهو ما كتبه في مذكرته الشهيرة التي وضعها عام 1932م داعيا فيها ارساء مشروع وطني في العراق، لكن الموت الغامض لم يمهله الا عام واحد بعد اعلان مشروعه الوطني، الذي كاد ينقذ العراق من ورطة تمذهب السياسة، ولكن مات فيصل وسقطت سدارته السوداء التي شاعت بين العراقيين لتغطي رؤوس جيل وطني مثقف جديد، وحملت اسمه (الفيصلية) وكان قد ارادها رمزا عراقيا تمتزج فيه الوان بلاد يراد لها الضعف وهي التي تحتكم على كل عوامل القوة.
ولم تكن الفيصلية هي السدارة الوحيدة التي سقطت فقد اعقبتها (سدارة كاكية اللون)، للفريق الركن عبد الكريم قاسم، الذي جاء بمفهوم جديد للدولة يقوم على المواطنة العراقية مع احترام تعدد الثقافات، اتهموه بالشعوبية، والديكتاتورية، ولم يمهلوه طويلا، حاولوا اسقاطه سياسيا باعلامهم الباطل، قبل ان تتوجه بوصله بنادقهم برصاصها الغادر لتمزق جسده في يوم اتفق فيه القوميون والبعثيون على فعل واحد وهذا من نوادر الامور.
وعندما حل البعث بمؤسسيه وقادته الشاميين، اراد ان يعيد تجربة الدولة الاموية التي كانت السباقة والمبادرة الاولى الى سياسة النقاء العرقي، والعنصرية القومية، والقبلية، وبذلك فهموا للقومية معنى مذهبيا وان استتر خلف شعارات اخرى، فقد اصبحت الامور تدار وفق مبدأ (مارس الطائفية ولاتتحدث بها).
واما اليوم وقد انكشفت اللعبة واتضحت الامور، فهناك تياران عراقيان واضحان الاول يريد التقسيم ويؤمن به، والثاني يريد العراق واحدا موحدا، ولكن هناك تيار ثالث يصدح بشعارات الوطنية نهارا ويمارس نقيضها ليلا وهو الاخطر على الاطلاق

قمة بغداد.. وميزان القوى الجديد

العدد ( 689) الاثنين 18/4/2011


تعيش الجامعة العربية هذه الايام اجواء لم تشهدها من قبل، ربما يكون الجزء المخفي اكثر من المعلن فيها، فبيت العرب الذي يعده البعض معمورا، ويعتبره البعض الآخر مهجورا، يواجهه حدثان هامان، اولهما خلافة الامين العام الحالي عمرو موسى، والثاني انعقاد قمة بغداد.
فبعد انتظار طويل اعلنت مصر وكما هو متوقع، عن مرشحها لخلافة موسى، لكن سرعان ما اعلنت قطر عن نيتها بترشيح الدكتور عبد الرحمن العطية الامين العام السابق لمجلس التعاون الخليجي، والذي حظي بدعم دول المجلس عدا السعودية التي انقلبت في تطور مفاجيء، واعلنت عن دعمها لمرشح مصر، ربما لانها لاتريد لجارتها الصغيرة الانفراد في جني المكاسب، والنفوذ، اكبر مما حصلت عليه، والا ستكون السعودية اكثر تضررا من سقوط مبارك، وتكون قطر اكثر استفادة، اذن مازال هناك تنافس سعودي، قطري رغم اجواء الوئام والتوافق البراغماتي التي حلت عليهما.
وفي قراءة للمواقف نجد ان دول مجلس التعاون مجتمعة ستوظف نفوذها لصالح المرشح القطري، هذا النفوذ واضح في اليمن، وجيبوتي، وموريتانيا، واريتيريا، الامر الذي يجعل تلك الدول الصغيرة في خانة مجلس التعاون، بغياب ليبيا التي ماتزال معلقة، اما العراق، وفلسطين، ولبنان، وتونس، وربما السودان ودول اخرى فان موقفها سيكون مع مرشح مصر.
اما في مايتعلق بقمة بغداد فيبدو ان هناك توافقا سعوديا قطريا في هذا الخصوص، والمفاجأة كانت اعلان دول مجلس التعاون الخليجي عن طلبها الغاء قمة اجمع على عقدها ملوك ورؤساء العرب، فهل يمتلك مجلس التعاون الخليجي سلطة اعلى من سلطة اجماع قادة العرب؟ وهل مجلس التعاون الخليجي اليوم اقوى من جامعة الدول العربية؟
وبعد تطورات، ومشاورات، وتصريحات تبين ان الموقف المعلن لدول مجلس التعاون الخليجي هو معاقبة قادة العراق بسبب تصريحاتهم بخصوص الوضع في البحرين! وهو عذر اقبح من ذنب، وسابقة يضعها المجلس الصاعد لجني مكاسب المرحلة منفردا دون ان يترك لجاره الكبير العراق اي مكاسب ذات قيمة، بل الاولى بنظرهم الضغط على العراق، وتحجيم قوته الصاعدة وهذا هو الجزء المخفي من المعادلة.
لكن من هو مجلس التعاون؟ ومن هم محركيه اليوم؟ وما هو السر في القوة المفاجئة لهذا المجلس الذي نشطت لديه سياسة الهجوم، والدفاع، والمناورة، والتدخل ايضا، وهو الذي الى وقت قريب كان عاجزا حتى عن حل مشكلات الحدود بين اعضائه، وعلى مدى سنوات طويلة حالت المظلة الامريكية، الاطلسية دون تناثر جزيئاته نتيجة صراع الاقوياء بين ضفتي الخليج.
الجواب ان قطر، والسعودية، تريدان اليوم توظيف قوتهما المالية، والاعلامية، لتصدر ميزان القوة العربية، بعد تراجع القوى العربية التقليدية، باستثناء العراق، الذي ربما يرى فيه المجلس قوة صاعدة اكثر عنادا ومراسا، وكلاهما يستخدم مجلس التعاون كاداة لسياسته الخارجية، والسعي الى استخدام جامعة الدول العربية للهدف نفسه، فقد فشلت المبادرة السعودية منفردة في العراق، وثم في لبنان، لكن نجح المجلس في اليمن الذي رفض مبادرة قطرية منفردة، ورحب بمبادرة جماعية لجيرانه الاثرياء كونها سجلت باسم مجلس التعاون.
وتعمل قطر، والسعودية على تطويع جامعة الدول العربية، واختراقها، قطر تحاول فرض مرشحها فأن تمكن من النجاح تكون قد تحولت الى قوة عربية، واقليمية مؤثرة، وان لم ينجح تمكنت من فرض ارادتها من خلال مساومات مع مرشح دولة المقر، وتكون قد سجلت باسمها انها من يمتلك مفاتيح مبادرة تدوير منصب الامين العام للجامعة، اما السعودية فتحاول اختراق الجامعة من بوابة اخرى، وهي البوابة المصرية التي ظلت طيلة حكم مبارك الالة المطيعة التي تستعين بها السياسة الخارجية السعودية داخل الفضاء العربي.
قطر والسعودية ومعهما سائر دول المجلس على يقين بأن التاثير الاقليمي للعراق سيزداد بعد انعقاد قمة بغداد، لان بغداد ستترأس لسنة كاملة، كل نشاطات الجامعة، ولجان العمل العربي المشترك، واللجان العربية الاوربية، واللاتينية، والصينية، والافريقية، وسيمتلك زعماء العراق خبرة مضافة في ادارة الملفات الخارجية لاول مرة منذ بناء الدولة الجديدة، وسينجح ذلك في ترميم وحدة الصف الداخلي في العراق، الذي ربما سينجح في ان يشكل مع تركيا وايران وسوريا المربع الضارب في المنطقة.
اذن هي محاولة لعزل العراق عربيا، واستخدام رجالهم داخل العراق للضغط على الحكومة العراقية والدعوة الى الغاء القمة من داخل البرلمان العراقي، والتمهيد لضغط دولي اكبر على ايران، والعمل على اضعاف او اسقاط نظام الحكم في سوريا، واستخدام اكبر قدر من التدخل في لبنان، واستخدام ورقة الاستثمارات والعمالة مع مصر، وكذلك ستكون مشاكل اليمن الداخلية سبب لاعتمادها على دور دول المجلس في رعاية وضعها الداخلي المتأزم.
من كل ذلك نستنتج ان التحولات التي تشهدها الدول العربية هي بمثابة الفرصة التي حصل عليها العراق ليرتقي عدة درجات في ميزان القوى في المنطقة، ويكون مؤهل للزعامة العربية بشرط استكماله لما ينقصه من مقومات القوة في وجهها الاقتصادي والاعلامي والمجتمعي.
لكن قطر والسعودية تصران على انهما وحدهما الجزيرة الناجية من زلزال الثورات في الوقت الحاضر ولاتريد للعراق ان يشاركها المغانم، لانها تدرك مدى ضعف وهشاشة بنيتها السياسية على العكس من تطور وقوة نظامها الاقتصادي والاعلامي، بخلاف العراق الذي يمتلك نظاما سياسيا متطورا، لكنه يحتاج الى عوامل مضافة.
لذلك اختارت هذه الدول ان توظف قوتها الاعلامية والاقتصادية ودبلوماسية مجلس التعاون واختراق منظومة العربي المشترك، من اجل الضغط على العراق، لا بل على سوريا وايران ايضا بهدف الحيلولة دون ظهور توازن جديد للقوى، او ظهور حلف بغداد جديد تكون دول المجلس هي الطرف الاضعف في معادلته

 

أضرحة تمنح الحياة وقصور تنتج الموت

العدد ( 684) الاثنين 11/4/2011


اكن احتراما للزميل الاعلامي ماجد عبد الهادي مراسل الجزيرة لمهنيته العالية ولكونه من اوائل الذين حاولوا تغطية المشهد العراقي من العمق لا من السطح، عبد الهادي انجز برنامجا عن الحوزة العلمية في النجف الاشرف خلال حكم صدام ، وكان ذلك شيئا مهما في وقته، وعرضته الجزيرة في آذار 2003م اي قبل ان يتعرف العالم على ثقل الحوزة ودورها الكبير، وقبل ان تفقد الجزيرة الكثير من مهنيتها واحترام المشاهد لها.
ولازالت ذاكرتي تحتفظ بما قاله عبد الهادي في استهلاله وهو يصف النجف الاشرف قائلا "مدينة تستمد حياتها من قبر، وأحياء لا يرون معنى لوجودهم إلا في جوار رجل مات منذ 14 قرناً، تلك هي النجف الأشرف، وذلك هو ضريح الإمام علي بن أبي طالب ، وهؤلاء هم من اختاروا العيش والموت قرب مرقده".
وهو يعني مايقول فلولا قبر علي بن ابي طالب (ع) لاندثرت النجف واصبح حالها حال اي مدينة تخضع لدورات الزمن الذي عادة مايضعها في خانة الاهمال والنسيان، فهي مدينة امير المؤمنين ولولاه لن يكون لها الشان الذي هي عليه الان، وهذا ينطبق على مدن كبيرة اخرى مثل الكاظمية، وكربلاء، وسامراء، في العراق، المدينة المنورة في السعودية، فاس، ومكناس في المغرب، مشهد في ايران، حي السيدة زينب في سوريا، احياء القاهرة الاسلامية في مصر.
وهذه المعطيات تاخذني الى قصيدة خالدة كتبها شاعر سوريا الكبير الدكتور محمد مجذوب الذي خاطب اول النواصب معاوية بن ابي سفيان، وهو يتطلع الى قبره، في قصيدته الشهيرة التي يقول مطلعها "اين القصور أبا يزيد ولهوها......والصافنات وزهوها والسؤدد" وبعد استعراض رائع للمعاني يتوجه الشاعر بالسؤال الى معاوية لو انه يتخيل النظر الى قبره ويقول له "هذا ضريحك لو بصرت ببؤسه......لاسال مدمعك المصير الاسود" ثم في ختام القصيدة يدعوه للنظر الى ضريح من اختار ان يناصبه العداء، الى ضريح علي بن ابي طالب (ع) قائلا "قم وارمق النجف الشريف بنظرة.....يرتد طرفك وهو باك ارمد/ تلك العظام اعز ربك قدرها... فتكاد لولا خوف ربك تعبد.
اذن القبور او الاضرحة تحكي قصة الصراع السياسي وحكم التاريخ هو من يمنحها تلك العظمة وذلك الخلود، فعلاقة القابض على السلطة مع القابض على قلوب الجماهير لم تبدا من علاقة يزيد بالحسين عليه السلام، ولم تنته بعلاقة صدام مع محمد باقر الصدر، لكن علاقة الصدر بصدام حاضرة كوننا عشناها، وشهدنا ان صدام احتل مكامن القوة، وهيمن على موارد المال، ووسائل الاعلام، ومقدرات الشعب والامة، والصدر احتل قلوب الناس، كونه انحاز الى الفقراء والمستضعفين، و لم يسع الى امتلاك حتى دار سكن او وسيلة نقل لاسرته، بل اختار ان يعيش حياة متواضعة، رفض فيها كل ملذات الدنيا، رفض حتى نصب جهاز تكييف نصح به الطبيب كي يعين والدته المريضة على تحمل حرارة طابوق مسكنه في مقبرة آل ياسين، وفي مماته تعمدت السلطة ان يظل مجهول القبر لسنوات طويلة، لكن محبته توسعت، وتوارثها الموالون كما يتوارثون الممتلكات النفيسة ابا عن جد.
ورغم كل محاولات السلطة بان تطمر تاريخه، وتمحو آثاره، الا ان الصدر تحول الى ظاهرة الهبت مشاعر الناس، فكلما ازداد الظلم والبطش والانحراف، ازاد الشرفاء تمسكا بالصدر الذي لم يكن مرجعا دينا تقليديا، بقدر ماكان معلما ثوريا وقائدا سياسيا شعبيا، لايضاهيه احد في عصره.
حاول النظام ازالة اي اثر للصدر مثلما تقوم بعض الدول بازالة معالم التاريخ الاسلامي ومشاهد واضرحة عظماء الامة، بهدف مصادرة حكم التاريخ ومحو شواهد الحق والعظمة، ولتحقيق غايات سياسية لعل العلاقة بين القابض على السلطة والقابض على القلوب تذهب لصالح الاول.
وفي قضية الصدر حصلت معجزة تذهل من يجهل المعادلة الصحيحة، فقد تفجر من قبره بركان هائل قلب الطاولة على صانعيها، وجعل المشانق التي اعدت لاحرار الامة تدير وجهتها، وتلف حبالها على واضعيها.
وليس من الغرابة ان ماحصل يوم 9 نيسان 2003 هو تحقيق لنبوءة الصدر الشهيرة، حين خاطب قاتليه قائلا "والله لن تلبثوا بعد قتلي إلا أذلة خائفين، تهول أهوالكم وتتقلب أحوالكم"، ثم يقول "يسلط الله عليكم من يجرعكم مرارة الذل والهوان، ويسقيكم صاب الهزيمة والخسران"، الى ان يكمل نبوءته التي وصفت بالضبط ماحدث بعد سقوط نظام صدام والذي صادف يوم قيام صدام باعدام السيد محمد باقر الصدر.
فاي عبقرية لدوران الزمن تلك التي تجعل الجلاد والضحية وجها لوجه امام التاريخ، وتترك للاجيال القادمة سلطة الحكم، فقد تحول الصدر الى دولة، وعنوان حرية، وفكر يكبر كل يوم، وينمو مع نمو الامة، وانطوى صدام الى الابد، في حال ليس افضل ممن سبقه، او ممن لحق به، من الذين اختاروا القبض على السلطة حسب.
اذن فمدننا مازالت محروسة بخالديها، تصنعها وتوجدها ارواح عظمائنا، وتقوم سلوكنا مآثرهم التي تتوهج في قلوبنا نورا ازليا، ومدننا ايضا هي التي يخربها الطغاة ويهدمون آثارها ومعالمها، منذ ان قام ابو سفيان بن حرب بركل قبر حمزة بن عبد المطلب(ع) بقدمه فرحا بانتصار غلمان بني امية، مرورا بكل الافعال المشابهة التي حصلت في البقيع، وفي كربلاء، وسامراء، وربما في بعض مساجد مصر، من قبل من اختاروا الخط السفياني منهج لاغبار عليه، لكن الواضح من المعادلة هو انتصار الحق المحمدي العلوي الحسيني على الباطل السفياني حتى لو بعد حين

 

الكوميديا الثورية

العدد ( 679) الاثنين 4/4/2011


رافقت القفزات التكنولوجية في البلاد العربية، قفزات سلوكية كبيرة، فعلى سبيل المثال لا الحصر استطاع سائقو التاكسي من كسر الرقم القياسي في الكلام، بعد ان كان منذ زمن طويل قد سجل بأسم الحلاقين الذين آثروا قلة الكلام تاركين للتكنولوجيا ان تتكلم، ولم يتوصل علماء الاجتماع لحد الان عن اسباب هذه الظاهرة لان هؤلاء العلماء تركوا تحليل سلوك الجماهير واتجهوا لتحليل سلوك النخب، لانها تقلب سلوكها ومتبنياتها بسرعة كبيرة.
وعلى ذكر سائقي التاكسي، لا بد لنا ان ندرك انهم ثروة معلوماتية عربية هائلة، ففي القاهرة مثلا يمكنك ان تكتشف باطن المدينة من خلال سواقيها، بشكل يجعل منهم وكالة انباء غير معترف بها، رغم كفائتها وقدرتها على نقل الاشاعات، وردود الافعال، ومشاعر الجماهير، والتي تعجز احيانا عن رصدها وسائل الاعلام بكل عنفوانها وجبروتها؟
وقبل ايام ركبت مع سائق تاكسي في طريق طويل ومزدحم، ويبدو من كلام السائق انه من المناصرين لثورة الشباب ومن المتباهين والمشاركين فيها، وكان انيقا، ومهذبا، ويجيد اختيار الالفاظ، ويحسن الحديث ايضا، يعني بتعبير اخواننا المصريين (كلمنجي).
لذلك تسلم ناصية الحديث، وبدء خطبته بتمجيد الثورة العظيمة، وانتقاد الفساد الاداري والسياسي الهائل قي عصر مبارك، وحجم المرتبات الكبيرة التي كان يتقاضاها المسؤولين، بالمقارنة مع الملاليم التي يتقاضاها صغار الموظفين، (حسبت انه متابع لمعضلة اصرار البعض على عدم تخفيض رواتب اصحاب الدرجات الخاصة من الموظفين والرئاسات لدينا رغم اننا ننعم بعصر ديموقراطي لاغبار عليه).
لم يقف السائق عند هذا الحد بل شدد على اهمية العدالة الاجتماعية التي كانت هي المطلب الاساس للثورة، والتي سوف تتحقق مع الديموقراطية (وايضا توقعت انه يشير الى ديموقراطيتنا التي تفتقد في كثير من وجوهها للعدالة)، ولم يقاطع محاضرته القيمة عن فلسفة التحول الديموقراطي عاصفة من التصفيق كما هو معتاد، بل كلماتي حينما قلت له (هنا من فضلك) فقد وصلت المكان الذي اطلبه.
وجاءت لحظة الحساب.. فقد كان عداد السيارة يقرا عشرين جنيها ونصف، ولما اخرجت عشرين جنيها من جيبي، وفي اثناء بحثي عن جنيه آخر لاكمل النصاب القانوني للاجرة، بادر بالمطالبة بما تبقى؟ ولما كانت اقل فئة احملها هي خمسة جنيهات لم اجد مفر من ان اعطيها له.. على امل ان يرد لي 4 جنيهات كونه اشد المؤمنين بالعدالة الاجتماعية التي جاءت بها الديموقراطية! لكنه أدخلها في جيبه!! وقال (خلاص ياباشا) وهذا يعني (انزل وخلصني) بدون ان يرد الباقي.
ولم اكتشف امرا جديدا فالكثير لدينا يتمتعون بهذه المواصفات القائمة على فجوة واختلاف بين الافعال والاقوال، بين ما نؤمن به وبين ما نريد للناس ان يؤمنوا به، فالثورة التي غيرت طريقته في الكلام لم تغير انماط سلوكه التي تطبع عليها، واصبح الامر مجرد سقوط رمز فاسد قفز الجميع من سفينته بعد ان كانوا ادواته في الفساد، وتسابقوا للبحث عن رمز جديد.. وربما تجود الانتخابات المقبلة برمز تدفع به قاعدة انتخابية جلها من صنف هذا السائق الذي لاتحاسبه هيئة رقابية، ولا هيئة نزاهة، ويبقى امام حساب الضمير لاغير.
وهذا السلوك من المؤكد انه يواجهك عشرات المرات من عشرات الاشخاص، ليس في القاهرة حسب بل في كل عواصم امتنا العربية المجيدة!! ويتجاوز سائقي التاكسي، الى بعض الكتاب، والاعلاميين، واغلب كبار رجال السياسة، وجميع القادة ممن كانوا ثوارا في الامس، واصبحوا لصوص اليوم.. وكل يوم.
وهؤلاء سيكونوا السبب الحتمي في فساد شعوبهم، لان اخطاء القادة تجسدها الشعوب، لا سيما ان اغلبهم يعتنقون دين ملوكهم، اذن فأزدواجية المعايير لدى سائق التاكسي في التعامل مع الاخر هي نتاج عن ادارة سيئة لمنظومة القيم والمبادئ، مقابل شراهة المصالح والمكاسب، والاستخدام البشع لمنظومة القيم في تضليل الناس وخداعهم، وربما قتلهم وابادتهم (دفاعا عن الثورة).
فقادة العرب وعلية قومهم طالما حققوا (فتوحات عظيمة) في معارك لا تستوجب سوى الكلام وحشد الجماهير، وشحنها عاطفيا، بكراهية مفتعلة، لامريكا.. والاستعمار.. والامبريالية.. واسرائيل, مستخدمين ذخيرة لاتنفد من الكلام الذي لايحتاج الى ضريبة، والهدف هو كسب المزيد من التعاطف، والجاذبية لشعوب ادمنت الفياجرا، والمخدرات واخبار هيفا وهبي في وقت واحد، فياجرا لاشعال الغريزة بقوة وهمية، ومخدر يأخذ صورة حشيش، او حبوب هلوسة، لكبت العقل، وازهاق الوعي الذي لايبقى امامه سوى التمتع باخبار هيفا ونانسي والنادي الاهلي وليكن مايكن او الخروج من هذه المعادلة باتجاه التطرف السلفي، او الجهادي، او غيره من المسميات.
ولكن لحسن حظنا، او لسوء حظهم، هناك حتمية تأريخية تجعل المخطئين والمظللين عرضة للسقوط الحتمي في اول اختبار، ويقذفون في مزابل التاريخ التي اصبحت اكثر من منتجعاته وجنائنه او بحيراته او مناظره الخلابة التي توجد في المواقع الرئاسية العربية لان التاريخ لايتعامل مع هذه الهياكل.
لذلك تجدنا نتشبث بالجزء القديم من التاريخ ونترك الجزء المستقبلي منه وهذا الجزء هو الذي سيصنع من حاضرنا الذي نعيشه، وذلك لسبب بسيط هو عدم قدرتنا على صناعة شيء يستحق الاشادة اكثر من نسج الكلام،
في الامس كنا نتكلم عن التحرر من عبودية الاستعمار، واليوم التحرر من عبودية الحكومة وكلها ثورات نهلل لها ونقدسها لكننا سرعان ما نصنع ثورات مضادة ويستمر الحال على ماهو عليه مادمنا نعمل خلاف مانقول

 

الدولة انا

العدد ( 674) الاثنين 28/3/2011


بعد سقوط الدولة العثمانية، سقطت معها فكرة الخلافة بنسختها العثمانية بعد قرون طويلة لان نظام الدولة التي تدعي فيه الخلافة، عجز عن مجارات تطور المجتمعات والدول، فتحولت دولة الخلافة الى رجل اوربا المريض قبل انهيارها التام.
سقطت الخلافة، وصعدت فكرة الدولة القومية بلونها الاتاتوركي العلماني المغالي في التطرف في انقرة، او المتارجح بين المشروطية والمستبدة في طهران، وبين هذا وذاك تحولت ولايات العرب الى دويلات، او دول ادعت انها ستؤلف دولة قومية عظمى هي (الامة العربية) من المحيط الاطلسي الى الخليج العربي.
فمع مطلع القرن العشرين تغيرت معادلات كثيرة قطف العالم فيها ثمرة الثورة الصناعية، وشهد اوج ابتكاراتها، ثم جاء بثورة في الافكار السياسية الاجتماعية، لكن الواضح هو تقديس الدولة والتصور الشمولي لها على قاعدة لويس الرابع عشر (الدولة انا).
وفي ذلك الوقت كانت الولايات العربية تخوض معركة اثبات الوجود، اما الدول القومية الكبرى كبريطانيا، وفرنسا فكانت تتقاتل من اجل السيادة والقوة، وتواصل البحث عن مصادر الطاقة، والاسواق، والسواحل الاستراتيجية، ومصادر الانهار، فازدهر الجيوبولتيك في غرب اوربا كحقل لتحليل تفاعلات القوة، وقيام الدول وفنائها، وازدهر فن الكلام، كما ازدهر التنظير السياسي القومي لدى العرب.
كانت القاعدة السائدة لبناء الدولة هي القوة، وركيزة القوة هي الموارد المالية والبشرية، ولان الجيوش تمشي على بطونها وفق رؤية نابليون بونابرت، فالمال هو المحرك الاساس للقوة، والصانع لها، وهو اكتشاف غربي لم نفهمه الا بعد ان دار بنا الزمان دورات عدة فتحولت الدول العربية الى ساحة للتنافس بين امبراطوريات اوربا الاستعمارية.
وسط جو الصراع والتحدي كان عامل القوة هو ركيزة السياسة واساس وجودها، ومن الطبيعي ان تكون مواصفات القائد هي الشدة والغلظة، وقوة الشكيمة من وزن هتلر في المانيا، وموسوليني في ايطاليا، وفرانكو في اسبانيا لتنتقل العدوى الى السوفيت الذي اصبح تحت قبضة رجل بمواصفات جوزيف ستالين.
لكن بعد الحرب العالمية الثانية تغيرت المعادلة، وتبلورت ثلاثة عوامل في بناء الدول وقيامها، وهي الامن، والاقتصاد، والاعلام، وما على رجال السياسة والقادة والزعماء الا ان يتقنوا توليف تلك العوامل ليصنعوا الخلطة السرية للزعامة.
انتقلت هذه الوصفة السرية الى المنطقة العربية التي لم تزل تغفو على حلمها الجميل بتحقيق امة عربية عظمى، ولكن الحلم يتحول الى كابوس في احيان كثيرة ، فتدبير الانقلابات، واراقة المزيد من الدماء، وانتهاك حقوق الشعب حصلت تحت مسمى ثورات التحرر والسعي لوحدة الامة. ومع تفجر عصر البترول بعد حرب اكتوبر وارتفاع اسعار النفط، اخذت دولارات النفط تتحول الى عضلات مفتولة، وبنادق استعراضية، وعناوين لبطولات وهمية تتصدر كبريات الصحف العالمية.
لذلك فمن الصعب ايجاد حدود واضحة تفصل بين المال والسلطة، في بلاد العرب، فالقوة ستكون من نصيب كل من يقفز متسلقا سياج القصر الرئاسي لان السلطة ستكون هي الباب الى خزائن الثروة، حتى ان كان صاحبها هو من قاد محاولة غادرة للايقاع بمن ائتمنه على الطلاسم السرية للسلطة.
فكل الانقلابيين العرب كانوا قادة للجيوش، او مسؤولين عن الامن، او حراس ثقات للقصور، وانقلبوا ليتحولوا الى فاتحين بلا فتوحات، وابطال بلا بطولات، بل كانوا غادرين.. ومنافقين.. وخونة للامانة التي اقسموا على صيانتها.
ولكن للمال والاعلام دورا آخر في قلب الحقيقة، طالما ان هناك محطة تلفزيونية وحيدة تمتلك مفاتيحها السلطة، وطالما هناك جيوب تبحث عن الانتفاخ، وطالما هناك سلطة تحتكر الثروة، والقوة، وطالما الشعب ادمن التصفيق للقوي كي تستمر الحياة.
لذلك ففي كل التلفزيونات، والاذاعات، والصحف، اعلاميون قادرون على رفع اصواتهم جهارا، لتعريف الناس برجل القصر الجديد على انه (القائد الضرورة)، و(الشريف)، و(المهيب)، دون ان يدرك الناس ان بطلهم عبارة عن ممثل بارع، دأب على صباغة شعره بالاسود، واختيار كليوغرامات من النياشين، والاوسمة كي يضعها على بزته العسكرية الجديدة، ليظهر فيها بطلا قوميا امام عدسات الكاميرات، وهي التي تعودت على الصوت الواحد على ان يقابله التصفيق ولا سواه ، حتى وان كرر عبارة (الدولة انا) والتي استهجتنها الامم المتقدمة.
قادة الانقلابات رجال يمتلكون القدرة على الغدر، والخيانة، وبمجرد تمكنهم من الجلوس خلف مايكروفون الاذاعة الرسمية وتلاوة البيان الاول، حتى تنهال عليهم برقيات التهنئة من الرؤساء والملوك وتنفتح امام مواكبهم المهيبة اسوار الجامعة العربية، ومجلس الامن، ودواوين الامم المتحدة، وتنحني لهم قامات السادة الكبار في الغرب والشرق، لان الجميع يبحث عن الاستقرار وتدفق الاموال وحركة السلع وازدهار الاسواق دون العدالة.
واليوم نحن امام عهد جديد تنهار فيه شرعية رجال الانقلاب، ويتحتم فيه اللجوء لشرعية الاقتراع، فالقوة تناثرت وسقطت من يد الحاكم، والامن القسري لم يعد صامدا امام ارادة الشعوب، والاعلام بات متاحا للجميع، فالتحكم والتاثير بالعالم تبسط حتى صار بين عدة سنتمترات مربعة هي شاشة حاسوب، او جهاز محمول يتمكن من التصوير والبث والاتصال واتمام الصفقات والاجتماعات في اي وقت ومن اي مكان، فالدولة هي الشعب وهي اكبر من ان تكون لشخص بعينه فلا احد يجرؤ بعد اليوم ان يقول (انا الدولة) مهما بلغ من وقوة

 

عالم ما بعد.. قمة باريس

العدد ( 670) الثلاثاء 22/3/2011


المتابع للحراك السياسي الدولي الذي رافق انطلاق الثورات الشعبية العربية، يجده مترددا في تونس، وانتهازيا ينتظر انجلاء الغبرة في مصر، وغامضا ازاء البحرين، واليمن، لكنه يبدو واضحا مع ليبيا، لاسيما بعد صدور القرار الدولي رقم 1973، ومن ثم جاء انعقاد قمة باريس بمثابة نقلة مهمة باتجاه شرعنة التدخل الدولي، كونها حظيت بمشاركة عربية، افريقية، اوربية، امريكية.
لكن من النتائج الايجابية للموقف الاوربي، والعربي من ليبيا، هو تغير عقيدة فرنسا، ودول اوربية اخرى كانت تعارض مبدا التدخل بشكله الدولي الذي فرض نفسه بعد انتهاء الحرب الباردة، ووقفت ضد جهود اسقاط صدام حسين، وكذلك جامعة الدول العربية، التي في موقفها الحالي يبدو انها فضلت الشعب على النظام، وهو ما لم تجرؤ على فعله مع الشعب العراقي عام 1991م عندما شجعت الاستعانة بالقوات الدولية للتدخل، لكنها اكتفت بالتفرج بعد انتفاضة العراقيين ضد صدام التي اعقبت تحرير الكويت.
شكلت حرب الخليج الثانية عام 1991م اول اختبار للتدخل الخارجي نتيجة اجماع دولي، واستخدام الامم المتحدة في ذلك، كون مفهوم سيادة الدولة كان خلال الحرب الباردة اكبر من قدرة الشرعية الدولية لفرض اخلاقيات جديدة، ورغم ذلك فقد كان التدخل من اجل انهاء احتلال دولة لدولة، وليس لانقاذ شعب من ديكتاتور.
وكان للتدخل خلال الحرب الباردة شكلا آخر يتم بسرية عن طريق اجهزة المخابرات، كما في قيام المخابرات المركزية الامريكية بدعم انقلاب الجنرال بينوشيت لاسقاط حكومة سلفادور الليندي المنتخبة في تشيلي، وقيامها ايضا بالتدخل لاسقاط حكومة مصدق المنتخبة في ايران عام 1953م،
ومن المؤكد انها تدخلت بصورة سرية، لصالح نقابة التضامن بقيادة (ليخ فاليسا) التي اسقطت نظام (ياروز لسكي) في بولندا عام 1989م، الذي كان سقوطه بمثابة قطعة الدومينو التي حطمت جدار برلين، وازالت الستار الحديدي عن دول حلف وارشو (المنظومة الاشتراكية)، ومعها مفهوم السيادة المطلقة للدولة، لتحل محلها مفاهيم جديدة لم يفهم العرب التعامل معها.
التدخل الدولي بعد الحرب الباردة تكرر في اماكن وتواريخ واسباب مختلفة، فقد حصل في الصومال عام 1993م، ثم خلال تدخل الناتو في البلقان عام 1994، وفي البوسنة عام 1999م، وكانت اهداف التدخل بالنسبة للناتو هي الامن والتعاون الاوربي، وحفظ السلام، دون مساس بنيوي في شؤون الدول.
لكن بعد احداث 11 ايلول عام 2001م انتقل مفهوم التدخل من اهداف مابعد الحرب الباردة، اي حماية السلم والامن الدوليين، الى مفهوم آخر هو الحرب الوقائقية، متخذا شكل الحملة الدولية للحرب على الارهاب، التي قادها الرئيس الامريكي جورج بوش الابن، وكانت بمثابة مرحلة جديدة من العلاقات الدولية، والنظام السياسي الدولي.
لم يشعر العرب باهمية وتاثير المرحلة الجديدة، كونهم دخلوا اللعبة الدولية من باب آخر، وتحولوا الى هدف الحرب الوقائية، فالعدو الافتراضي يخرج من بين تكويناتهم ونظمهم المتصلبة، لكنهم فضلوا التمسك بالمفاهيم القديمة التي لاتفهم للتدخل معنى الا الاحتلال، والغزو، والحرب الصليبية، وغيرها من المسميات التقليدية التي لم يعد لها معنى في النظام الدولي.
واول دلالة على غياب الفهم العربي للتحولات العالمية السريعة هو السياسة الخارجية العشوائية لصدام حسين الذي اصر على اتخاذ القرار الخطا في التوقيت الخطا، مثلما اصر غيره على الجمود، وتحويل الجمهوريات الثورية التحررية، الى ملكيات مهجنة، ابدلت الاشتراكية بالصوصية، ومركزية الاقتصاد بفوضى الانتهازية، والديموقراطية الشعبية بالتوريث، والخصخصة بالفساد، بل استمروا يروجون للمفاهيم القديمة، وهو الذي جعلهم سلبيين جدا ازاء جهود الاطاحة بنظام صدام عام 2003م. وغابت عنهم حقيقة انه بعد معاهدات السلام مع اسرائيل انتهت مبررات المد الثوري، والشحن المعنوي للشعوب، وانتهت شرعية مقاومة اسرائيل وتحرير فلسطين، التي من اجلها كانت تصمت الالسن، وتتوقف التنمية، وتبنى الجيوش، وتسخر خيرات وموارد الدولة لسياسات الدفاع، الامر الذي انتج حواضن التطرف، والفقر، والجهل، والامية، والكراهية.. ثم الارهاب.
و في الجانب الآخر.. وبناء على القيم الدولية الجديدة، استطاع بوش قيادة جهود دولية لمحاربة الدول التي وصفتها الخارجية الامريكية بالمارقة، وتمكن من الاطاحة بنظام متحجر يصنع الكراهية وينتج الارهاب، هو نظام طالبان، ونظام قومي، شوفيني، عسكري، دموي، متصلب هو نظام صدام الذي يطفو على اكبر مخزون نفطي في العالم.
كان الرئيس الامريكي الاكثر كرها من قبل البلدان العربية هو بوش الابن، لكن للحقيقة انه كان اكثر الرؤساء الامريكيين صراحة، فقد رفع راية الاصلاحات الديموقراطية، وبالفعل اجبر السعودية، ومصر، والاردن ودول اخرى على اجراء اصلاحات، لكن النوايا اتفقت على تحويل المسار، فبدل من التقدم خطوة الى الامام تم التراجع خطوتين الى الخلف.
فكانت الاصلاحات شكلية، والحقيقي فيها انها جاءت بالسلفيين.. على حساب المعتدلين في الانتخابات المحلية السعودية، وجاءت بكم هائل من الاخوان المسلمين في انتخابات مجلس الشعب في مصر، (هم خميرة الاسلام السياسي في المنطقة)، وفي فلسطين تمكنت النسخة الاخوانية (حماس) من تحقيق نجاح ساحق على حساب فتح، كما اسهمت وعملت الانظمة العربية على تحطيم مرتكزات قيام دولة ديموقراطية ناجحة في العراق، فتم ايقاف اللعبة من قبل واشنطن باعلان الرئيس الامريكي باراك اوباما في خطابه الشهير من على منبر جامعة القاهرة ان لكل دولة شانها في صناعة ديموقراطيتها.
لكن ماتشهده المنطقة العربية اليوم سواء كان خاضع للتخطيط، او جاء بشكل مفاجيء، فأنه نتيجة لتراكمات عقود طويلة، وبالتالي هو بداية لعصر جديد تلعب فيه العوامل الدولية الدور الاهم في صناعة الحاضر والمستقبل، ومن المنطقي ان يسعى العراق لقيادة المرحلة المقبلة عربيا لعوامل عدة، بشرط ان يتخلص قادته من عقدة الدواران في فلك الانظمة العربية التقليدية التي اصابتهم بالتجلط السياسي، اذن فعلينا قبل كل شيء ان نفكر في كيفية المشاركة والاسهام في صناعة البيئة الدولية الجديدة، وكيف يكون لنا الادوار الاهم فيها

 

الحسابات السرية

العدد ( 665) الاثنين 14/3/2011


هناك سؤال يتكرر امامي كل يوم من قبل الاخوة المصريين. وهو مالفرق بين صدام حسين، وحسني مبارك، او مالفرق بين زين العابدين بن علي، وصدام حسين، ولاني احبذ في هكذا مواقف ان تكون اجابتي قصيرة وواضحة، اقول ان مبارك، او بن علي يمكن ان يكونوا لصوصا سرقوا اموال شعوبهم، لكن صدام سرق الاموال، و ازهق الارواح، اي انه لص وقاتل معا...
والمفاجيء في الامر انهم يتركون الجزء المتعلق بالقتل، ويتوجهون الى الجزء المتعلق بالسرقة فاخبار السرقات، والرشاوى، والعمولات، والصفقات السرية التي يتحدث عنها الاعلام والمجتمع بخصوص مبارك او بن علي، واركان نظامهما لها تاثير على الراي العام اشد من تأثير ملفات التعذيب والبطش الذي كان تمارسه اجهزة امن الدولة.
لذلك وجدت ان لدينا خللا اعلاميا وسياسيا هائلا في هذه الناحية، فقد تحدثنا كثيرا عن جرائم واخطاء صدام السياسية وتركنا سرقاته، فهناك تباطؤ وخمول في التعاطي مع ملف يعد من اخطر الملفات على الاطلاق، ويجب علينا الاعتراف باننا مقصرون بشكل كبير في الكشف عن مقدار النهب الذي تعرضت له اموال الشعب العراقي خلال الحقبة الصدامية، ولو على سبيل الاعلام ومصارحة الشعب.
ففي الوقت الذي قلبنا فيه الدنيا ولم نقعدها عندما تمكنا من استرجاع (يخت) كان قد شيده صدام في فرنسا قبل عقدين، لم نكلف انفسنا بالحديث عن مليارات الدولارات التي نهبها الرجل وكأن امرها لايعنينا تاركين للروتين مجراه في عملية اشبه بالبحث عن ابره وسط كومة قش.
وعند التقصي والتحري والسؤال، اكتشفت انه لحد الان لم يتحدد حجم الاموال التي جمعها صدام، واين هي الان؟ والغريب ان المصادر الامريكية سواء وزارة الخزانة، او الخارجية، او الشركات العالمية المتخصصة بتعقب تلك الاموال، مهتمة بذلك اكثر من العراقية!!
وتلك المصادر رجحت ان تكون المبالغ التي استحوذ عليها صدام تتراوح من اربع الى عشر مليارات دولار، في حين ان مصادر اخرى خمنت ان تكون المبالغ اكبر من ذلك، فمفتش الامم المتحدة وخبير الاسلحة جارلس دوفلر ذكر ان صدام جمع 100 مليار دولار خلال الفترة من 1990م لغاية 2003م.
كما اعلن جيفري روس المسؤول بوزارة الخزانة الامريكية انه تم العثور على ارصدة مالية لصدام تزيد قيمتها على ملياري دولار موزعة في 2100 حساب في حوالي 41 دولة لكنه اشار الى ان الجزء الاكبر من اموال صدام لم يتم العثور عليه بعد، فكيف جمع صدام تلك الاموال واين هي الان؟
شغف صدام منذ توليه السلطة بانشاء الحسابات السرية التي من خلالها كان يدير منظومته الامنية السرية، وكذلك يتم تمويل جهات، ومنظمات، واحزاب خارجية، فهناك معلومات تفيد بان نسبة 2.5% من صادرات النفط (حصة كولنبنكيان) كان يتم تحويلها الى صدام عن طريق حسابات سرية خاصة بعد تاميم النفط مطلع سبعينات القرن الماضي.
وكذلك منذ اندلاع الحرب مع ايران عام 1980م عمد صدام الى بناء شبكة من الشركات الاجنبية وصل عددها الى مئات الشركات في بنما، وسويسرا، وفرنسا، وايطاليا، وبريطانيا، وفرنسا، وقبرص وهذه الشركات كانت تعمل واجهات لنشاطه المالي مثل شركة (لوجارشيو) المسجلة في بنما.
وتميز عمل وزارات النفط، والمالية بانعدام الشفافية فكانت رئاسة الجمهورية هي من يضع الموازنة المالية السنوية دون ان يحق حتى لوزارة المالية ابداء اي ملاحظات، ناهيك عن انعدام الشفافية في عمليات تصدير النفط، لاسيما الفترة من 1991 لغاية 2003م حيث تمكنت اسرة صدام من جمع اموال طائلة من تهريب النفط الى بلدان مجاورة عبر موانيء البصرة.
واشتهر برنامج النفط مقابل الغذاء باكبر عمليات فساد في العالم وكشفت التحقيقات ان 2200 شركة عالمية دفعت رشاوى لمسؤولين عراقيين سابقين في مقدمتهم صدام بلغت 1.8 مليار دولار للحصول على عقود توريد مواد غذائية الى العراق بضمنها 173 شركات فرنسية، في مقدمتها رينو، وبيجو اللتان حولتا اموالا طائلة الى حساباته السرية.
كما ذكر رئيس وزراء استراليا جون هوارد ان صدام تلقى رشاوى من شركة (اي دبليو بي) الاسترالية لتصدير القمح بلغت 220 مليون دولار سنويا، اما عن القصور فتشير المعلومات المتاحة الى ان صدام شيد 170 قصرا في العراق ويمتلك قصور في فرنسا وسويسرا، وفي بلدان اخرى.
وعثرت القوات الامريكية التي دخلت العراق عام 2003م على رسالة وجهها صدام الى محافظ البنك المركزي العراقي قبيل دخول القوات الامريكية، امره بتسليم نجله قصي مبلغ 920 مليون دولار، و90 مليون يورو من موجودات البنك المركزي العراقي، وتم ذلك بالفعل ونقلت الاموال الى مكان مجهول لتختفي دون معرفة مسارها.
وفي بيان للخارجية الامريكية صدر في نيسان 2004 انه تم الكشف فيه ان خزانة صدام الشخصية كانت تستأثر بعائدات السياحة الدينية (زيارة الايرانيين للعتبات المقدسة في النجف والكربلاء والكاظمية وسامراء) التي كانت عائداتها تبلغ نصف مليار دولار سنويا وكان ذلك يتم من خلال شركة متخصصة كانت تعمل باشراف المخابرات العراقية. وذكرت تقارير دولية ان الفترة التي انهارت فيها سلطة صدام شهدت نقل اموال من حسابات تسيطر عليها الحكومة الى حسابات شخصية وهو مايفسر ظهور قوى وشخصيات ومؤسسات اعلامية وفضائيات مجهولة التمويل تبنت مشروع مايسمى بالمقاومة الذي ادى الى حرق العراق. لا اريد ان اكمل سرد هذه المعلومات فهي كثيرة وهائلة لكني اكتشف اننا تعاطينا كثيرا مع الملف السياسي لصدام الى درجة اغمضت العيون عن ملفه المالي، ولو انه حوكم على جرائم الفساد المالي، وسرقة اموال الشعب، لكانت فضيحته اكبر بكثير من ادانته كقاتل

 

سقوط الجمهورية

العدد ( 660)الاثنين 7/3/2011


اقترنت مفردة الجمهورية تاريخيا بالاب الروحي لها الفيلسوف الاغريقي افلاطون الذي يعد ايضا الاب الروحي للمثالية، فكتابه الشهير جمهورية افلاطون هو العلامة المميزة للمجتمع السياسي المثالي عبر العصور.
لكن الظهور الفعلي المؤثر للجمهورية كان بلا شك بعد الثورة الفرنسية عام 1789م التي كانت بمثابة الاداة التي نقلت العالم من سلطة الكنيسة وكبار الملاك(الطبقة الارستقراطية) الى طبقة جديدة اكثر قدرة على النمو والتجدد هي (البرجوازية) بشكلها الثوري الاول.
ومن اهم مواصفات النظام الجمهوري انه يقوم على قاعدة العقد الاجتماعي بين الحاكم والمحكوم، والتي جاء بها جان جاك روسو، وطورها جون لوك بالشكل الذي يتيح للشعب مساحة من حرية التصرف لتحديد آليات التعاقد، وبالتالي هو يتناقض مع نظرية (الحق الالهي) التي كانت شائعة وتعد الاساس النظري للحكم الملكي الوراثي التقليدي.
الحدث الثاني الاهم في تاريخ الجمهورية هو قيام الولايات المتحدة كنظام جمهوري متطور مرتكز على دستور يرعى الكرامة الانسانية، اما الجيل الثاني من الجمهوريات انطلق بعد نجاح ثورة اكتوبر البلشفية وقيام الاتحاد السوفيتي عام 1917م، وتميز باضافة الصفات، مثل الجمهورية الاشتراكية، او الشعبية، او الديموقراطية او غيرها.
وفي المنطقة العربية هناك نوعان من الجمهوريات الاولى قامت على اساس النموذج الغربي بعد الاستقلال مباشرة مطلع القرن العشرين مثل جمهورية لبنان وسوريا، والقسم الآخر والاكثر شمولية وتطرف هي الجمهوريات الثورية التي اعقبت الحرب العالمية الثانية، وقامت على اساس النموذج الشرقي الذي غذته استحقاقات الهزيمة والانتصار بعد الحرب العالمية الثانية، وتداعيات القضية الفلسطينية، وطبيعة اللعبة الدولية، فتميزت هذه الجمهوريات بانها ثمرة حكومات انقلابية، عسكرية، طامحة بالسلطة، تحت ستار الثورية، والقومية، والاشتراكية، والتقدمية وغيرها.
فاسقطت الملكيات وقامت الجمهوريات بالتتابع من قبل مجموعات عسكرية في مصر عام 1952م، و في العراق عام 1958م، وفي اليمن عام 1962، وفي ليبيا عام 1969م، وفي تلك الحقبة سقط اساتذة وخريجي كليات الحقوق والاقتصاد، والادارة، امام هيمنة خريجي الكليات الحربية وضباطها الذين فشلوا في ايجاد نصر خارجي على اسرائيل، فاوهموا الناس بتحقيق نصر داخلي بالاستناد الى حيازتهم للقوة.
كان التضخم السياسي والجغرافي لاسرائيل عامل مشجع للضباط الذين القوا اللوم على الساسة وحولوا اتجاه فوهات بنادقهم نحو القصور الملكية، ليعلنوا عن قيام (جمهوريات ثورية) اعلنت انها تسعى الى (تحرير الارض)، و(الشعب)، وتسقط النموذج التقليدي الذي من اهم مميزاته التوريث والتمايز الطبقي.
ولانها (جمهوريات اشتراكية) فقط تبنت قرارات للتأميم، والاصلاح الزراعي، وقرارات اخرى لكسب الطبقات الدنيا التي تشكل السواد الاعظم من الشعوب العربية لكن هذه القرارات لم تتمكن من انتاج وصفة ناجحة فسرعان ما فشلت في التواصل والتطور.
تميزت الجمهوريات الشمولية العربية بانها تقول اكثر مما تفعل، وتدعي اكثر مما تمتلك، وترتكز الى الدعاية، والعوامل الخارجية، واللعبة الدولية في تأمين شرعيتها التي لم تكن قد جاءت عن طريق شرعي ابدا.
لكن بعد نهاية الحرب الباردة اصبح لاسرائيل وضع مختلف تماما، ففي الوقت الذي فشلت فيه الانظمة العربية في تحقيق شعاراتها وتسليمها اي الانظمة بالامر الواقع الذي يقر بالرضوخ لاسرائيل تمكنت منظمة صغيرة مثل حزب الله اللبناني من اسقاط هالة القوة الاسرائيلية التي طبلت لها الجمهوريات الثورية العربية لعقود طويلة. وبعد سقوط جمهورية البعث في العراق، اخذت رياح التغيير تقترب من جمهوريات لم يتبق منها الا منظوماتها السرية، فقد ثبتت افضلية النظم الملكية في الكويت، و ابو ظبي، ودبي، والدوحة، ومناطق اخرى.
فسعت انظمة كثيرة للهروب من خانة اليسار الى اليمين، لتستخدم الخطاب الديني في خداع الجماهير، متخلية عن الاشتراكية، والشعبية، والثورية التي جاءت بها الى الحكم وتحولت الى ديكتاتوريات تحتكم على اموال ومقدرات الدولة في نموذج اقتصادي شاذ قيل انه الوسط بين الراسمالية والاشتراكية، ولم يكن كذلك.
وتمسكت هذه الانظمة بوجوب (طاعة ولي الامر وان كان فاسدا) حفاظا على (بيضة الامة)، وكذلك على مبدأ ان (الحاكم المسلم الجائر خير من العادل الكافر)، وهي ادوات مكنت هذه الجمهوريات من تسطيح العقل العربي، و محاربة الافكار التنويرية والليبرالية والاسلامية النقية.
وكشفت السنوات والايام ان الجمهوريات العربية التقليدية كانت تقوم على منظومة امنية قمعية، واخرى مالية وهما منظومتان سريتان، لضمان بقاء الحكم والنظام (الفاقد للشرعية)، والدليل على ذلك ان النظم العربية وقفت بقوة ضد قيام دولة ديموقراطية متطورة في العراق، لان ذلك عامل هام في كشف عوراتها امام شعوبها، مع تحولات اللعبة الدولية باتجاهات اخرى.
وتمكنت المنظمات السرية الامنية المالية من دعم فكرة التوريث في جمهورية سوريا، والعراق، واليمن، ومصر، وليبيا وذلك مع مطلع تسعينات القرن الماضي، حفاظا على بقاء المنظمة، وامعانا في تسخير الدولة لخدمة مصالح الفئات المنخرطة في المنظومات السرية الامنية والمالية.
وماحدث في تونس ومصر وليبيا واليمن هو عدم صمود هذه الانظمة، او المنظمات القائمة على البطش، والفساد المالي، ونقص الشرعية امام تحولات دولية واقليمية اكبر من طاقة هذه المنظمات على الفهم والتحمل.
ففي العراق سقط النظام بكامله، وفي تونس، ومصر اجبر راس النظام على التنحي، وهذه التحولات كشفت اسرارا كثيرة عن الكيفية التي كانت تدار بها الشعوب العربية.. من قبل جمهوريات لاتمتلك الا القوة الغاشمة وسيلة لتثبيت وجودها، وتدعيم بقائها وبخلاف القوة لاتمتلك حتى الشرعية الاخلاقية في اقل تقدير، وبالتالي فان ماتشهده المنطقة العربية هذه الايام هو سقوط معلن لجمهوريات ساقطة منذ زمن ليس بالقصير

 

وزارة التموين

العدد ( 655)الاثنين 28/2/2011


اقرت البطاقة التموينية بعد ان خرجت الامم المتحدة من صمتها لتعلن عن اجبار نظام صدام على مبدا (النفط مقابل الغذاء)، واصدار مجلس الامن الدولي قراره المرقم 986 لعام 1995م، ونتيجة لذلك تلقى الشارع العراقي بسرور وتفاؤل تلك الانباء على امل ان تمد الامم المتحدة يدها وتنتشل الشعب من قبضة الجلاد.
خففت هذه الانباء شيئا من آثار التخبط السياسي والحصار الدولي، لشعب لم يذق الا الجوع والخوف والحرمان، ليتحول الى مجاميع متفككة اجتماعيا ومقسمة قبليا ومناطقيا، بينما سحقت اذرع الجوع الطبقة الوسطى في العراق لتتشظى وتتناثر، او تستسلم لعجلة الفقر والبؤس ان تدكها.
(النفط مقابل الغذاء) صار هو الحديث المفضل لكل العراقيين الذين تركوا المكاتب، والشهادات، والهندام الانيق، وباعوا اثاثهم، ومقتنياتهم، وكتبهم، وافترشوا الساحات والاسواق باعة جوالين، او عمال بناء يتزاحمون فجرا للحصول على فرصة ليوم او اكثر، او مجندين يفتك بهم الجوع والياس، او من كانوا حبيسوا الاحباط وسط جدران منازلهم المليئة بالرطوبة.
وسط البؤس الانساني، والاجتماعي، وهبوط النخبة، وصعود الجهلة، اخذ الناس يطلقون العنان لخيالهم في نسج صورة المواد القادمة من اوربا، وجنوب شرق اسيا، واستراليا، ضمن البرنامج الدولي الجديد، ووصل الامر ببعض اصحاب مكاتب الاستنساخ الى بيع ارواق عليها شعار الامم المتحدة، ومدرج عليها باللغة الانكليزية، والعربية، اسماء اكثر من 40 مادة غذائية، وكمالية، وعصائر، وملابس اطفال، وبطانيات، واحذية، وملابس رياضة، وغيرها قيل ان الامم المتحدة سوف تتبنى توزيعها على العراقيين عبر شركات عالمية متخصصة.
وكان لهذه الاوراق تأثير الترياق على سواد الناس، في وقت نسي العراقيون فيه اشكال العلامات التجارية العالمية، واختفت الحلويات، والمشروبات الغازية، والمواد الكمالية والعطور المستوردة من السوق العراقية التي اشتهرت بما لذ وطاب، لتمتليء بالمواد المعادة ذات الرائحة الرديئة.
ومن تاريخ صدور القرار عام 1996م لغاية البدء في تطبيقه عام 1997م كان تاثير تولي وزارة التجارة تنفيذ مشروع الحصة التموينية عبر كوبونات خاصة له وقع الصدمة على الشعب، لعدم ثقة الناس باجهزة النظام في ذلك الحين.
وبعد البدء بتوزيع مفردات الحصة التموينية بدأ العراقيون يتندرون على رداءة مفرداتها التي لم تكن بمستوى الطموح، حيث شاعت مفردة (شاي حصة)، و(صابون حصة) وهو يعني اردأ مايمكن تصوره، في حين خلق هذا البرنامج فرص اثراء فاحش لعوائل وشركات وشخصيات عراقية وعربية، واجنبية، انا شخصيا لمست بعضها في العاصمة الاردنية عمان.
وبعد زوال نظام صدام كان الجميع يتوقع ان تحصل ثورة في مفردات وآليات توزيع البطاقة التموينية، لان الشعب لم يكن محتاجا للحرية حسب، بل الحرية ورغيف الخبز، كونه يعاني آثار حرب اقتصادية دولية وحرب تجويع يشنها النظام الحاكم، وهو اي الشعب بحاجة الى دافع معنوي ونفسي للاقتناع بأن للعهد الجديد اثار سريعة على مفردات الحياة اليومية.
للاسف كانت فترة الاحتلال قد اتسمت بانتهاج سياسة التجربة والخطأ، ثم فترة الارهاب التي عمت البلاد بدعم خارجي، واحتضان داخلي، ثم الخلل السياسي، او الفساد السياسي، كلها عوامل افقدت الحكومة تاثيرها ودورها المطلوب.
سنوات كثيرة مرت والبطاقة التموينة تتاكل ومعها اماني المواطنين الذين وقعوا بين مطرقة شروط البنك الدولي، وسندان ارتفاع تكاليف المعيشة، لشعب انغمس بالقيم الاشتراكية لعقود طويلة، وادمن انتشار الاسواق المركزية، والجمعيات الاستهلاكية (الاورزدي) التي تعرض مختلف المواد باسعار زهيدة.
واليوم اعتقد كمواطن عراقي اننا بحاجة الى نظام اقتصادي عادل اكثر منه معاصر، نظام يعمل وفق جدول زمني للانتقال من رأسمالية الدولة الى نظام اقتصادي اكثر تطورا، اي ان يتم حساب ادق تفاصيل الامور المعيشية للمواطن قبل اي اولويات اخرى.
ومن الافضل للحكومة والبرلمان، ان يتم استحداث وزارة خاصة بالبطاقة التموينية تسمى وزارة التموين او اي اسم آخر لتخفف العبء عن وزارة التجارة وتتخصص بالبطاقة التموينية، ويكون امام هذه الوزارة الهامة ان تتفق مع شركات عالمية لتجهزها بالمواد الغذائية اضافة الى الانتاج المحلي، ويضاف اليها مواد اخرى مثل اكياس النفايات، وبعض المواد الغذائية والكمالية الاخرى، التي تسهم في تغيير نمط وطبيعة ومعيشة المواطن، وتنقله الى مستوى معقول من الاحساس بالرفاهية، وان تتم زيادة حصة الفرد الواحد من 10 دولار الى مئة دولار.
وعلى هذه الوزارة ان تتعاقد مع شركات متخصصة بالتعليب والتغليف بحيث يكون لكل مواطن صندوق يحتوي مواد غذائية وكمالية مغلفة ومرتبة بمظهر لائق يشعر المواطن بالفرح والاحساس بتبدل نمط الحياة.
لا اريد الخوض اكثر في التفاصيل التي لها من يتقنها ويفهما لكني على يقين ان هذا الامر يخلق حالة من الاستقرار، ويسجل نهاية حقيقية للعهد الذي كانت فيه ثروات البلاد تذهب الى مشاريع مشبوهة، فبدون احساس المواطن بطعم خيرات بلاده لامعنى ملموس لمواطنته، ولا يلام على تقصيره بواجباته..وبالتالي لايمكننا بناء تجربة ديموقراطية ناجحة، فنكهة الحرية والديموقراطية تضيع.. مع غياب العدالة، وغياب الرفاهية

 

مصر تحولت

العدد ( 646)الاثنين 14/2/2011

عباس عبود سالم

عشت لحظات الازمة المصرية لحظة بلحظة، وتلمست تطوراتها وساعاتها العصيبة، من خوف وجوع وقلق كحال من عاشها، وايقنت ان ماحدث غطى على كل الاحداث، وشغل العالم عن متابعة تطورات المشهد التونسي بعد زوال زين العابدين بن علي، وابعد الاضواء كليا عن ولادة دولة الجنوب السوداني التي كان ينظر لها على انها الحدث الاخطر عربيا خلال العام الحالي.

وكذلك تراجع الاهتمام بالملفين الفلسطيني واللبناني رغم مايشهدانه من تطورات، واهتم صناع الاعلام بتغطية موسم التظاهرات، والانتفاضات، والثوارات التي تشهدها المنطقة العربية والتي اتفقت رغبة الشرق والغرب بشانها وصفقت لها الجموع العربية في كل مكان كبديل مرحلي عن وسائل التغيير الاخرى كالاستفتاءات والانتخابات.

وما حدث في مصر عاد بنا الى زمن حسبناه قد مضى وهو زمن الثورات والانتفاضات التي خفت بريقها وانتهى الاهتمام بها بعد نهاية الحرب الباردة، بعد افول اليسار وفشل حركات التحرر العربية والحكومات الثورية في العراق ومصر والجزائر وسوريا وتونس، لصالح نجاح نظم حكم تقليدية في الخليج العربي وتركيا و بعض بلدان جنوب شرق اسيا، فالثوارات تاكل ابنائها ثم تاكل شعوبها وتجعل الناس فيما بعد يحنون الى الماضي الذي ركلوه بجزمهم.

في مصر هناك قوى جماهيرية مؤثرة مثل النقابات المهنية كنقابة الصحفيين والمحامين والاطباء، وهناك جماعات شبابية اتفقت على رفض ماهو سائد، وكان الانترنت هو اداة التواصل المفضلة ليصنعوا لهم عالما افتراضيا آمنا عبر المدونات وصفحات المواقع الاجتماعية مثل الفيس بوك.

ففي 6 ابريل نيسان 2008م نظم عمال غزل المحلة اضرابا كبيرا للمطالبة بتحسين اوضاعهم، الامر الذي جعل مجموعات الشباب تتظامن معهم وتدعوا الى اضراب عام في عموم البلاد، ادى الى اضطرابات كبيرة، ولكنه لم يؤد اغراضه، فقد تمكنت السلطة من السيطرة على الامور قبل ان تتدهور.

لكن في 25 يناير 2011م كان الامر يختلف بعد فشل محاولات لاعادة تجربة 6 ابريل، فقد احتقن الشارع بشكل كبير بعد الانتخابات التي تكشفت فضائحها ومهزلتها فيما بعد، ومع تزايد الاحتقان الشعبي، لم تعمل السلطة على استيعاب شيء من المطالب المشروعة، واجراء بعض التعديلات والاصلاحات التي كانت كفيلة بانهاء الازمة، لانها راهنت على استخدام ادواتها التقليدية من تحشيد لقوات الامن المركزي والتلويح بالقوة لقمع التظاهرات.

 وكانت تداعيات انفجار كنيسة القديسين تصب في صالح السلطة، الان ان وفاة مواطن مصري من اهالي الاسكندرية يدعى احمد سعيد على يد قوات الشرطة، مكن المعارضون وشباب الفيس بوك من استخدامه ورقة لتحشيد الراي العام ضد وزارة الداخلية، فقد عمل الناشط وائل غنيم على انشاء صفحة على الفيس بوك بعنوان كلنا احمد سعيد استقطبت مئات الالوف من المؤيدين، وصار سعيد فيما بعد عنوان لانتفاضتهم.

وكان يوم 25 يناير يصادف الاحتفال بعيد الشرطة فتحول الى يوم لخراب الشرطة، في بلد اعتمد بشكل كبير على قوة اجهزة وزارة الداخلية التي وفرت بيئة آمنة شجعت ملايين السياح ومئات المستثمرين على التوجه الى مصر المحروسة كما يسميها ابنائها، لكن يبدو ان الامن كان يفتقد الكثير من الدعائم، وتشوبه الكثير من الثغرات التي كشفتها الازمة.

شباب الفيس بوك خرجوا من عالمهم الافتراضي ليواجهوا الواقع وينجحوا في جذب كاميرات الفضائيات العربية والاجنبية ليتصدروا المشهد ويتغلبوا على اكبر منظومة اعلامية عربية من حيث العدة والعدد في امبراطورية ماسبيرو بقنواتها التلفزيونية الخمسين التي فوجئت بتسارع المشهد ولم يعد امامها مايمكن ان تعمله سوى التخبط.

واما شباب 25 يناير فقد اغرتهم تنازلات السلطة لاسيما بعد انهيار وزارة الداخلية وشيوع الفراغ الامني وتنازلات الرئيس فوجدوا ان اللعبة لاتتطلب الا ضغط وتماسك في ساحة مباراة تنقل مباشرة للعالم اجمع، وفي كل يوم يمر يسجل الشباب نقاط كثيرة ويخسر النظام نقاط اكثر، يخسر التاييد الدولي والدعم الداخلي وتماسك مكونات الدولة ودعاماتها.

لم يكن للمتظاهرين او الثوار اي علم او دراية بدهاليز السياسة وفنونها، لكنهم عرفوا ان التمسك بمطلب واحد وتوحيد الكلمة هي مفتاح النجاح، وكانت الكاميرات وسيلة حماية للمتظاهرين من اي اجراء قمعي على الطريقة الصدامية، فاجهزة الموبايل في بعض الاحيان اختزلت وظيفة كاميرات التلفزيون وسيارات النقل الخارجي في عالم جعلت منه التكنولوجيا غرفة واحدة تنتشر فيها المعلومات حال حدوثها بيسر وسهولة.

وقد كشفت ايام قليلة ان المحتجين هم الحصان الاسود الذي يقفز الى مقدمة المضمار، فما كان من اللاعبين الا المراهنة عليه وتم لهم ذلك، ففي كل يوم يمر يقفز العشرات من نجوم الفن والرياضة والاعلام من مركب السلطة الى ساحة التحرير، بغض النظر ان كانوا مقتنعين او غير مقتنعين بطروحات فتية تنقصهم الخبرة والدراية.

الجميع يتزاحم لحجز تذكرة في المقاعد الامامية لمرحلة مصر مابعد 25 يناير، والتي بتقديري هي بداية التحديات والمصاعب وليست نهاية لها، لان مصر مبارك كانت معلومة المصير والمشاكل والتوجهات، لكن مصر اليوم تسير في طريق متعدد الاختيارات ومتعدد الاحتمالات التي يصعب الجزم وفقها بوصفة سحرية تجعل منها معجزة تنموية، او حضارية، او تكنولوجية، بل الايسر لنا ان نتخيل تحولها الى اشبه بالنموذج الهندي، او الباكستاني من النموذج الياباني او الكوري او حتى التركي الذي يتطلع اليه شباب مصر هذه الايام.

 

 

انهم يخطئون بحقنا

العدد ( 634)الخميس 27/1/2011


لاشك ان خسارتنا امام استراليا كانت مؤلمة، والاكثر اثارة للاسف هو اداء حكم المباراة القطري عبد الرحمن محمد الذي كان غير موفق في مهمته، ولم يحكم بالعدل، والغريب ان انحيازه كان لكناغر استراليا؟ على حساب اسود الرافدين؟ ضاربا بعرض الحائط كل الشعارات القومية التي بحت حناجر مذيعي الجزيرة القطرية من ترديدها .
ولم ينته الامر الى هذا الحد، بل في الاستوديو التحليلي الذي اعقب المباراة من قناة الجزيرة الرياضية، نوه مقدم الرنامج الى انه اتصل بالحكم الدولي السوري اللامع جمال الشريف الذي يعمل في الجزيرة الرياضية ايضا، واكد الشريف ان لا اخطاء تحكيمية في هذه المبارة!! وان عبد الرحمن القطري كان موفقا فيها!!
بالمقابل كانت هناك عاصفة نقد عراقية، وجائت عاطفية، عفوية، انفعالية، مثل سابقاتها وستعمل بالتأكيد على زيادة الهوة، وتعميق المشكلة، لبلد يهدف الى تضميد الجراح، و الانفتاح عربيا، واستضافة القمة العربية بعد شهور قليلة.
حكم غليض القلب، مسيس العقل، يظلم العراق، وخبير في التحكيم يضحي بسمعته الكبيرة من اجل رزق دائم، ويهرب من ادلاء الشهادة، واعلام عربي يلبس ثوب المهنية يفضل ان يكيل بمكيالين على ان يقول الحقيقة التي لاتخدم مصالح من يمسك كيس الدراهم، وصوت المظلوم ياتي متوترا يزيد الطين بلة.
هذه المعادلة لم تعد تقتصر على الرياضة، بل ان حديث الرياضة يأخني الى السياسة، فقبل ايام كنت في شرم الشيخ ضمن مئات الاعلاميين العرب لتغطية قمة العرب الاقتصادية التي انقذت هذه المدينة المسترخية على البحر الاحمر من فترة كساد سياحي في شتاء بارد، ولفت نظري ان جميع من حظر القمة كان متعاطفا مع الشعب التونسي وانتفاضته، رغم ماحصل بعد زوال حاكمها الديكتاتور زين العابدين بن علي من احداث مؤسفة.
واخذ جميع الذين قابلتهم وسمعتهم وقرات كتاباتهم، يتفقون على تفسير واحد لما حصل، فالسلب والنهب من اعمال حرس القصر الرئاسي، والفوضى من تدبير بقايا رجاله، والعنف تم تحت اشراف قائد امنه، ولم يطعن احد بذلك.. او يشكك.. ولم يظهر اي صوت، ولو بخجل، لتبرئة بن علي.. او الدفاع عنه.
وقد اخذتني تلك الحوارات التي عشتها في شرم الشيخ الى حوارات عشتها في عمان بداية عام 2004م، حيث كنت احد المشاركين في مؤتمر لحماية الصحفيين استضافته الاردن، وكان الصوت العربي يوصينا بالوقوف مع رجال المقاومة الذين كانوا يفجرون المدارس والمستشفيات، ويقتلون الابرياء، ويخطفون الرجال والنساء والاطفال، وينشرون الفوضى في البلاد، لكن كل من شاركوا في هذا المؤتمر كانوا ينحنون اجلالا للعنف الذي لايرضون ان نسميه ارهابا.
وعانينا ماعانينا من سرد الحجج الدامغة، والبراهين القاطعة، واحيانا نحمل معنا صورا وتسجيلات لتلك الجرائم، كي نثبت لمثقفي امتنا المجيدة ان الجناة ارهابيون توافقت مصالحهم مع بقايا اعتى مؤسسة قمعية سحقت العراق ودمرت شبعه، لكنهم يصرون على بدائة النظام الساقط من اي جريمة سابقة، او لاحقة وان الشعب العراقي هو السبب.
ظلم في وضح النهار لشعب عاش لثلاثة عقود حطبا لنيران ابشع نظام ديكتاتوري عرفته المنطقة، وعدة سنوات يعاني الارهاب والعنف الممنهج دون ان يجد من ينصفه بقول الحقيقة، وقد تكشفت تلك الاوراق في تعاطي الاعلام العربي مع ملف شهد احداث مماثلة نسبيا في تونس.
رغم انني اجد ان من الظلم مقارنة بن علي بصدام ، فقد خلف زين العابدين بن علي بعد رحيله بلادا خضراء بسياحتها ومعالمها وتقاليدها الحضارية، وخلف صدام برحيله مقابر جماعية لاحياء ازهقت ارواحهم دون ذنب او بسبب ارائهم السياسية، وخلف بن علي اقتصاد متعافيا يبلغ مستويات جيدة في النمو، بينما خلف صدام واقتصادا محطما مثقلا بديون فلكية وعملة منهارة، وخلف بن علي مؤسسات استطاعت الامساك بناصية الحكم من بعده، لكن صدام لم يخلف الا جيشا مهشما، وشعبا منكسرا ومدنا متوجعة.
ورغم كل ذلك ففي السقوط الاول وقف الاكثرية للدفاع عن الديكتاتور الذي اختار الهروب والتخفي داخل الحفر والانفاق في القرى النائية بعد ان ورط شعبه وجيشه بحرب خاسرة، ولم بكلف احدهم نفسه بأن يسمع صوت ملايين العراقيين بل كانوا يبحثون عن اي تسجيل صوتي للطاغية كي ينعش امالهم المريضة، لكن السقوط التونسي جاء بارادة الديكتاتور مجنبا ابناء شعبه كارثة محققة وكان الجميع ينصت للتونسيين ويعيش همومهم التي ستكون عديمة المعنى اذا قورنت بهموم العراقيين واوجاعهم التي فاقت كل الاوصاف.
بقي ان نعلم ان هناك الكثير من الشعوب العربية تحب العراق شعبا وحضارة ودولة لكن مصالح القوى المتحكمة في الاعلام والسياسة تفضل عراقا ضعيفا هامشيا.. على عراق قوي متعافي كونه يمتلك مقومات فريدة للقوة لاتوجد لدى سائر من يبخسون حقنا ويضلموننا في الرياضة او السياسة او في سائر المجالات الاخرى فالحكم عبد الرحمن القطري لايشبه بالتأكيد الجماهير العربية التي وقفت لتشجيع منتخبنا الى آخر دقيقة من المباراة

 

قمة بغداد


الزيارة التي قام بها الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى الى بغداد، تاتي في اطار استكمال متطلبات اقامة القمة العربية الثالثة والعشرين في بغداد، ووسط تردد بعض الاطراف العربية، اعلنت اطراف عربية مهمة بينها مصر، والكويت، والاردن حرصها على اقامة القمة في بغداد.
لذلك نحن مطالبون بان نتمسك بعقد القمة في مكانها وزمانها المحددين، وعدم القبول بأي حل بديل، وان نعمل على خلق تطمينات للقادة والزعماء العرب من خلال اساليب ووسائل سياسية واعلامية منها تشكيل الوفود وفتح ابواب المصالح المتبادلة، وخلق بيئة جاذبة.
والقمة العربية الثالثة والعشرون هي القمة الثالثة التي يستضيفها العراق، منذ اول قمة عربية عقدت في انشاص عام 1946م، حيث استضافت بغداد القمة التاسعة التي جرت في تشرين الثاني 1978م وكانت قمة اعتيادية جاءت وسط تقارب مفاجيء بين العراق وسوريا، وكرست اعمال القمة لابعاد مصر من الجامعة العربية عقب زيارة السادات للقدس، ولكن اعقبتها تغييرات مفاجئة بالغة الخطورة.
والقمة العربية الثانية التي استضافها العراق هي قمة طارئة عقدت في مايس 1990م وكرست لتطورات القضية الفلسطينية والبحث عن دور اكبر للعراق في المنطقة بعد انهاء حرب الثماني سنوات، لكن ماحصل بعد هذه القمة هو دوامة من المتاهات التي شلت العمل العربي المشترك واحدثت انشقاقا عميقا لازالت آثاره قائمة.
ونحن على ابواب القمة الثالثة التي ستستضيفها بغداد وسيكون للعراق وجه آخر فهو مختلف عن عراق الامس فالسياسة العراقية اليوم يحكمها الانفتاح والعقلانية بعيدا عن التحجر الايديولوجي الذي كان قائما لعقود طويلة، والعراق اليوم هو عامل تقارب بين الدول العربية، ومرتكز مهم لتجميع جزيئيات التشظي العربي، كون السياسة الداخلية والخارجية للعراق هي سياسة واضحة الملامح، قائمة على عدم التدخل و على احترام الاعراف والمواثيق الدولية، خصوصيات الدول الاخرى. وبعيدا عن تعقيدات وصعوبة الملفات السياسية التي ستناقشها قمة بغداد الثالثة، ومنها قضايا تخص اصلاح الجامعة العربية ذاتها، فأنه علينا ان نتعامل مع هذا الحدث وفق رؤية عراقية، وان نستثمر التواجد العربي المكثف في بغداد لنحقق نصرا اعلاميا كبيرا، وعلينا ان نعترف ان الاهمية الاعلامية للقمة العربية تفوق الاهمية السياسية لها.
ان اقامة القمة الثالثة والعشرين في بغداد فرصة نادرة يجب ان لانفرط بها وان نستغلها باقصى مايمكن، كون الحدث سيجعل العالم اجمع يتطلع الى العراق، بقادته، وسياساته، وشعبه، ويجعل عدسات الكاميرات، واقمار الاتصال، واقلام رجال الصحافة مركزة حول تحليل التجربة العراقية التي خاضت مراحل مختلفة، ووصلت الى قيادة العمل العربي من خلال ترؤس القمة العربية.
يجب مضاعفة الاهتمام بالمراسيم وطريقة الاستقبال بشكل كبير جدا لانها تمثل جزءا من هيبة الدولة واستعراض قوتها، كي تلمس الوفود العربية والاجنبية في بغداد وجها حضاريا يبهرهم بحسن الضيافة، وسعة الصدر، ودقة التنظيم، وروعة المكان، ووحدة الشعب، وحنكة القادة، وليس معيبا ان نعتمد على الخبرة الخارجية، فقمة سيرت في ليبيا تمت بمجملها بتنظيم شركة تركية متخصصة في اقامة المؤتمرات، وحققت نجاحا كبيرا.
ويجب على قادة الكتل السياسية العراقية وزعماء الاحزاب ان يعملوا منذ الان على توحيد خطابهم السياسي، ومخاطبة الاشقاء العرب بثقة عالية بالنفس، وبلغة جديدة تقوم على التأثير لا التاثر، ليعرف العالم العربي ان السياسة الخارجية للعراق لاتقل قوة وتاثيرا عن سياسته الداخلية التي تخطت المراحل الصعبة بكفاءة، وان النجاح الذي تحقق بحسم الملفات المعقدة عراقيا يمكن ان يتحقق عربيا، ويثبت قادة العراق انهم جزء فاعل ومؤثر ضمن منظومة العمل العربي المشترك.
وعلى الوزارات كافة ان تمارس دورها المساند للوزارات والدوائر التي يقع على عاتقها تنظيم القمة والدعم اللوجستي والامني، فعلى وزارات الثقافة، والسياحة، والتربية، والتعليم العالي، والشباب والرياضة ان تستثمر حدثا مثل هذا، وتقوم بتنظيم تجمعات شبابية عربية في العراق واستضافة اعلاميين وكتاب عرب، ورياضيين وان يتم اصدار مطبوعات فاخرة عن العراق وحضاراته وتاريخه وتجربته وانجازات شعبه، وعلى سفاراتنا في الدول العربية ان تعمل بقوة لفتح الجسور مع الاشقاء العرب وابتكار صيغ وقنوات للحوار وبناء الثقة وتبادل المصالح مع الدول العربية.
وبقي علينا ونحن نتعاطى اعلاميا مع القمة العربية المرتقبة ان نتذكر قول المتنبي "وتصغر في عين العظيم العظائم" لا وفق قوله "و تكبر في عين الصغير صغارها" لاننا بلد عظيم وشعب عظيم ويجب ان نتعامل مع الحدث بانه استحقاق نحن اهل له ونحن كذلك بعون الله

 

إنفجار الاسكندرية

العدد ( 621)الثلاثاء 4/1/2011


انفجار السيارة المفخخة امام كنيسة القديسين في الاسكندرية ليلة رأس السنة حدث هز مصر من شرقها الى غربها ومن شمالها الى جنوبها، وجعل الشارع المصري يعيش رعبا لم نراه عليه من قبل، فالحدث لم يكن انفجارا عاديا مثلما كان يحصل في العراق وسط جدل بشان شرعية العنف من عدمها، ليكون خبرا ثانويا ربما تكبر اهميته بضخامة ضحاياه لكنه في مصر امر مختلف جدا.
فالحادث اثار شيء من الخوف من المجهول القادم، والحادث كشف ان هناك خرقا امنيا جديا يجب على الجميع تداركه قبل ان يتطور الامر وتحل الكارثة، وكذلك فأن هذا الحدث يحمل نوايا بث الفتنة بين المسلمين وبين المسيحيين الاقباط، الذين يشكلون نسبة حوالي 10 بالمئة من مجموع الشعب المصري.
ففي خلال اليومين الاخيرين اهتزت وجدان المصريين، واخذ الجميع يعبر عن مشاعر الغضب والاستياء ابتداء من رئيس الجمهورية ونزولا الى ابسط مواطن مصري، بما فيها صحف المعارضة، والصحف المستقلة التي ركزت على الوحدة الوطنية، ولم تستغل الحادث لتوجيه اللوم او النقد للحكومة، بل كان الشيء السائد هو تعزيز الروح الوطنية، وتوحيد الصفوف لاحتواء الازمة.
الصحف المصرية تناولت الحادث بعمق، ودخلت في تفاصيله الى حد كبير، فأخذت تروي قصص الضحايا وكيف جاءوا الى الكنيسة، او مروا من امامها، وحولتهم الى نجوم اعلامية تتناقلها وسائل الاعلام المختلفة، وهذا عاد بي الى التفجيرات الاجرامية المهولة التي حصلت في بغداد وخلفت عشرات القصص الدرامية التي لم تشغل او تهم بعض وسائل الاعلام العراقية، اكثر مما يشغلها توجيه النقد الجارح الى القوى الامنية والجهد الحكومي.
وتسابق كتاب الراي الى طرح افكارهم التي تندد بالارهاب والفتنة وتحاول الخروج من تداعياتها وقد استوقفني الكاتب سمير فريد الذي انتقد قناة الجزيرة وغيرها من القنوات التي قال انها غسلت ادمغة المصريين والعرب، وانها منذ عشر سنوات تردد باصرار عبارة مايسمى بالارهاب ولاتصرح بوجود الارهاب، وشبه الكاتب ماحصل بالاسكندرية بما يحصل في العراق مطالبا بايجاد تعريف دولي للارهاب.
ومن الملفت ايضا هو قيام القنوات الخاصة والمستقلة بحملات منظمة لدعم الحكومة، وتوحيد الصف، من خلال فواصل تلفزيونية، وبرامج خاصة، واعلانات، وهذا يذكرني بالجهد الانفعالي الذي تقوم به قنوات عراقية معروفة تستغل كوارثنا ومصائبنا كي تنال من الحكومة ومن وزرائها ورجال امنها.
وكذلك كانت مواقف الفنانين المصريين واضحة ومسؤولة، حيث تسابق نجوم السينما والتلفزيون والاعلام الى التصريحات لدعم الوحدة الوطنية، وتطويق الازمة، فقد وصف الفنان عادل امام العمل الارهابي الذي استهدف كنيسة القديسين بالمخزي والجبان، اما وحيد حامد السيناريست المشهور فقد وصفه بالماساة الانسانية، ودعت الفنانة داليا البحيري الى انتاج اعمال سينمائية لتدعيم الوحدة الوطنية.
وقد سبق الفنانون رجال الدين الى الظهور بقوة لتطويق اي ازمة محتملة ربما تؤدي الى ما لايحمد عقباه ولكن اهم ماقاله شيخ الازهر الدكتور احمد الطيب "ان الجريمة تستهدف ضرب مصر وتحويلها الى عراق آخر"، فللاسف اصبحنا مضرب الامثال في الازمات والكوارث ومن المفترض ان نكون قدوة للدول والشعوب!
كما وجه الطيب النقد الى بابا الفاتيكان ردا على دعوته دول العالم الغربي الى حماية المسيحيين واعتبرها الطيب تدخلا في شؤون مصر، وهذا الشيء الذي لم يفعله احد منا بل العكس هناك من بيننا من يرحب بالدعوات الخارجية التي تحاول التدخل في شؤوننا، بل البعض يرتمي باحضان الاخر مستجديا العطف والدعم المالي.
ان تفجير بدائي بسيط امام كنيسة في الاسكندرية خلق حالة من الهلع والرعب لم تشهدها مصر، وخلق شيء من الاحتقان الديني ندعو الله ان ينتهي بسلام، رغم ان الجميع يقف صفا واحدا لتطويق الازمة.
ولكن كيف لنا وقد حدثت مئات التفجيرات الاشد وطاة في بغداد والموصل والبصرة وبابل وديالى والانبار وسائر مدن العراق، وبعد كل تفجير تتعالى الاصوات المثيرة للفتنة والمنتقدة لاداء الحكومة وفي احيان كثيرة يكون البرلمان مصدر هذه الاصوات، وتكون بعض القوى السياسية مصدر هذه الاصوات

سنوات النوم وعام الاستيقاض

العدد ( 616)الثلاثاء 28/12/2010


بعد ايام قلائل سينتهي العقد الاول من القرن الحادي والعشرين، ويبدا عقد جديد ربما يكون محملا باحداث ومفاجآت يصرح بها الفلكيون وينتظرها الناس بقلق وشوق، فقد تعودت الامم المقهورة ان تنتظر التغيير الكبير الذي يقلب المعادلة وينصر الحق على الباطل، في مجتمع مليء بالتناقضات والغرائب، وتعودنا في العراق مع اطلالة كل عام ان ننتظر التغيير ونتطلع الى عالم جديد يحمل معه ماينصفنا ويضعنا في موقعنا المتميز بين الامم والشعوب.
ففي الوقت الذي كنا فيه ندور في فلك الحروب الطاحنة كان العالم يشهد اهم تحولاته حيث شهد التاريخ في أخر كانون الاول ومع بداية العقد الاخير من القرن العشرين واقتراب الالفية، سقوط نظام تشاوشيسكو في رومانيا، ثم انهيار حلف وارشو، وتفكك المنظومة الشيوعية، وسقوط جدار برلين، وبروز عالم متعدد الاقطاب ثم احادي القطبية، والجدير بالاشارة ان ابرز تلك الاحداث حصلت في ايام مشابهه من كانون الاول.
ففي الربع الاخير من القرن العشرين شهد العالم تحولات هائلة افرزت دولا جديدة والغت دولا اخرى، فقد اختفى الاتحاد السوفيتي من خارطة الدنيا، مثلما انتهت يوغسلافيا، والمانيا الشرقية، وتشيكوسلوفاكيا، وغيرها وظهرت دول اخرى مثل كرواتيا، وصربيا، واوكرانيا، وجمهوريات البلطيق، وغيرها من الدول التي استوعبها ما اسماه الرئيس الامريكي جورج بوش الاب بالنظام الدولي الجديد الذي وصفه فرنسيس فوكو ياما بنهاية التاريخ.
ولكن ربما كان هناك المزيد من الوقت قبل ان ينتهي التاريخ، فقد شهد العالم صراعا حضاريا غذته مطامع شخصية، وولاءات اثنية، ونظرة ضيقة ادت الى صعود اليمين وافول بريق اليسار، فشهد العالم صراعات في البوسنة، والبلقان، والشيشان، وافغانستان، قبل ان تنتقل الى السودان والعراق، ثم تتناثر شظاياها الى سائر دول المنطقة التي كانت ترغب في بناء نظم علمانية عسكرية شمولية.
وهانحن على اعتاب عام جديد وعقد جديد نكون قد اجتزنا مرحلة زمنية مهمة بلغت فيها تكنولوجيا الاتصالات الرقمية حدا فاق التصور مع تحقق حلم التقاء النظم التلفزيونية بنظم الاتصالات، وتحول الاقمار الصناعية الى اهم ادوات ادارة العالم و حضارته المعتمدة بشكل كبير على نقل العلومات بسرعة فائقة.
عالمنا الجديد تغيرت فيه كثيرا عوامل القوة ولم يعد لعامل السكان والمساحة والعمق الاستراتيجي والجيوبولتيك اي شأن يذكر، بقدر ما صار لطريقة ادارة الاموال، وجني الارباح وتوظيفها واتقان لعبة الاعلام والاتصال الاثر الاكبير في خلق عوامل القوة للدول، فقطر التي لاترى على الخريطة الا من خلال عدسات مكبرة او شاشات قناة الجزيرة خطفت المونديال من الولايات المتحدة وغيرت معادلات القوة.
ومثلما تغيرت مواصفات الدول تغيرت مواصفات الزعيم ففي عالمنا الجديد تحول القادة والزعماء الى اشبه بالمدراء، فلم تعد مواصفات الزعيم مثلما كانت سابقا، فقد ضاعت هيبة برجنيف، وبروس تيتو، وشارل ديغول، امام زعماء الكاجوال ساركوزي، وبوتين، وميدفيدف، وباراك اوباما، وقد تحول رؤساء الدول الى مايشبه بمدراء الفنادق الذين لايهمهم شيئا سوى الكسب عبر اخلاق سياحية، دون ان يكون لهم موقف صارم او سياسة واضحة او كاريزما ساحرة للجماهير.
في عالمنا المعاصر صار لزوما على الانسان ان يتفاعل مع التكنولوجيا، وصار لزوما على السياسي ان يترك التنظيرات والتخيلات ويدخل السياسة من نافذة الاقتصاد، فقد تعقدت الدنيا وتنوعت مصادر ومتطلبات البقاء على قيد الحضارة، وباتت الحياة اكثر كلفة من اي وقت سابق، وبذلك انكمشت الافكار الطليقة لصالح النظريات التجريبية المعروفة النتائج، وخفت بريق دعوى الاصلاح الروحي لصالح الاصلاح الاقتصادي.
ونحن في العراق تعودنا ان نلغي حسابات الزمن من تصوراتنا بعد دخولنا سنوات الحرب الاولى اول عقد الثمانينات من القرن الماضي، لنعقبها بحرب ثانية، وثالثة، قضت على كل مانمتلك من بوادر للتامل واعادة انتاج الحياة بشكلها وطعمها العراقي الذي غاب منذ ان حضرت اصوات القنابل ورائحة البارود.
نحن اليوم نودع عقدا زمنيا مفصليا حمل لنا التغيير وجاء بتحولات كبيرة لم نتمكن من استثمارها بشكل صحيح، وبدل ان نتمكن من تحويل الازمات الى فرص حولنا الفرص الى ازمات، فتحملنا اثم تخلف بلادنا عن ركب التطور في عالمنا المحيط بنا، لاننا لم نكن نجيد سوى العنف صناعة والكلام بضاعة.
فبعد ايام نكون قد دخلنا العقد الميلادي الثاني في الالفية الثالثة، وسيكون لزوما علينا ان نراجع طريقة تعاطينا مع مايحيط بنا، ومع البيئة التكنولوجية والعملية التي نحن بامس الحاجة الى ايجاد طرق جديدة للتفاعل معها، ويجب ان تكون بعيدة كل البعد عن طريقتنا في التفكير التي تقوم على قاعدة اننا نفهم في كل شيء في الوقت الذي نجهل مايجري من حولنا.
ومع وقع خطى الحقبة الزمنية الجديدة علينا ان نودع النوم، واعوام النوم، وثقافة النوم، ونتطلع الى ثقافة الاستيقاض، ونجعل من العام الجديد عام الاستيقاض، لاسيما وقد تصادف مع انطلاق حكومتنا الجديدة، لنلحق بركب العالم المتغير الذي يقوم على افكار اخرى ترتكز على تنمية قدرات الانسان الفرد قبل البدء باي شيء آخر

 

اعطوني خبزا.. او رصاصا

العدد ( 607)الاثنين 13/12/2010

عباس عبود سالم

(اعطوني خبزا او رصاصا) هي مقولة خالدة اطلقها الجنرال الامريكي دوغلاس ماكارثر ضمن رسالة شهيرة وجهها الى الكونغرس الامريكي منتصف القرن الماضي يطلب فيها انقاذ الوضع في اليابان، ويقصد اما ان يرسلوا اليه تعزيزات عسكرية كبيرة تمكنه من السيطرة على الوضع المتازم، او يوافق الكونغرس على تمويل برنامج لبناء اليابان واصلاح اقتصادها شبيه بمشروع مارشال في بناء اوربا.

 وارثر من بين اهم جنرالات الولايات المتحدة عبر تاريخها العسكري، وقد تراس قمة القيادة في اليابان لست سنوات بعد سقوط طوكيو بيد قوات الحلفاء، وعمل على قيادة الاصلاحات فيها كما انه اسهم في كتابة دستورها الجديد بعد ان مارس ضغوطا على الامبراطور هيرو هيتو.

وبالخبز او بالرصاص تمكن ارثر من نزع صفة القداسة والالوهية عن هيتو وتطويع رجال الساموراي لتحويلهم الى ادوات ديموقراطية فاعلة تنظر الى العالم من نافذة الاقتصاد وتحقق معجزات اذهلت الدنيا، لتكون قدوة لدول اخرى في جنوب شرق آسيا نجحت في استنساخ التجربة اليابانية التي نمت بالخبز لا بالرصاص، وتحولت الى نموذج ديموقراطي يتمتع بخصوصيات تختلف عن النظم السائدة في الغرب.

 وفي العراق سعى الشعب منذ عقود طويلة الى الحرية والديموقراطية والعدالة الاجتماعية، فعندما جاء حسين الرحال من المانيا يحمل معه بذور الفكر الاشتراكي التف حوله الناس وهم ينشدون العدالة الاجتماعية والحرية، وعندما قام يوسف سلمان ومجموعة من كادحي الناصرية وعدد من مدن العراق بتاسيس اولى الخلايا الشيوعية في الشرق الاوسط استقطب ذلك التحرك الكثير من الراغبين بعراق اكثر حرية وعدالة.

ولم تتوقف مطالبة الشعب العراقي بحريته واستقلاله بل امتدت وتوسعت مع مشاركة علماء الدين فقد عمل كل من الشيخ محمد رضا المظفر والسيد مهدي الحكيم والسيد محمد باقر الصدر والسيد محمد صادق القاموسي والسيد مرتضى العسكري على انضاج فكرة الدعوة التي مثلت انعطافا كبيرا لدى جيل الستينات والسبعينات والاجيال اللاحقة.

 لتمتد الدعوة الى الاصلاح الى مرحلة اخرى اقترنت بالنضال العلني ضد ديكتاتورية صدام حسين التي سخرت امكانات الدولة لمعادات الحركات الاصلاحية والابتعاد عن الشعب وتطلعاته الى بلوغ الحرية والعدالة الاجتماعية.

والجدير بالملاحظة ان الحركات الاصلاحية في العراق سواء الماركسية او الاسلامية اختارت ان تعمل على تغير الثقافة السياسية قبل ان تبادر الى تغيير راس الحكم، الا حزب البعث الذي جعل قمة السلطة هدفه الذي سخر له كل الوسائل التي ترفعت عنها الاحزاب التقليدية في العراق مثل التحالف مع قوى خارجية، والتآمر على الحلفاء، وتصفية الخصوم جسديا.

 ومن سوء حظ الشعب ان البعث تمكن من القبض على مقاليد الحكم دون ان يكون له مشروع اصلاحي حقيقي اكثر من بلوغ السلطة، في بلاد تكون فيها لغة الرصاص هي الاقوى وكان رجال الجيش وحدهم هم من يستطيع التغيير، لانهم من يقدر على اطلاق الرصاص، او حبس الخبز عن سائر الناس.

  واختلت معادلة الخبز والرصاص في العراق وبلغت ذروتها في اوقات شح فيها الخبز وتضخم فيها الرصاص، فبعد عقود من المعاناة والصبر والعمل والنضال عاد العراق الى وضعه الطبيعي وتحرر من قبضة البعث القاسية، ولكن بدل ان يدخل العراق عهدا تنويريا حضاريا تسود فيه الحرية والعدالة الاجتماعية ويتحقق حلم قادة الاصلاح دخل الى المعادلة متغير آخر افسد الحلم.

  فقد فشل بول بريمر في تكرار تجربة ماك ارثر وصناعة عراق جديد، لان الاول بخبرته الطويلة ببواطن البلاد الاسيوية قرر الاستفادة من اهمية وجود الامبراطور، ومن وجود تقاليد بروقراطية ادارية رصينة تميزت بها بلاد الشمس المشرقة فجعلها اداة ناجحة لدولة جديدة، لكن الثاني بجهله بالعراق وتناقضات المنطقة حاول بناء دولة جديدة دون اساس واقعي، فاهمل كل شيء والغى كل شيء وحاول بناء ديموقراطية تتغذى على الشعارات.

واليوم بعد ان اشتد عود رجال العراق وورثة الاباء المصلحين في الاتجاهات اليسارية واليمينية والاسلامية علينا الانتباه جيدا الى ان دولتنا ستكون في خطر شديد لو اننا اهملنا معادلة الخبز او الرصاص.

فالشعب بحاجة الى مزيد من الخبز والاعداء بحاجة الى مزيد من الرصاص يردعهم ويمنعهم عن التفكير بايذاء العراق وافشال تجربته التنويرية التي هي بامس الحاجة الى ان تكون نهاية الحلم وبداية العمل الذي من المفترض ان يعطي لكل ذي حق حقه.

 

 

مونديال قطر

العدد ( 603)الاثنين 6/12/2010

في الوقت الذي ضاعت فيه آمال جماهير الكرة العراقية لفشل منتخبنا الوطني في الحصول على بطاقة المباراة النهائية لخليجي 20 كانت شعوب الخليج العربي و الشرق الاوسط والعالم اجمع قد تلقت مفاجئة او معجزة عبر الشاشات المرتبطة بمقر الاتحاد الدولي لكرة القدم في زيورخ.

فقد اعلن جوزيف بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الفيفا عن فوز قطر بتنظيم مونديال 2022م بعد تغلبها على الولايات المتحدة الامريكية، واستراليا، واليابان، وكوريا الجنوبية لتعم الاحتفالات هذه الامارة الصغيرة التي تعد ثالث منتج للغاز في العالم.

قطر بعد فوزها الهائل دخلت التاريخ ليس من مجاله الرياضي، بل من اوسع مجالاته، فقد انتصرت على دول تفوقها في جميع المقومات، ولكن في النهاية من صافح جوزيف بلاتر ونال الشرف العالمي الرفيع هو الشيخ حمد وليس باراك اوباما الذي فقد هدوئه المعتاد ليوجه انتقادات لاذعه لقرار الفيفا.

وبعيدا عن عبارات الفرح او المجاملة التقليدية التي اتخمت وسائل الاعلام العربية والخليجية على اعتبار ان قطر تمثل الشرق الاوسط، علينا كعراقيين جميعا ان نراجع انفسنا وأن ننسى الشعارات التي تتكسر عند صخرة البحث على المناصب، ومايسمى بالاستحقاقات التي تزيد يوما بعد آخر، علينا ان نراجع انفسنا ونعرف مايجري حولنا، فهل السياسة لدينا تخدم المصالح العامة للبلاد وهل مازلنا نعتقد اننا افضل الجميع.

فمنذ مطلع القرن العشرين وقيام الدول الحديثة في المنطقة برز العراق مع سوريا ومصر كدول تحتكم على كل المقومات، وتسعى لمواكبة التقدم والتنمية العالمية عبر الانظمة الليبرالية التقليدية التي كانت تحكمها وحتى بعد قيام حركات التحرر وانطلاق الثورات التي تبنت الفكر الاشتراكي.

في حين بقيت دول وامارات الخليج في خانة ماكان يسمى الرجعية العربية في نظر القوى الثورية آنذاك لكن في الحقيقة تكسرت رومانسية الثوار، وانتصرت عقلية التجار الذين كانوا ومازالوا يحكمون تلك الامارات والمشايخ بديكتاتورية ابوية قل نظيرها، لكنها الديكتاتورية الاكثر مقبولية لدى العالم الديموقراطي ولدى المنطقة.

ففي الوقت الذي يقف الفيفا حجر عثرة امام الحكومة العراقية في سعيها لتنظيم البيت الكروي العراقي، ويتفنن في توجيه العقوبات تلو العقوبات ضد العراق، فأن الفيفا يقف باجلال امام المشيخة القطرية التي تتزعم الاتحاد الاسيوي لكرة القدم منذ ازل، دون الانبهار بديموقراطية العراق، او النفور من ديكتاتورية قطر.

 

فامير قطر الشيخ حمد يتمتع هو وزوجته الشيخة موزة بنت المسند بمقبولية عالمية كبيرة رغم انه لم ياتي عن طريق ملحمة انتخابية، او نتيجة زحف مليوني، او عملية سياسية، او محاصصة عادلة، بل الرجل لم يفعل اكثر من الانقلاب على والده الشيخ خليفة، لكنه عرف من اين تؤكل الكتف، وعرف ان الاقتصاد والمال اساس النظام العالمي القائم، وعرف كيف يصرف الاموال ومتى ولماذا.

فالامير في قطر لايمتلك برلمانا يحاسبه على الصغيرة والكبيرة، ولا هيئة رقابة، او نزاهة تدقق في تواقيعه وتعد عليه انفاسه، ولا مدة تنتهي ليترك الحكم لغيره، اما رئيس الوزراء لدينا فعليه ان يرضي جميع الاحزاب، وجميع المكونات، وجميع القوميات، وجميع الطوائف، وجميع الشرائح، وجميع الدول المجاورة، والدول المؤثرة، والا فأنه سيتعرض لعراقيل وعقبات لاحصر لها، فلا يكفيه انه حقق النسبة الاعلى من الاصوات من خلال الانتخابات، او انه الاكفا، او الاقدر، او الاشرف.

 لكن الشيخ حمد بعد ان تمكن من اقصاء والده اصبح يحلم ليلا ثم يحقق حلمه نهارا، طالما يمتلك مفاتيح المال الوفير، والشيخ عرف جيدا انه بالمال يستطيع شراء كل شيء، وبهذه الطريقة تمكن من تحقيق انجازات كبيرة وضعت امارته في مصاف التجارب التنموية المتقدمة في العالم، ووفر لشعبه مستوى متقدم من الرفاهية وجعل العالم الديموقراطي برمته يقف له باجلال واحترام.

فقد احتضن بقايا بي بي سي العربي ليصهرها في بوتقة جديدة تكونت منها قناة الجزيرة الفضائية التي توسعت الى قنوات مختلفة ضمن مؤسسة واحدة كانت الرياضية منها لاتقل اهمية عن السياسية، واصبحت تؤثر في الشارع العربي بشكل ملفت.

 وامتدت استثماراته حتى تمكن من شراء محلات هارودز الشهيرة في لندن، وشراء اسهم الكثير من شركات السيارات، والمصانع والماركات العالمية المرموقة، وكذلك جعل من امارته موقعا لتنظيم المؤتمرات الدولية والبطولات الرياضية العالمية، مثل كاس العالم للشباب، والبطولة الاسيوية، وبطولات رالي السيارات، والعاب القوى، والتنس، والطيران الشراعي وغيرها.

فقطر التي عملت على تحويل نقاط ضعفها الى نقاط قوة وعرفت الطريق الى العالمية تمكنت من تحقيق امر كان الى وقت قريب يحسب من الخيال وانتصرت على الولايات المتحدة التي لايمكن لعاقل ان يعقد مقارنة بينها وبين الامارة الصغيرة.

لكن العاقل من يعقد مقارنة بين التجربة القطرية في تلميع ديكتاتوريتها الناعمة، وتجربة العراق في التعاطي مع ديموقراطيته الوليدة، فمبروك لقطر التي اثبتت انه ليس بالديموقراطية تعيش الدول، وحظا اوفر لنا كعراقيين في نيل مانستحقه، اكبر من الديموقراطية التي كانت الى وقت قريب تعد اعظم هدية ممكن ان تنالها الشعوب.

 

 

عهد جديد للعراق

العدد ( 598)الاثنين  29/11/2010


اختار رئيس الجمهورية جلال طالباني يوم 25 تشرين الثاني ليكلف رئيس الوزراء نوري المالكي لولاية جديدة، وسبب اختيار الرئيس لهذا اليوم الذي يسبق انتهاء المدة الدستورية بيوم واحد هو اعطاء مساحة زمنية اكبر لرئيس الوزراء في اختيار حكومته التي يتطلع اليها العالم كله من مشرقه الى مغربه.
ومن حسن الصدف ان هذا التاريخ تصادف مع الاحتفال بعيد الغدير فكان مصادفة حسنة عادت بنا الى اليوم الذي اختاره الملك فيصل الاول مؤسس الدولة العراقية الحديثة ليكون موعدا لتتويجه بعد اختياره للعرش، فقد قرر الملك في حينها ان يكون موعد تتويجه هو عيد الغدير من ذلك العام، والذي صادف 23 آب 1921م واصبح عيدا لتأسيس المملكة، بل الدولة العراقية الحديثة التي شقت طريقها بقوة لتكون في مقدمة دول الشرق الاوسط سعيا للحداثة والتطور.
وتميز العهد الملكي بكونه عهدا ليبراليا انتج عشرات الساسة من ابناء المدن العراقية والمتخرجين من كليات الحقوق والحربية في بغداد وبريطانيا وتركيا ليمزجوا بين مدرستين متعارضتين في الادارة والحكم هما التركية والانكليزية، فكانت المدرسة العراقية التي مزجت الباشوات بالافندية تاسست لتقف في الوسط بين صرامة الاتراك ودقة وهدوء الانكليز.
لكن العهد الجمهوري القادم بقوة وعنف انتج قادة جدد من ابناء القرى المنخرطين في الجيش العراقي والطامحين لولوج السياسة عبر المؤسسة العسكرية وهو ماكان يتساوق مع المد القومي واليساري في اعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية، ومثل ذلك ذروة التدخل الخارجي في السياسة الداخلية العراقية والذي كان يتم عبر تمويل ودعم الانقلابات العسكرية.
ومن بين تناقضات ذلك خرج العهد الصدامي الذي اختلف عن ماسبقته من عهود كونه رسخ شخصا واحدا كان جل هدفه هو ايقاف ماكنة الانقلابات العسكرية التي ميزت العراق منذ قيام جمهوريته، فالغى الانتماء المؤسسي لطبقة الساسة، ولم يعد هناك دور لما انتجته جامعات العراق وبريطانيا وغيرها، ولا ما انتجته المؤسسة العسكرية التقليدية، لصالح ماتنتجه المؤسسة الحزبية او المناطقية او الطائفية لترسيخ اختزال الولاء نحو شخص واحد.
اجهد صدام قدرات وامكانيات وكفاءات الدولة للحفاظ على بقائه في الحكم، فكان لايمتلك مشروعا للتنمية او البناء، بقدر ماكان يمتلك مشاريع للمشاكسة والشغب والمزاجية السياسية، التي ادت الى الغاء الهوية الوطنية وتلويث الثقافة السياسية للشعب العراقي، وبالتالي تخلفه عن ركب النمو الطبيعي للدول التي كانت تتخلف عنه، مثل كوريا الجنوبية وماليزيا واندنوسيا ودول الخليج العربي.
واليوم يقف جيلا جديدا من السياسيين على تراث سياسي يمتد لقرن من الزمن هو الاعنف والاعقد في المنطقة، وهم امام مسؤولية تدشين عهد عراقي يختلف عن كل العهود التي مر بها عبر تاريخه الحديث، عهدا تكون فيه المهمة اصعب بكثير من اي وقت.
فالسياسة العراقية اليوم تدار باسلوب يختلف عن كل المراحل التي عاشها العراق من ناحية تجزئة السلطة، والسبب هو انفصال السلطة عن القدرة، وظهور مد سياسي كبير يحارب ظهور قائد للعراق بسبب الخوف من شبح الديكتاتورية، بالشكل الذي ادى في بعض الحالات الى شن حملة قاسية ضالمة ضد المالكي لظهور ملامح وكارزما القيادة في شخصيته. فقد ادى شبح الخوف من الديكتاتورية الى تاسيس بيئة قامعة لظهور القيادة التي توارثها العراق منذ ظهور اول اشكال الدولة على ارض سومر وبابل، وابدالها بالنموذج الديموقراطي التوافقي الذي تسير عليه الدولة العراقية بشكلها الحالي، اي الشكل الذي يجعل دولة بحجم منطقة الكرخ تؤثر في مسارات السياسة العراقية الداخلية وربما الخارجية. وقد اشار المالكي في اول مؤتمر صحفي له عقب تكليفه الى صعوبة عمل السلطة التنفيذية اذا لم تتكامل مع التشريعية وبخلافه تتحول الى عمل تصادمي يهدر الجهود ويضيع الفرص ويحبط الجماهير، والمالكي بالطبع ينطلق من تجربة اربع سنوات قضاها في الحكم وسط تحديات لامثيل لها.
لذلك ونحن نتطلع الى تشكيل حكومة المالكي الثانية نكون على يقين من انه سيحقق الكثير في مجال التنمية الادارية والبشرية والبناء ومثلما اجهض الكثير من المشاريع المشبوهة خلال ولايته الاولى عندما حقق انجازات تاريخية فانه قادر بالطبع على حسم ملفات المصالحة والمساءلة وخلق الوفرة والرفاه الاقتصادي وترميم هوية الدولة.
كما سيكون منتظرا من مجلس النواب ان لايكون مزاحما للسلطة التنفيذية في اعمالها وان لاتتكرر مشاهد مؤلمة عشناها ونحن نتابع جلسات مجلس النواب لاسيما التعامل مع السلطة التنفيذية والخطاب الاعلامي وطريقة معالجة الملف الامني وردود الافعال العاطفية غير المدروسة على الاحداث الطارئة.
اذن مع ولاية المالكي الثانية نكون جميعا على اعتاب مرحلة جديدة بامكاننا ان نجعلها محطة للانطلاق نحو التقدم والازدهار لعظم مانتملك من مقومات للقوة، وبامكاننا ان نجعلها سببا للتدهور والتمزق والاختلاف لوجود اسباب وعوامل وتحديات حقيقية كثيرة

 

امل عراقي وسط حزمة تحديات

العدد ( 587)الثلاثاء  9/11/2010


منذ اطلاق ضجة ويكليكس لغاية انعقاد الطاولة المستديرة في اربيل تنفيذا لمبادرة رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني حصلت احداث متلاحقة، كثير منها مرتبط بالعراق من ناحية المصدر، او التنسيق، او التفاعل، او النتائج ..فمن لندن، وواشنطن، والدوحة وعواصم اخرى اطلق مؤسس موقع ويكليكس حملته الاعلامية ليعلن عن نشر 400 الف وثيقة عسكرية سرية اميركية تخص جزء من الوضع في العراق، في سابقة لم يشهدها العالم الذي ترك (برفع الباء) امام اسئلة مشروعة لماذا سربت هذه الوثائق؟ ولماذا بشكل انتقائي؟ وما الهدف منها؟ ولماذا في هذا التوقيت؟ وهل ان الولايات المتحدة لاتملك القدرة على حفظ اسرارها السيادية؟ والمثير في الامر هو دخول قناة الجزيرة على خط ويكليكس.
وفي الوقت الذي اصبحت فيه الدوحة مصدرا للتشهير بالعراق من خلال ماتبثه الجزيرة، انطلق من الرياض صوت مفاجيء مختلف النبرة حيث اعلن الملك عبد الله عن مبادرة تمثلت في توجيه نداء للشعب العراقي، ودعوة للسياسيين للاجتماع في المملكة برعاية الجامعة العربية، والغريب ان هذه المبادرة حظيت بتأييد سريع من دول اقليمية ولم تنل القبول السريع من اصحاب الشأن انفسهم فلدى اربيل مبادرة سبق الاعلان عنها من قبل رئيس اقليم كردستان.
وخلال ذلك حصل تطور لافت فشرطة دبي تكشف من خلال معلومة سربتها المخابرات السعودية ان هناك طردا مفخخا على متن طائرة قادمة من اليمن عبر الدوحة ودبي ومتوجهه الى الولايات المتحدة الاميركية، وبعد لحظات اعلن من لندن ان طائرة اخرى اوقفت لنفس الموضوع، وماهي الا ساعات حتى ذهل العالم من طرود مفخخة في فرنسا وايطاليا والمانيا واليونان التي شهدت انفجارات لطرود مشبوهة اخرى.
وفي اليوم التالي قبل ان تغرب شمس تشرين الاول بنهاية آخر ايامه، صدم العالم اجمع بمجموعة ارهابيين تبين انهم من جنسيات عربية، اقدموا على احتجاز مصلين مسيحيين غالبيتهم من النساء والاطفال داخل كنيسة سيدة النجاة الواقعة في حي الكرادة في بغداد، والاغرب من ذلك ان مطالب الارهابيين تعدت العراق لتشرك قضية اقباط مصر فيها، وانهم اعلنوها من خلال مكتب قناة البغدادية في بغداد ليتم نشر مطالبهم باخبار عاجلة، على شاشة البغدادية التي تبث من القاهرة.
ومرت الدقائق على العالم اجمع بشكل مرعب.. تصبب فيه عرق الناس وهم امام الشاشات! فكيف لصناع القرار.. وكيف لرجال القوات الخاصة العراقية الذين يستعدون لعمل شيء ما.. من حيث اتخاذ القرار وتنفيذه، فربما يخبيء القدر امر اخطر من ذلك، ولكن ماهي الا ساعتين وحسم الامر بعملية خاطفة اسفرت عن قتل الارهابيين وتحرير الرهائن مع سقوط شهداء.
وفي اليوم التالي تبين ماهو اخطر من ذلك فقد كانت بغداد على موعد مع يوم عصيب بتفجيرات متزامنة لسيارات مفخخة وعبوات ناسفة في مختلف مناطقها الآهلة بالسكان، في عملية منسقة بشكل ينذر بخطر كبير، حيث ان تحريك هذا العدد من السيارات وتامين طريقة اتصال وسيطرة وتنسيق لتفجيرها بشكل متزامن يؤكد ان الامر خطير ومرسوم له بعناية، وهو جزء من خطة اكبر شملت كنيسة النجاة وربما لها اجزاء اخرى.
ووسط هذا الحراك اجريت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الاميركي، والتي حقق فيها الجمهوريون فوزا انذر بعودتهم للحكم مجددا خلال انتخابات الرئاسة بعد عامين، وكل الاحداث التي تتابعت والتي شملت عواصم العالم من اليمن الى اثينا ومن القاهرة الى واشنطن ومن لندن الى نيويورك والرياض والدوحة ودبي تدور حول مايحدث في العراق.
وبينما يعاني الراي العام العراقي والعالمي تداعيات الصدمات المتلاحقة، انقسم الساسة العراقيين بين من يعمل على انعقاد جلسة البرلمان في اسرع وقت ممكن لتشكيل الحكومة، والحفاظ على كرامة وسيادة ووحدة العراق، وبين من لايكترث بالامر وهو يعد العدة للسفر الى بيت الله الحرام لاداء مناسك الحج، او التنقل بين عواصم العالم طلبا للدعم، او الراحة، او التجارة، او الاكتفاء باطلاق التصريحات المشاكسة.
ومر على بغداد اسبوعان من الجدل والعمل تنظمت فيهما امور كثيرة، وتوضحت امور اخرى، فحزب الفضيلة اعلن تاييده لتولي رئيس الوزراء نوري المالكي ولاية ثانية، والدكتور الجعفري طالب الجميع بقوة بالاسراع في تشكيل الحكومة، وتجمع الوسط اعلن دعمه للمالكي ثم فعلها رسميا، وكردستان تشهد حركة نشطة لتنظيم طاولة رئيس اقليم كردستان العراق مسعود بارزاني التي عقدت امس، ومن الضروري ان يقوم بقية الشركاء بعمل مماثل لما قام به الفضيلة والوسط لان من شان ذلك ان يحفظ للعراق ارادته في صناعة مصيره وسيادته بعيدا عن لعبة التدخلات الاقليمية والدولية.
وانا هنا لا اريد خلط الاوراق او الربط بين احداث وقعت بشكل متلاحق في اماكن مختلفة، لكني على يقين ان حروب اليوم تعدت المعنى التقليدي طالما الغاية منها تحقيق تحولات او مكاسب سياسية او اقتصادية فالاهداف تتحقق من خلال وسائل اخرى يستخدم فيها الاعلام والعنف والسياسة وتوظيف ماهو سري لخدمة ماهو معلن، وبغداد اريد لها ان تكون مركز هذا النوع من الحروب التي تستفيد منها قوى ودول وجهات خارجية ويخسر فيها العراق بشعبه وحكومته وساسته.
ووسط الكم الهائل من الاسئلة التي تنطلق هذه الاسابيع اود ان اوجه سؤالا مشروعا للساسة العراقيين.. واقول لهم هل تعلمون ان بلادكم تتعرض لاقذر انواع الحروب، فاذا كنتم تعلمون ذلك فعليكم ان تتصرفوا مثل مايتصرف قادة الدول المحاربة وان لاتسيسوا الحرب، وان كنتم لاتعلمون بذلك فكان الله في عون العراق على اعدائه وعليكم

 

النايل سات وتنقية الفضاء العربي

العدد ( 576)الاثنين 25/10/2010


عادت قضية الجدل بشأن حرية التعبير الى الواجهة بعد قرار شركة نايل سات ايقاف بث 12 قناة فضائية، وانذار 20 فضائية اخرى، معللة بان اسباب الغلق تراوحت بين الحظ على الفتنة الطائفية، ومس العقائد والأديان، وإثارة النعرات الطائفية، والترويج للشعوذة والخرافات والإباحية.
وربما يوافقني الكثير ان سلوك بعض القنوات الفضائية تجاوز الحدود بشكل دخل في خانة التخريب، وترسيخ الفتنة، والشقاق داخل المجتمعات، كونها تحولت الى مشاريع تجارية، او سياسية، متجاوزة كونها مؤسسات اعلامية من المفترض ان تتحلى بادني حد من الحياد، او المصداقية.
فرغم اننا جميعا ندعو الى حرية التعبير التي تتوائم مع الخبرة الانسانية في العلوم الانسانية، والتطورات التي يشهدها الاعلام المعاصر، الا ان مايحصل هو امر بعيد عن اخلاقيات الصحافة وضوابط المهنة والغاية من الاعلام، والامثلة كثيرة امامنا ومنها قناة صفا، والزوراء، والرافدين، والمنصور، وغيرها من القنوات التي يقترب عملها من الدعاية اكثر مما هو عمل اعلامي.
وتصاعدت اهمية الاعلام في العالم بعد التحولات التي شهدها مطلع القرن الحالي والتي تعود جذورها الى الربع الاخير من القرن الماضي، حيث اثيرت بشدة مسألة تقزيم الدولة، وتحديد وظائفها لصالح مؤسسات اخرى، مثل الشركات المتعددة الجنسية، ومنظمات المجتمع المدني، والمؤسسات الاخرى، وكان جزءا من مفهوم العولمة الذي شاع مع اكتمال الالفية الثانية.
وعلى هذا الاساس بدا يتغير العالم الى مشهد آخر، شهد اطاحت عشرات الانظمة السياسية، وقيام انظمة اخرى، وفق نظام سياسي دولي مارست فيه الولايات المتحدة والدول الغربية ضغوطا كبيرة على دول اخرى باستخدام وسائل الاعلام ومنها التلفزيون، لاسيما بعد الارتباط التاريخي الهام بين نظم الارسال التلفزيونية ومنظومات الاتصال الفضائي عبر الاقمار الصناعية.
وسمي مفهوم تقزيم الدولة بالريغانية، والتاتشرية، نسبة الى الرئيس الاميركي الاسبق رونالد ريغان، ورئيسة وزراء بريطانيا السابقة مارغريت تاتشر، ورغم ان الريغانية، والتاتشرية، مذاهب سياسية قامت على الاقتصاد بشكل جذري، الا انها افرزت آثار سلبية على المجتمعات، مثل انتشار الاوبئة، والقرصنة، وتجارة المخدرات، والايدز، والارهاب الدولي بمعدلات انذرت بالخطر الكبير ودعت الى اعادة تبني مشروع الدولة من جديد.
وشهدت الاعوام الستة الماضية ارتدادا عن الريغانية والتاتشرية والعودة الى تقوية الدولة وتعزيز وظائفها، فمعالجة الازمة المالية العالمية تم عبر تدخل الدولة في الولايات المتحدة وبريطانيا، ومعالجة قضية حرية التعبير خضع لاجراءات ومعالجات مختلفة كان الهدف منها هو التنظيم وابعاد من يستخدم الاعلام لوظائف اخرى، تتعارض ومفهوم السلم الاجتماعي وامن واستقرار الامم والشعوب.
وخلال الاسبوع الماضي اثيرت هذه المسالة في ندوة تناولت واقع ومستقبل الاعلام العراقي شهدتها اكبر قاعات قسم الاعلام جامعة الكويت، وكنت ضمن فريق جامعة ولاية جورجيا الاميركية المشارك في تنظيم واعداد هذه الندوة التي حضرها عشرات الخبراء واساتذة الاتصال من الجامعات الاميركية والعربية، وقد تم التطرق الى التاثير السلبي للقنوات الفضائية التي مارست التحريض على العنف، وزعزعت الثقة بالحكومة والدولة، وبث الرعب والذعر والاحباط لدى الناس، لا بل تعليمهم صناعة العبوات الناسفة والمتفجرات و(امتاعهم) بمشاهد قتل الاخر.
ولمست من خلال مشاركتي مع الفريق البحثي لجامعة جورجيا ان الكثير من المتخصصين واساتذة الاتصال بدأوا يشعرون بمدى الخطر الكبير الذي تسببه الفوضى الاعلامية، التي تسمح لاصحاب الاجندات الخاصة او الباحثين عن الثراء، او غيرهم ممن لايتحلون بالقيم الاخلاقية بان يخترقوا منظومة الاعراف والقيم والتقاليد، ويمارسوا حالة من الضغط على الجمهور باستخدام الاعلام والتلفزيون على وجه التحديد.
لذلك فوضع ضوابط لما يقال ليس بالامر الجديد، واكثر الدول ديموقراطية وانفتاح مارست الحق في تنظيم وتصنيف الفرق بين الاعلام وبين الدعاية السياسية، او شبه السياسية، في وقت استطاعت نخبة الاعلاميين في الدول المتقدمة ان تحكم نفسها بضوابط، ومحددات، ومواثيق شرف صحفي، تفتقدها مؤسسات قامت على الضد من الآخر، مثل قناة صفا التي صممت كي تعادي طائفة محددة.. لابل وصل بها الامر الى التحريض بشكل مباشر على العنف.
لذلك فالخطوة التي اتخذتها شركة النايل سات تعتبر مهمة لتنقية الفضاء العربي مثلما وصفها وزير الاعلام المصري انس الفقي، وكذلك تنقية العقل العربي من بواعث الكراهية والانغلاق والضلامية وخلق انماط سلوكية قائمة على التفاهة من خلال فضائيات غير مسؤولية تديرها قوى مالية وسياسية لايهمها الا تنفيذ اجندات مشبوهة.
لذلك علينا ان نكون اكثر وعيا من اي وقت سابق بمدى خطورة الخلط بين الاعلام وبين الدعاية السياسية التي تمارسها بعض الدكاكين التي انكشف امرها للجمهور على اختلاف اذواقه واتجاهاته، وان نكون اكثر شجاعة حين نفصل بين الاعلام وبين من يريد استغلال الاعلام لاغراض اخرى

 

 التدخل الخارجي

العدد ( 566)الاثنين 11/10/2010

 

في ظهيرة يوم 14 رمضان 1963 وفي داخل مبني وزارة الدفاع، وبينما اسراب الطائرات التي تجوب سماء بغداد بشكل فوضوي تقصف مبنى الوزارة المحاصر بدبابات المنشقين، رن جرس الهاتف في مقر رئيس الوزراء المحاصر داخل الوزارة الفريق الركن عبد الكريم قاسم، ليقاطع دوي قنابر الطائرات وقذائف المدفعية، وفرقعة رصاص البنادق، وكان المتصل هو سفير الاتحاد السوفيتي في بغداد.

ويروي المرحوم حافظ علوان مرافق الفريق قاسم ان المتصل في حينها كان السفير السوفيتي في بغداد، وكان قاسم قد تحدث معه بحميمية وشكره ثم اغلق السماعة، وكان بجانبه الزعيم عبد الكريم الجدة آمر الانضباط العسكري في حينها، والذي سأله عن هذا الاتصال، واخبره قاسم ان السفير السوفيتي عرض قيام الجيش الاحمر السوفيتي بانزال خلال 14 ساعة لضمان السيطرة والمساعدة في اخماد الانشقاق وافشال الانقلاب.

فتفتحت اسارير الجدة وقال بسرور ان هذا شيء جيد، لكن قاسم قاطعه واخبره انه رفض العرض!! وسأله الجدة مستغربا انها الفرصة الاخيرة؟؟ لكن قاسم قال له بالحرف الواحد انني سعيت لتخليص العراق من الاستعمار البريطاني.. ولا اريد ان اكون سببا لمجيء استعمار سوفيتي!!

وحسب رؤية قاسم ان حدوث الانزال السوفيتي في بغداد سيؤدي الى استحقاقات كبيرة في صالح التدخل السوفيتي في شؤون العراق.. وقرر الرفض.. ففقد حياته، وسلطته، وانهارت حكومته التي كانت تتمتع بشعبية كبيرة لدى شرائح متعددة من العراقيين وبانهيارها طويت صفحة جميلة من تاريخ العراق.

وفي الاساس كان انقلاب 14 رمضان قد وقع بتدخل خارجي، وما المقولة المشهورة للمرحوم علي صالح السعدي احد قادة الانقلاب، وقادة حزب البعث في حينها، (ان البعث في 8 شباط جاء للحكم بقطار امريكي) الا ترجمة لابشع صور التدخل، اضف الى ذلك ان العقيد قاسم الجنابي احد مرافقي الفريق قاسم قال لي في لقاء صحفي مسجل تلفزيونيا قبل سبع سنوات، "ان الطائرات ذات اللون الاسود التي قصفت مبنى وزارة الدفاع في 14 رمضان لم تكن عراقية"، والجنابي ضابط محنك ويعرف جيدا مواصفات الطائرات العراقية في حينها.

لذلك كله نستنتج ان التدخل الخارجي كان سمة لازمت الحكومات العراقية، لكن اخطر انواع هذا التدخل هو التدخل العربي، بسبب ان هناك الكثيرين لايعدونه تدخلا، ويعتبرونه مشروعا، حتى وأن تسبب بنتائج كارثية على العراق، وهذا هو سبب خطورته.

 ويعود التدخل العربي في شؤون العراق الى بدايات صعود المد القومي بعد حرب 1956 وبروز شخصية الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ومعه سياسة عدم الانحياز، ومحاولة الوحدة بين مصر وسوريا، حيث بدا عبد الناصر يرسل الاسلحة وبنادق البور سعيد الى العراق، مثلما كان يرسل جنوده الى اليمن، فقد كان يحاول توسيع دائرة الجمهورية العربية المتحدة مع سوريا لتظم العراق.

وكان سبب الخلاف بين زعماء انقلاب 14 تموز 1958 هو الموقف من التدخل الخارجي، ونكاد نجزم ان كل الانقلابات العسكرية التي حصلت بعدها وقعت بتدخل خارجي عربي!! وكانت اهدافه تنطلق من مبدا قيام الوحدة العربية!! وكان التيار القومي هو من يقوم بها.

 ففي اثناء وجود المشير عبد السلام عارف رئيس الجمهورية العراقية في الدار البيضاء للمشاركة في القمة العربية هناك، اقدم الفريق عارف عبد الرزاق على القيام بانقلاب عسكري، وماكان من المشير عارف الا توجيه العتاب الى عبد الناصر؟ ليقينه ان الاخير يقف وراء الانقلاب بناء على خبرته مع الرجل و معطيات عدة! الا ان عبد الناصر رفض ذلك بشدة.. واعتبرها تهمة باطلة.. لكن عبد الرزاق هرب الى القاهرة بعد فشل الانقلاب!

ورغم كل ذلك هناك من يعطي مبررات اخلاقية للتدخل الخارجي في تلك الفترة، للايمان بوحدة الدول العربية، وبأن هناك قضية اساسية هي مواجهة اسرائيل، وكانت الاستراتيجية الامنية العربية قبل اجتياح الكويت من قبل صدام حسين كانت تقوم على ان الامن القومي العربي كل لايتجزا، ومن هذا المنطلق فأن للتدخل مبرراته الايديولوجية والاستراتيجية ولو على المستوى الظاهر.

اما بعد اجتياح الكويت وانقسام الصف العربي، ودخول الولايات المتحدة كلاعب اساسي يحق له التدخل وفق مقررات القمة العربية عام 1991م، ووفق فسلفة دول مجلس التعاون الخليجي الست، لاسيما خلال حرب الناقلات التي تخللت الحرب العراقية الايرانية، تجزا مفهوم الامن القومي العربي ولم يعد كل لايتجزا، ومن هذا المنطلق اخذ التدخل العربي يأخذ بعدا آخر، لايمتلك مبررات اخلاقية، فهو تدخل لضمان مصالح دولة على حساب دولة اخرى.

ففي اعقاب حرب الخليج الثانية سعت الدول العربية الى تقوية اجهزتها الاعلامية والمخابراتية الى حد كبير، فتعزز دور دول لم تكن ظاهرة على الخريطة بشكل واضح، وكذلك تبدلت الاستراتيجية لدول لم تكن تملك القدرة على التدخل الخارجي، الذي استغل الديموقراطيات الناشئة في لبنان والعراق ليحولها الى مناطق نفوذ تبنى بالمال السياسي.

ولذلك عندما يعلن رئيس الوزراء نوري المالكي صراحة ان التدخل الخارجي بلغ من الخطورة ان بعض الكتل السياسية تتلقى اوامرها من دول اخرى، فأن الامر اصبح في غاية الخطورة، وعلينا جميعا ان نضع الامور في نصابها الصحيح ونتصارح مع انفسنا، فكم هي الهوة بين موقف الفريق قاسم ومواقف بعض الساسة، الذين عليهم ان يسالوا انفسهم هل يعملون للعراق، ام لدول اخرى تطمح الى تحقيق مصالحها الحيوية على حساب البلد الديموقراطي الذي لايرغب ولايقوى على التدخل بصورة مماثلة.

 

 

المالكي رئيسا للوزراء

العدد ( 561)الاثنين 4/10/2010


بعد اعلان ترشيح رئيس الوزراء السيد نوري المالكي لولاية ثانية نكون قد قطعنا اكثر من نصف الطريق الى تشكيل الحكومة المنتظرة بعد أعقد توليفة سياسية، والتي تداخلت معها عوامل سياسية وامنية واقتصادية واجتماعية عدة.
ومنذ اعلان نتائج الانتخابات لغاية اعلان مرشح التحالف الوطني، عاش الشعب، ونخبه السياسية حالة مخاض صعبة، تداخلت بها الصراعات الحزبية، بالطموحات الشخصية بالمصالح العليا، ولم يعد الشعب يميز بين من يتحدث منطلقا من دافع ذاتي، او من يتحدث بدافع وطني.
كما ان التعاطي الاعلامي المفتعل مع مايدور تسبب في الاحتقان، وتصوير المشهد بشكل اكثر تعقيدا، بعد ان انطلق البعض من مبدأ الفوز، او الخسارة، او الترويج لفكرة التغيير الشامل في محاولة لتبديد الجهود وتسقيط مرحلة بكاملها.
ان بعض الكتل السياسية تتعامل مع جمهورها من منطلق الشحن، والتحريض الذي يصل احيانا الى مديات تتجاوز حدود اللعبة الديموقراطية، كما تلعب التصريحات احيانا دور الحرب النفسية لتحقيق مكاسب سياسية للقوى والاحزاب وبعض الشخصيات.
ان العملية السياسية في العراق وبعد اكثر من سبع سنوات على انطلاقها نجحت في كثير من الجوانب، وفشلت في جوانب اخرى، كونها جوبهت بمصاعب امنية واجتماعية وسياسية، استوجبت من الفرقاء السياسيين ان يتكاتفوا فيما بينهم للتغلب عليها، لكنهم اختاروا تجزئة الشعب، وخلق جماهير منعزلة عن بعضها البعض، لكل منها تطلعاتها المختلفة عن الاخرى.
وهذه مسالة في غاية الخطورة لاسيما اذا لبست ثوب الطائفية او القومية او اي رداء يناقض مع مبدأ المواطنة، لذلك فأن تكاتف الفرقاء السياسيين لايأتي من نظرة مثالية للامور، بقدر ماتفرضه ظروف المرحلة الانتقالية التي يمر بها العراق، وكون الفشل او التلكؤ في التخطيط او التنفيذ او التمويل للبرامج الاصلاحية والتنموية التي يحتاجها العراق سيؤدي بلاشك الى اوضاع تمهد لقيام النظام الديكتاتوري من جديد.
ان جهودا مضنية بذلت، وطاقات كبيرة هدرت، منذ اعلان نتائج الانتخابات، لا للعمل من اجل الاسراع بحسم الملفات العالقة والبدء بمرحلة بناء الدولة المتعبة، ولا للانتباه الى معاناة الشعب العراقي التي تزايدت، انما بالصراعات السياسية من اجل منصب رئيس الوزراء.
والمطلوب بعد هذه المرحلة ان ندخل في حوار موضوعي يهدف الى اشراك الجميع في الحكومة التي سيشكلها رئيس الوزراء نوري المالكي، على اعتبار انه امتلك خبرة ممتازة تؤهله لاكمال مابدأه، وتحقيق قفزة نوعية تدخل العراق الى اعتاب مرحلة جديدة.
ويبدو ان الدورة البرلمانية الحالية تستوجب مشاركة الجميع في الحكومة التي ستكون قوية اذا مثلت الجميع، وستكون حكومة توفير الفرص، وتامين الرخاء الذي انتظره العراقيون منذ ثمانيات القرن الماضي حيث العد التنازلي الهابط لمستوى المعيشة.
ان رئيس الوزراء نوري المالكي نجح الى حد كبير في قيادة حكومة تمكنت من ارساء الامن والاستقرار، وتثبيت اركان الدولة، وانقاذ العراق من الحرب الاهلية، وعليه خلال الفترة المقبلة ان يقود حكومة قوية تتمكن من ان تحسم وبشكل نهائي ملف المصالحة الوطنية، والارهاب، وتعزيز المواطنة وبناء المجتمع.
وسيكون ملف التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية في مقدمة اولويات الحكومة كي تتمكن من كسب ثقة الشعب، وعليها ان تستعين بخيرة الخبرات الاجنبية لبناء قطاعات الكهرباء والاتصالات والتعليم والانشاءات والطرق والجسور والنقل والصناعة والزراعة وتنظيم التجارة الداخلية والخارجية وتحسين شبكة الحماية الاجتماعية، لان المواطن العراقي بحاجة الى من يحول خيرات بلاده الى واقع ملموس يعينه على تحمل مشاق الحياة والتنعم بنعمة الحرية التي لم تستثمر بشكل صحيح.
ان اربع سنوات من حكومة المالكي اثبتت الحاجة الى تعزيز عوامل التنشأة السياسية والاهتمام بامتلاك الدولة لوسائل اعلام تعينها على لعب دورها في تنمية الثقافة السياسية للمجتمع، الذي عليه ان يتحول من الثقافة الشمولية الى التعددية، وهو الامر الذي يضمن خروجنا من مازق الشخصنة في السياسة.
وهنا نستطيع القول ان على القوائم المترددة ان تسارع في الانضمام لحكومة المالكي التي من المؤمل ان ترى النور خلال الاسابيع المقبلة، كما عليها ان تبث التطمينات لجمهورها الذي غرست فيه روح الخوف والرهبة من بقاء الوضع كما هو عليه، فالامر يتعلق بمصالح وطنية عليا ولايخص شخص او حزب بعينه.
ان المراحل الانتقالية التي تشبه مانمر به لاتستقيم دون ان يتحلى القادة بروح الايثار والتضحية والعمل المتواصل دون انتظار عائد سريع او مكسب خاص، والا فلا يمكن للمجتمع والدولة ان يخرجا من عنق الزجاجة.
وبدل ان نكثر في الكلام والنقد والتجريح وبث روح الكراهية، علينا ان نشخص بدقة ماذا علينا ان نفعل، فالامة عانت كثيرا، والشعب لايحتمل ان يكون ساحة للتجارب والوعود او التمنيات، الوقت بدا وعلينا ان نعمل وان نرى الامور بواقعية، وان نتحلى بروح المسؤولية الوطنية الحقة

 

الاسئلة البريئة

العدد ( 556)الاثنين 27 /9/2010


لماذ لايتم انتخاب رئيس الوزراء بشكل مباشر من الشعب؟ لماذا لايغيرون الدستور؟ ماهي فائدة الديموقراطية؟ مادخل دول الجوار بتشكيل الحكومة؟ لماذا يدعو البعض الى مصادرة نتائج الانتخابات، والبحث عن مرشح تسوية لتسليمه مقاليد الامور؟ لماذا يحاربون اقوياء القادة لصالح الضعفاء؟
اسئلة بريئة يطرحها بسطاء الناس يوميا بشأن رؤيتهم للمشهد، استوقفتني كثيرا، ووجدت ان بساطتها التي تصل الى حد السذاجة، تخفي عمقا كبيرا يتطابق مع دوافع اقامة النظام الديموقراطي في العالم، منذ عهد دولة المدينة في اثينا القديمة، وصولا الى عصر مابعد الليبرالية الذي نعيشه.
مثل هذه الاسئلة كانت في ما مضى المادة الاولية لاحلام الكتاب والشعراء، قبل ان تتحول الى قوانين اجتماعية وسياسية، صاغها كتاب، وفلاسفة، ومفكرون من امثال آرسطو، وجان جاك روسو، ومنتسيكو، وفيكتور هيجو، وجون لوك، وغيرهم ممن اسهموا في تاسيس الديموقراطية في العالم، لكنها تطرح يوميا لدينا من قبل بسطاء الناس في العراق..
اسئلة كثيرة تطرح كل يوم، واجابات جاهزة يرددها البعض لتعليل سبب المشكلات التي تواجهنا فهناك بسطاء يسألون.. وبسطاء اخرون يجيبون.. وتكون الاجابة مختصرة ربما في كلمة واحدة..الاحتلال ..الاستعمار.. اسرائيل... الدول العربية..ايران..الحكومة....وغيرها من الاجابات التي تتطلب ان يصب جام غضب الناس على هذه الايقونات التي نقشت منذ ازل وورثها النظام الجديد عن القديم ولو بشكل آخر.
ولا استطيع ان استعرض كل مايدور في اذهان الناس لكنني استطيع ان اقول ان الاجابات الجاهزة هي هروب الى الامام فلا اجابات حالية عمايطرح من اسئلة بريئة، او غير بريئة، و التي لايمكن يستوعبها مفكر سياسي، او يعيد انتاجها كاتب محنك، او يجيب عليها سياسي او اكاديمي حاذق.
فالاسئلة البريئة اليوم ليست اكثر من خرافة وعبث، في واقع سياسي قائم على صناعة وتجارة الكلام بانواعه المختلفة، وعلى سياسيين يصنعون مجدهم الشخصي على امتلاك حرفة مغازلة الشارع، او تحريض الناس، او تشتيت طاقاتهم..وقدراتهم، مع غياب مشتركات وثوابت وطنية، او قيم سياسية انسانية يمكنها لو وجدت ان تغير المعادلة السياسية لصالح الدولة والامة والشعب.
السياسة في معظمها لدينا للأسف، لم تكن لتجيب عمايدور من تساؤلات بل صارت تتطلب اتقان الكلام اكثر من التفكير، واثارة اسئلة اكثر من البحث عن اجابات، واتقان الالتفاف على الحقائق اكثر من الدفاع عنها، والتمسك بها، فالقالب السياسي ،صار السياسي عبارة عن هيكل لكائن لايثق بالاخر، ولايمتلك ثقافة الايثار، او التضحية، او العمل بعيدا عن الاضواء، ويسعى لكسب نقاط قوة، باضعاف من ينافسه او يخاصمه.
لذلك صارت عملية صناعة سياسي جديد لاتتطلب اكثر من تسليط اعلامي، وحوارات فضائية تقلب فيها المعادلات، ويتم فيها استعراض المشهد بأسلوب درامي بعيدا عن الدقة والموضوعية، الى الدرجة التي يظهر فيها من هو في مقتبل عمره وتجربته وقدراته العملية، ليتحول الى (بطل قومي)، لا لشيء الا لانه ينتقد الحكومة بعنف، او يرميها بما يطيب له من الفاظ، او يجعلها مادة لاستعراض قابلياته في اللوم والتجريح وبخس حق الآخرين.
ومع تعارض المصالح ينمو مثل هؤلاء الذين يحاولون الخروج عن المالوف، والحصول على تصفيق فريق على حساب فريق آخر، لان مثل هؤلاء يتعاملون مع الحكومة على انها حزب يتفقون معه او يخاصمونه، بالطريقة التي تحددها الامزجة والمصالح، فعدو اليوم هو صديق الامس؟؟ وشيطان اليوم هو ملاك الامس؟؟ وعلى الشعب ان يتحمل مرارة اللعبة!! على الشعب ان يتحمل اختلاف القادة ومشاكل الساسة وعبء الاختلاف. الاسئلة البريئة اليوم لم يعد لها مكان في قواميسنا، لانها لاتعرف لغة المصالح وكل شيء لدينا يخضع للمصالح، مصالح الاحزاب، مصالح الشخصيات، مصالح الدول، مصالح القوى الاخرى، مع غياب الاتفاق على تحديد ملامح المصلحة العامة.
بقي ان نقول ان على السياسيين والقادة الشرفاء ان يستعجلوا في البحث عن اجابات شافية لما يدور من تساؤلات لانها ستتحول الى بذور للاحباط والتمرد لدى من تعودوا كل يوم ان يرددوا اسئلتهم البريئة، على امل ان يجدوا من يجيبهم او يدلهم على طريق الاجابة، لان الاسئلة البريئة يمكن ان تتطور الى ممارسات تتجاوز اطلاق سؤال في لحظة ضيق او استرخاء

 

مقاومة لرحيل الاحتلال

العدد ( 540) الثلاثاء 31 /8/2010


بعد تفجيرات 11 ايلول في نيويورك وواشنطن اصبح مفهوم الارهاب هو الاكثر تداولا في الاعلام والسياسة، بل صار هو الخطر الذي يهدد النظام السياسي الدولي في عالم مابعد الحرب الباردة، الامر الذي وحد جهود الجميع لتلافي هذا الخطر المشترك.
وشخصيا حاولت في اكثر من موضع البحث في جذور الارهاب، التي هي بالاساس قد خرجت من رحم تناقضات المجتمع الصناعي في اوروبا الغربية، وانتقلت الى سائر دول العالم، ووجدت ان الارهاب التقليدي هو العنف، او الجريمة المقترنة بهدف سياسي، او قضية محددة.
فمنذ القرن الثامن عشر كانت المجموعات الارهابية تنطلق من منطلقات طبقية، او دينية، او سياسية، وقد شهد القرن العشرين بروز جماعات ارهابية منظمة مثل بايدر مانهوف في المانيا، والدرب المضيء في بيرو، وجماعة ايتا في اقليم الباسك، والجيش الجمهوري الايرلندي، والجيش الاحمر الياباني، والالوية الحمر في ايطاليا، وعشرات المنظمات الاخرى اضافة الى الجماعات اليسارية والقومية التي ظهرت في الشرق الاوسط، قبل بروز الجماعات الاسلامية في عدد من الدول العربية.
ولكن مرحلة مابعد 11 ايلول شكلت بداية جيل جديد من الجماعات الارهابية الغامضة الاتجاه والهدف، فتنظيم القاعدة الذي يطبل لقتال الاميركيين ويتهاون مع الاسرائيليين، وينشط في دول عربية مثل اليمن والعراق والسودان لقتل المسلمين بحجج مختلفة، في حين يغيب عن خطوط التماس مع الاسرائليين الذين يمارسون اقدم وابشع انواع الاستعمار الاستيطاني.
وهذا ماحصل في العراق بعد 2003م من حيث ولادة كم هائل من الجماعات الارهابية المختلفة الاصناف والمتشابهة الاهداف، التي تتخذ من الاسلام غطاء لتكوينها، ومن مقاومة المحتل او الدفاع عن الاسلام غطاء لاعمالها، التي فاقت التصور في حجم جرمها وفضاعتها وقسوتها.
هذه الجماعات استوعبت عددا من بقايا النظام البائد التي تضررت بفعل التغيير، وعددا من المقاتلين والانتحاريين العرب الذين يتم تجنيدهم وارسالهم، لنشر الموت والخراب في ارض الرافدين، من خلال ممارسة الخطف والقتل والتفجير دون الاكتراث بطفل او امراة او مدني او عسكري فالهدف هو نشر الرعب وبث الخراب.
وقد رافق الهجمة الارهابية على العراق غطاء اعلامي عربي، يبرر ماتقوم به على انه من اعمال المقاومة ضد الاحتلال، وقد دأبت مراكز اعلامية وسياسية عربية على وصف مفهوم (المقاومة العراقية) واعتبار مايحدث في العراق على انه عمل مشروع بل عمل بطولي؟؟
ورغم كل الشواهد التي حصلت خلال السنوات الماضية هناك من يصر على ان للعنف في العراق مبررات واهداف محددة، لكن تبين للعالم اجمع ان لامبررات، ولاهدف للعنف الذي يحصل في العراق.
ففي الوقت الذي تنسحب فيه القوات الاميركية من العراق، وتنهي حالة الاحتلال، ويمارس الشعب العراقي حقه في الانتخاب، وتعمل حكومة العراق على بناء الدولة والقوات الامنية الوطنية، تتصاعد موجة العنف التي لم تستثن احدا من ابناء الشعب العراقي.
وهنا يتبادر سوال بريء؟؟ فمادام الاحتلال قد انتهى عمليا فما هو مبرر العنف والارهاب الذي يفتك بأبناء الشعب؟ وماهو الهدف السياسي من وراء الاعمال الارهابية التي تشهدها مدنا وشوارعنا ومن يقف ورائها ؟وماهي المصلحة منها؟؟ ومن هو الطرف المستفيد؟؟
انها اسئلة مشروعة يطرحها المواطن العراقي ويطرحها الباحث والسياسي والاعلامي المنصف في كل مكان من العالم وهي ترافق مع صوت العراقيين الذي بات اوضح من اي وقت سابق في ادانة الارهاب الذي يشهده العراق وادانة الجرائم اللا اخلاقية التي فاقت التصور.
على المنصفين في العالم اجمع ان يشاركوا العراق في حربه العادلة ضد المنحرفين والمجرمين وسافكي دماء الابرياء، عليهم ان يقدموا الدعم الاعلامي والسياسي والاستخباري للعراق ويقدروا حجم جهود ابنائه في حربهم ضد جيل هو الاخطر من الجماعات الارهابية فاق الى حد كبير كل الاعمال التي مارستها الجماعات الارهابية في العالم على مدى القرنين الاخيرين وهم يصعدون من اعمالهم في وقت تنسحب فيه القوات الاميركية لهدف واضح هو التمسك بها ليبقى العراق حاضنة لاعمالهم القذرة

 

الخطر الحقيقي للارهاب

العدد ( 534) الاثنين 23 /8/2010


الطريقة التي يدار بها ملف الإرهاب على المستوى السياسي والاعلامي في العراق تدعو للتساؤل والاستغراب من نواحي عدة، أهمها عدم وجود مواقف موحدة للتعبير عن الرفض القاطع، وعن المشاعر الجمعية في الحزن والغضب، وغالبا ما توجد مشاعر متضاربة تستغل لترتيب أوضاع سياسية، او تصفية حسابات، او تسجيل نقاط تفوق على الأخر.
فمن الشائع إطلاق تسمية الملف الأمني على الخروقات الأمنية، وعلى جهود الحد منها، او محاربتها، او مواجهتها، وهذا المفهوم له دلالة رسمية، فجهود الدولة المتعلقة ببسط الأمن في البلاد تسمى الملف الأمني، في حين تسمى الجهود المماثلة في بلدان اخرى بعمليات مكافحة الإرهاب، او الحرب على الارهاب، او تسميات اخرى لها دلالة شمولية، تعبوية، جماهيرية.
فالامن مسؤولية الدولة والمجتمع، والإرهاب اعمال اجرامية يقوم بها أعداء الدولة وأعداء الشعب والامة، اما ما اتفق على تسميته بالملف الامني، فهو جهد ينخرط فيه خيرة شباب العراق، ويديره الأفضل من بين طاقاته، وتخصص له النسبة الاكبر من الاموال، ويتعلق امره بسيادة الدولة، وسلطاتها العليا، وسمعتها الدولية، والنجاح فيه يمهد لقيام اعمال التنمية، او الاعمار، والتطور والرخاء، اما الفشل فلا يورث سوى الفوضى، والدمار، وانعدام الثقة، وربما انهيار الدولة، او تمزقها.
لقد انكشفت الاقنعة بعدما كان مفهوم المقاومة طيلة السنوات الماضية هو الغطاء السياسي لاكثر الجرائم، باتت تلك الجرائم ترتكب بهدف الابقاء على الاحتلال وليس من اجل رحيله فلماذا الصمت على ذلك.
وأن ما يحصل في العراق ليس اعمال مقاومة كما يشاع، وليس ملف امني يدار بهدوء في غرف مكيفة، ان ما يحصل هو جهد ميداني ضخم يشترك فيه اكثر من مليون رجل، وتقوده النخبة العسكرية والأمنية التي تعمل وفق خطط حربية بكل ماتعني الحرب من معنى، لكن الاصرار على انها ملف من ضمن ملفات اخرى يبعد النظر عن ان البلاد تخوض حربا ضروسا تراق بها الدماء، وتستنزف بها الموارد الاقتصادية وتتعطل بسببها مشاريع الاعمار والتنمية.
ان الاعتراف بأننا نخوض حربا مع الارهاب الدولي واذنابه ومن يحركه سيوفر قواعد اخرى للعبة السياسية، التي يجب ان تكون في خدمة الحرب، لا أداة لاضعاف موقفنا فيها، وسيعطي هذا الاعتراف تنبيها لمن يتعاطى الملف الامني اعلاميا وسياسيا ان عليه الانتباه لما يقول، لانه ربما يسرب اسرارنا العسكرية، ويخذلنا، ويسهم في هزيمتنا التي تعني هزيمة الديمقراطية والمدنية والحرية في الشرق الاوسط ككل.. بل وفي العالم اجمع.
لا ادري لما تقف دبلوماسيتنا عاجزة عن مصارحة الجميع باننا نخوض حربا بالنيابة عن العالم المتمدن ضد الارهاب الدولي، بكل صنوفه وأساليبه وادواته وصوره البشعة، لماذا لايتم جلب التعاطف الدولي والدعم الاممي لاعمالنا البطولية ولتضحياتنا التي لامثيل لها.
لماذا يمر الاعلام، والفن، والادب، والابداع الثقافي، مرور الكرام على جريمة حرق جندي وهو ببزته العسكرية التي تحمل شعار الدولة، وقتل رجل المرور والقاضي والطبيب والاعلامي، لماذا نريد ان ننسى الواقع ونخجل من اظهاره، ونتلقف برامج التهريج والتسلية وتأسيس الخلافات والشقاق والنفاق.
للأسف لدينا الكثير من الأحزاب الوطنية، لكن لدينا شحة في المواقف الوطنية التي تتغلب على الحزبية، اذ تغيب المواقف الوطنية الشجاعة عند حدوث جرائم تستهدف المواطنين الابرياء، او مؤسسات الدولة، او موظفيها، فلا مواقف سياسية حازمة، ولا بيانات واضحة النبرة، ولا مبادرات لمواساة المواطن غير المنتمي حزبيا، نتيجة ما يتعرض له من اعتداءات مجرمة غادرة، بل ما يحدث هو العكس في بعض الأحيان، فقد حصل أكثر من مرة ان أطلق بعض السياسيين تصريحات بشأن تدهور محتمل للأوضاع الأمنية، او التهديد بحرب طائفية، او تفجيرات، وربط ذلك بمسارات سياسية ضمن مفاوضات تشكيل الحكومة.
ويحدث ذلك في وقت يحاول الارهاب ان يطور من إستراتيجياته، ويعمل بأمكاناته المتاحة لاحداث خلل سياسي كبير، وانتصارات إعلامية يساعد التفكك السياسي في تحققها، ويتنقل من مرحلة الى أخرى، بينما الجهد السياسي لا يعرف سوى تأنيب الحكومة، والقوات الأمنية، وكشف عيوبها، ونقاط ضعفها امام الملأ، والبحث عن كبش فداء يتحمل اللوم والتأنيب من هنا وهناك.
واغلب السياسيين العراقيين لم يراجعوا عشرات النقاط المشتركة التي من المفترض ان تكون جامعة لهم، وموحدة لغاياتهم ومرجعياتهم ووسائلهم وادواتهم، وان كانت النسبة الاقل اذا ما قورنت بنقاط الاختلاف، لكنهم دائما يعملون على مناطق الافتراق التي تؤثر سلبا على أي مشتركات يمكن لها ان تجمعهم على هدف مركزي واحد، هو مواجهة الارهاب وادانة جرائمه.
ان اغفالنا خطورة الحرب التي نعيشها وتحويلها الى ملف تتسابق الأحزاب إلى المزايدة عليه هو مدخل خطير ربما يعمل على تحويل التعددية الى فوضى، والاختلافات السياسية الى صراعات عنيفة، أي يتحول العنف الى عامل من عوامل المناورة، والتهديد، والضغط السياسي، أي يتحول الارهاب الى ضرورة سياسية، وهي الكارثة التي يمكن ان تقع، ويجب أن لا تقع ابدانقد العقل الثقافي

العدد ( 529) الاثنين 16 /8/2010


كان للمثقف لدينا هدفان، هدف ذاتي شخصي مخفي، وهدف انساني جماهيري معلن، الاول يرتبط بالطبيعة البشرية، وبنرجسية المثقف وانانيته، يخفيه خلف الهدف العام المعلن الذي عادة مايستخدمه للترويج عن بضاعته، او بضاعة الاخرين، بطريقة تدعم هدفه الشخصي المخفي الاول، وهذه الحالة تمحورت ظاهريا خلال العقود التي سبقت سقوط سلطة البعث بمحاكات دور (المثقف العضوي) الذي جاء به (جرامشي) ولكن بصور تختلف عن النسخة الاصلية رغم تقمصها الاطار الشكلي لها، وتكرار نسخ مشوهة اخرى مثل (المثقف الثوري)، (المثقف القومي)، (المناضل)، (المقاتل)، (التقدمي)، (الملتزم بقضيته) ولايوجد في المشهد صورة متكاملة عن (مثقف اسلامي)، او (مثقف ليبرالي) او (مثقف انساني).
وعندما توصد الابواب ويندلع الحريق يهرب الجميع من اية نافذة متاحة، للبحث عن بيئات ملائمة او خلق بيئات جديدة اخرى مناسبة، وهو حال افراد من مثقفي العراق الهاربين من جحيم نظام صدام قبيل سقوطه، وهي صورة (المثقف المتمرد)، وفي درجات اقل (المعارض) او (الرافض) ولكن كيف كان الحال وقد شهدوا سقوطه.
شخصيا تحتفظ ذاكرتي بحدث هام حصل اواخر نيسان 2003 اي بعد اسابيع من دخول القوات الاميركية الى بغداد، وفي قاعة الادريسي، في كلية الاداب، جامعة بغداد، فقد شارك مئات المثقفين من مبدعين، واكاديميين، وفنانين، واعلاميين باجتماع من المستحيل ان يتكرر ثانية بنفس الوجوه المشاركة والتوجهات وحجم الاندفاع والتفاؤل.
والهدف كان رسم خارطة الثقافة العراقية بعد سقوط الديكتاتورية، وكانوا يجمعون على انشاء مؤسسات جديدة، او اعادة تقويم المؤسسات الثقافية التقليدية، والصوت الاوضح هو الاجماع على ان النظام الذي سقط بعد ثلاثين عاما من الاستبداد هو اسوأ ماشهده العراق وهذا الاعتراف من الصعب انتزاعه اليوم من اكثر الذين كانوا يرددونه يومها.
ولكن بسبب قلة الخبرة وسوء التنظيم، لم يشهد الاجتماع تركيزا على المشتركات، بل اثيرت النقاط الخلافية بقوة، وحصلت صدامات داخل القاعة التي اكتضت بحشود هائلة دون ان تتسع لمئات الشخصيات المهمة من الذين توزعوا على ممرات كلية الاداب ينتظرون تبلور نتائج ملموسة لمصير الثقافة في بلاد لاسلطة لها.
واسباب الصدام هو بروز تيار قوي يريد ابعاد الثقافة عن السياسة، وتيار آخر يريد ان تقوم الثقافة بقيادة الشعب الى بناء العراق الجديد، وتيار ثالث كان يدعو المثقفين الى حمل السلاح للدفاع عن المؤسسات التعليمية والثقافية التي تتعرض للنهب والسرقة وفي مقدمتها المتحف الوطني العراقي، وتيار يطالب بمحاسبة كل من كتب وروج للطاغية المخلوع.
وبالطبع لم يتحقق الاجماع على فكرة محددة، ونشب صراع صاخب، استخدمت فيه العبارات النابية والتعابير الجارحة، والقذف، والتشهير، ونشر الغسيل، وقبل ان تحصل الكارثة انفض المؤتمر الاول الذي كان فرصة نادرة للتاسيس، لو توفرت ادوات ناجحة، كون من دعوا الى تنظيم هذا العمل كانوا اربعة اشخاص امتلكوا الطموح العفوي، ولم يمتلكوا الخبرة، او الرؤية الثاقبة، او حتى موهبة الادارة، او القيادة.
وفوق ذلك فالمنظمين لم يكونوا قد توقعوا مشاركة اكثر من عشرات الاشخاص في ابعد تصور، لكنهم فوجئوا بهذه الاعداد الهائلة التي صدمتهم، اما المشاركون فقد كانت مفاجئتهم اشد عندما اكتشفوا بأن الامر ليس كما توقعوه بانه من ترتيبات مابعد السقوط، لعقد مصالحة ثقافية، او لاعادة توزيع الادوار او تقاسم الكعكة من جديد.
الاجتماع تكرر في اوقات لاحقة ولكن بصور اخرى اصغر واكثر تخصصا، اضافة الى بروز مسميات وروابط وتشكيلات جديدة على شكل مجموعات كانت تبحث عن الحماية او التمويل او انواع اخرى من الدعم لمساعيها في انشاء بنى ثقافية جديدة.
لكن المعضلة هو ان الثقافة لدينا لاتقود نفسها وبالتالي لايمكنها قيادة مجتمعها، الثقافة لدينا تعاني ازمة الانكفاء على الذات، بعد ان تحولت على يد البعث الى اهم ادوات التعبئة الجماهيرية، وأن حمق السياسة الاميركة اوصد الباب امام محاولات تشخيص الحالة ومعالجتها، قبل ان تتحول الى ازمة، فكارثة وهو ماتحقق بالضبط.
وماحصل للمثقفين المشاركين في الاجتماع الثقافي الكبير الاول في نيسان 2003م انهم بعد شهور وسنوات بدأوا يتفرقون بين البلدان، يحاولون البحث عن بيئات جديدة يتعاطون (البزنز الثقافي)، يمدحون فيها زعماء دول استضافتهم ويشتمون زعماء العراق الجديد، او يندمجوا مع بنيات دول اخرى بصمت، او يتباهون بأنهم الرافضون لما يشهده العراق تناغما مع الرفض الاقليمي لشمس ليبرالية يبزغ فجرها من بلاد مابين النهرين، لذلك ظهر مايسمى (ثقافة المقاومة) او (ثقافة الرفض) لان سلبية المثقف العراقي جعلته يحاكي البيئات الاقليمية التي لجأ اليها او اختارها ملاذا، رغم ان الجميع يتباكون على العراق لكن النتائج مختلفة حتما، وطرق التعبير واهداف البكاء ايضا مختلفة، اذا استندنا الى ازدواجية الاهداف التي اشرنا اليها في البداية.
لقد ارتكبت القوات الاميركية جريمة كبرى وارتكب مئات المثقفين العراقيين جريمة اكبر لانهم تبنوا اجندة الرفض واليأس، بعد ان كانوا اكثر المتفائلين، واكثر الموافقين في الثلاثين عاما السوداء التي مر بها العراق، ولو في الجانب العلني فقط، كانوا يوافقون على الحرب ويروجون انها حرب مقدسة، ويوافقون على الهزيمة ويقولون انها نصر عظيم، ويوافقون على الدكتاتور ويقولون انه قائد ضرورة، لكنهم اليوم يرفضون الانتخابات وحكم الشعب والسير نحو الديموقراطية.
لشديد الاسف لم يعد المثقف مرتبط بقضايا واهداف عراقية كبرى سوى الرفض لكل ماهو جديد، منذ ان فك الارتباط القسري بين منظومة السلطة الديكتاتورية مع منظومة الثقافة، فقد كانت السلطة تمنح لمثل هؤلاء المثقفين حيزا ماديا ومعنويا لتحقيق ذواتهم واهدافهم غير المعلنة، طالما بقيت اهدافهم المعلنة تلعب بعيدا عنها، وفي نفس الوقت تتضارب وعدوها الايديولوجية المتمثلة بالاسلام السياسي، بعد تراجع العدو التقليدي اي اليسار الماركسي، لكن السؤال الذي من الواجب ان يطرح اليوم، هو ماذا قدم او يقدم النظام الديموقراطي للثقافة وماذا قدمت له؟ وهل يمكننا التفكير في صورة مثقف عضوي، ومثقف شعبي، ومثقف ليبرالي، ومثقف انساني، يستطيع التأقلم والتفاعل مع بيئة من المفترض انها تتغذى على الحرية

بلاك بيري..وأزمات اخرى

العدد ( 524) الاثنين 9 /8/2010


تتلاحق الازمات في عالمنا المعاصر، ويحاول الاعلام الامساك بخيوطها واللحاق بتطوراتها، ومن ثم العمل على تصعيدها، او اخمادها، او بخسها، وحسب توجهات وسائل الاعلام المرئية والمقروءة وغيرها.. التي تدعي الحياد، والحياد منها براء.. وترافق الازمات العراقية المفضلة اعلاميا على المستوى العربي، في بعض الاحيان ازمات اخرى تحصل في دول مختلفة لكنها عادة ماتنتهي، وتبقى الازمات العراقية محافظة على سيادتها، وهيمنتها على عناوين النشرات الاخبارية، ويبدو انها مفضلة لديهم لانهم يستطيعون الخوض بكل شيء فيها دون خوف.. وليس كما هو الحال مع اي شان عربي آخر يكون الخوض فيه اشبه بالسير وسط حقل للالغام.
ففي وقت يبحث فيه العراقيون صناع الحضارة وبناة المدنية عن ساعات لاتنقطع فيها الكهرباء، وعن توافق الفرقاء السياسيين، يتفاقم القلق في دبي، والرياض، وعواصم اخرى من ازمة جديدة من نوعها دخلت المنافسة، هي ازمة بلاك بيري، اثر خلاف بين حكومات الخليج وشركة RIM (ريسيرش ان موشن) الكندية المصنعة لهذا النوع من الهواتف.
ونقطة الخلاف هي اصرار الشركة على ان تكون المعلومات والبيانات محصورة بينها في كندا وبين عملائها المنتشرين في مختلف بقاع الارض، والبالغ عددهم 41 مليون عميل (3 بالمئة منهم فقط في دول الخليج).
ورغم ان الحكومات الخليجية (كالبة الدنيا) وتهدد بوقف الخدمات التي تتميز بها اجهزة بلاك بيري بسبب الهاجس الامني والرغبة في احكام الرقابة على مايدخل ومايخرج من معلومات، الا ان القنوات الفضائية لم تتطرق قط الى هذا الجانب، اي الخصوصية، وحرية التعبير، وكذلك توقيت الازمة ودوافعها الاخرى وغيرها، بل انها انحازت لمطالب الحكومات احيانا، وظهر ان للامر تداعيات اقتصادية او آثار اجتماعية.. دون التطرق الى الامور الاخرى.
فلو كان الامر قد حدث في العراق لتحولت الى (ازمة دامية)، بل ربما تكون بعض الفضائيات قد عرضتها على شكل (انتفاضة بلاك بيري) على غرار (انتفاضة الكهرباء)، وهو الاسم الذي اطلقته هذه الفضائيات على مطالبات المواطنين العراقيين بتوفير الطاقة الكهربائية في محافظات العراق.
وتزامنت ازمة بلاك بيري الحالية مع ازمة تجاوزت حدودها لتتحول الى كارثة، بل كارثة مفجعة، حصلت في الباكستان نتيجة الفيضانات والسيول التي تركت وراءها ملايين الضحايا بين قتيل.. ومفقود.. ومشرد.. وخسائر مالية هائلة.
ولكن الكارثة الاكثر ايلاما للشعب الباكستاني المنكوب، هي التصرف غير المسؤول لرئيس الجمهورية المثير للجدل آصف زرداري، الذي كان يتبادل الابتسامات والمجاملات مع ديفد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا، بينما ابناء شعبه الذين في اغلبهم لم يسمعوا او يعرفوا مايعني بلاك بيري ..يختنقون غرقا، او يدفنون وهم احياء تحت طمى السيول الجارفة.
ولكن رئيسهم اصر على استكمال بحثه لقضايا مختلفة في لندن وباريس، دون ادنى ادراك منه ان بلاده تحولت الى مادة اعلامية وانسانية تتناقلها وسائل الميديا لاثارة شفقة وتعاطف البشرية جمعاء ولكن يبدو ان ذلك لم يبعث لديه مايثيره لقطع سفرته والعودة لقيادة عمليات الاغاثة ومنح الشعب شحنات معنوية هم في امس الحاجة اليها.
وبقي ان نتذكر ان وصول زرداري الى الحكم هو من استحقاق زوجته السيدة الراحلة بونظير بوتو التي منحت زوجها بعد رحيلها امتيازا لم يحلم به ابدا، وهذا هو الفرق بين سياسي يخرج من رحم الازمة التي يتمكن من تحويلها الى فرصة مثمرة، وبين الذي يولد من رحم الصدفة ويحول الفرصة المثمرة الى ازمة خانقة.
فالكوارث المشابهه لكارثة الباكستان لو حصلت في مكان مختلف، يمكن لرئيس افضل من زرداري ان يحولها الى فرصة لاستنهاض الروح الوطنية، ولجلب تعاطف دولي مع شعبه يجعله قادرا على توحيد الصفوف لحسم قضايا اخرى، مثل مواجهة الارهاب، و تدعيم الوحدة الوطنية لكنه لم يوفق الى ذلك.
وهذا يذكرنا بسياسيين عراقيين حصلوا على استحقاقهم الانتخابي نتيجة الصدفة، او تضحيات رموز عظيمة رحلت عن الدنيا، او القائمة المغلقة، او نتيجة فائض الاصوات الذي جلبته قوة رئيس القائمة او اسباب اخرى.
وتجد مثل هكذا انواع يعيشون في جزر معزولة عن الشعب، وينتظرون فرصة الكلام من اجل الكلام فقط، ويضعون الخطوط الحمراء والخضراء داخليا وخارجيا، دون ان يضعوا لانفسهم خطوطا منهجية واضحة، تجعلهم يميزون مصلحة الشعب والامة، عن مصلحة دول الجوار او المصلحة الحزبية او الذاتية، لذلك تراهم يسعون لارضاء خاصتهم، اكثر مما يعملون على ارضاء الوطن، والشعب، والتاريخ الذي سوف لن يرحمهم، مثلما لم يرحم سواهم.
فالازمات باتت تتحدث بصدق، وتعبر عن طبيعة الدول، ومستوى معيشتها، وطبيعة احتياجات شعوبها ومجتمعاتها، وسياسات حكوماتها، بغض النظر عن التعاطي الاعلامي ودوره في تحويل مسار الازمة او رسم صورة مغايرة لها.
فبلاك بيري، وكوارث الباكستان، وازمات العراق، هي وجوه لصورة المشهد الراهن لمنطقتنا التي تتفاوت فيها الفرص والامكانيات الى حد كبير، والازمة الكبرى فيها هي ان هناك من يريد استمرار هذا الحال على ماهو عليه الى امد بعيدحدث في الاعظمية

العدد ( 519) الاثنين 2 /8/2010


اتذكر في مطلع 2004م جاء الى بغداد اول وفد يضم نائبين من الحزب الديموقراطي الامريكي، وهذا الحزب الذي عارض بشدة سياسة الرئيس جورج بوش كما عارض الحرب، ودعا في برنامجه الانتخابي الى الانسحاب، ووقف التدخل، الذي كان الشعار الابرز للمرشح الديموقراطي للرئاسة في حينها السيناتور جون كيري.
واتذكر ان مؤتمرا صحفيا شهدته احد قاعات قصر المؤتمرات للنائبين الرافضين للحرب، اكتظ بعشرات الصحفيين من كل الجنسيات وكنت احد المراسلين الحاضرين لهذا المؤتمر الصحفي وبادرت الى توجيه سؤال للنائبين...
-هل تنسحبون فورا من العراق اذا حققتم الفوز في الانتخابات الرئاسية المقبلة؟؟ وكنت اتوقع منهم خطبة حماسية عصماء.. يلعنا فيها بوش.. وسياسته.. ومن سار في طريقه؟ لكن الجواب كان شيئا آخر تماما!! وهو بمثابة مفاجئة لي وللزملاء الحاضرين.. فقد اكد النائبان بثقة ان المواقف السياسية شيء.. والوضع الامني العسكري شيء آخر... وبعد شرح مقتضب.. اختصر احدهم الكلام قائلا.. بانهم لايقدموا على عمل يضر بمصلحة الولايات المتحدة وجيشها وسياستها الخارجية.
لا ادري كيف وقع هذا الجواب علي فقد علق في ذاكرتي وصار درسا لن انساه واتذكره مرارا لا سيما هذه الايام وانا اتابع ردود فعل بعض السياسيين ازاء ماشهدته الاعظمية، التي عادت الى واجهة الاحداث مجددا، بعد العملية الغادرة التي اسفرت عن استشهاد 16 عراقيا بينهم 6 من رجال الجيش، و3 من رجال الشرطة، والجناة لم يكتفوا بذلك بل قاموا باحراق جثث ثلاثة عسكريين عراقيين بعد قتلهم...وعودة الاعظمية الى واجهة الاحداث ليس من خلال الجريمة المروعة الغادرة التي شهدتها حسب ..انما بسبب ردود الفعل الاعلامية والسياسية على الاجراءات الامنية التي اعقبت هذه الجريمة. فقد اخذت قناة فضائية بذاتها تحرض الراي العام، وتروج لاستياء نفر من السياسيين من جراء الاجراءات التي تقوم بها قوات عسكرية عراقية للبحث عن الجناة، مع التركيز ان لواء البصرة من يقوم بذلك، لما للاسم من دلالة تحريضية في محاولة لخلق فتنة طائفية مجددا. واقعة قتل الجنود وسط الاعظمية هي بلاشك جريمة غادرة لو حصلت في اي مكان في الدنيا سوف تثير الراي العام، وتوحد الصفوف للتعاطف مع رجال القوات المسلحة ضد المجرمين، فهل ندرك نحن ان الضحايا ابناؤنا ..ابناء قواتنا المسلحة..الذين لهم مكانة تاريخية رمزية وفعلية لدى الدولة والشعب، وهل ننسى انهم رمز السيادة الوطنية، ولولاهم لما تمت عملية سياسية، ولانجحت انتخابات، ولا انتهى احتلال، ولا أُمن الطريق للساسة المقيمين خارج الوطن، لاسيما اولئك الذين يمتلكون مقرا اوربيا، او عربيا للاقامة الاعتيادية، ومقرا عراقيا للظهور من خلاله اوقات يختارونها بعناية.
جريمة الاعظمية كانت مناسبة جديدة تفضح لاوطنية البعض من هؤلاء.. لاسيما الذين لم يذرفوا دمعة حزن من اجل جندي غرقت بزته العسكرية بنياشينها ورموزها وشعار وعلم العراق بالبنزين.. قبل ان تلتهمها النار، حتى بيانات الاستنكار غابت لتحل محلها حالات اخرى، وهي التوظيف السياسي المخزي لمثل هذه الحوادث..والتباكي على قضية مفتعلة اخرى. وبدل ان تحظى بالدعم والمواساة تعرضت القوات الامنية.. قيادات، ومنتسبين، وستراتيجيات، الى سيل من الاتهامات.. والتهديدات!! التي وصلت الى الحد الذي يبين جهل السياسيين، او تجاهلهم لركائز بناء الدولة، وان الديموقراطية التي تمنحهم القوة وحق الكلام، وحرية الحركة، وتداول السلطة، لايمكن ان تتم بدون قوات مسلحة قوية تحرسها، والا سنتحول الى دولة للقراصنة.. ليست الصومال افضل حال منا.
فالديموقراطية ستكون صورة للفوضى المدمرة اذا لم تحرسها ذراع عسكرية وامنية ضاربة محصنة، وهو حال التجارب العالمية الكبرى، فالولايات المتحدة الامريكية التي تعد اهم واول الديموقراطيات في العالم تتمترس خلف اقوى الجيوش، الذي يشكل الانفاق عليها نصف الانفاق العسكري في العالم اجمع، وللولايات المتحدة اجهزة مخابراتية لاتعد ولاتحصى تحاط اعمالها بالسرية بعيدا حتى عن رقابة الكونغرس، ولاتخضع حساباتها المالية الى الموازنة، او الرقابة التقليدية.
كما ان الخلافات السياسية في الدول الديموقراطية لاتنعكس على الملف الامني اطلاقا والا لضاع الخيط والعصفور.. فمن الامثلة القريبة على ذلك..احتفاظ جورج تينت رئيس المخابرات في ظل بيل كلنتون الديموقراطي بمنصبه بعد صعود نقيضه في السياسة الداخلية والخارجية جورج بوش الجمهوري، وكذلك فعل اوباما الذي جاء ليغير كل شيء في امريكا والعالم، لكنه لم يغير وزير الدفاع في ظل ادارة بوش الجمهوري روبرت غيتس، ومثل ذلك تفعل بريطانيا، وفرنسا، والمانيا، واي دولة ديموقراطية مرموقة.
وهذا يحدث في اوقات السلم، اما اذا تعرضت الدولة الى اعمال مشابهه لما يتعرض له العراق، فبلا شك سيصل الامر الى ارتفاع منسوب الممنوعات و تقييد الحريات، وتشديد الرقابة، وربما تاجيل الانتخابات وووو...اي حالة تتعارض مع الامن القومي للدولة.
ونستطيع القول ان جريمة الاعظمية وماقبلها وبعدها من جرائم خلال شهر تموز، حصلت قبيل بدء القوات الامريكية انسحابها من المدن العراقية حسب الجدول الزمني الذي حددته الاتفاقية الامنية، ويتزامن ذلك مع اقدام ساسة اخرين على انتقاد الحكومة واظهارها انها عاجزة، والعمل على اضعافها، وخنقها، بل استعجال التصويت في مجلس النواب لجعلها حكومة بلا تاثير، ثم الاستعانة بالعامل الخارجي لترتيب البيت العراقي اي تنصيب حكومة عراقية بارادة خارجية.
وهنا تلتقي الاعمال الاجرامية الغادرة بالاعمال السياسية الطائشة وغير المسؤولة والتي لاتنتج الا حكومة ضعيفة ووطنا ممزقا.. ثم يعودوا ليطالبوا الحكومة باتخاذ دورها وحفظ الامن وهم الذي شلوا حركتها بأيديهم ولسانهم، فما اغربها من معادلة غير مجدية وظالمة، تختلط فيها الاوراق وتضيع فيها الحقائق والحقوق

 

الاسبوع الثقافي في القاهرة

العدد ( 516) الاثنين 26 /7/2010


بين من يهاجم وزارة الثقافة.. ومن يدافع عنها تصاعدت حدة الجدل بشان الاسبوع الثقافي العراقي في القاهرة، وانا هنا وجدت نفسي ملزما بان ادلي بافادتي، ليطلع الرأي العام على الحقائق، ولنتلافى وقوع اخطاء مستقبلية تؤدي الى تصدير شيء من الخلل الاداري الى الخارج عبر الاسابيع الثقافية، وتكون النتائج على عكس مانطمح اليه.
ففي نهاية 2009 صدر أمر وزاري بتشكيل لجنة تحضيرية تضم عددا من الفنانين والاعلاميين والكتاب العراقيين الموجودين في القاهرة، وبينهم كاتب هذه السطور.. وممثل عن سفارة العراق، وجاء ترتيبي وممثل السفارة في ذيل القائمة، في محاولة من الوزارة لاضفاء بعد غير رسمي على فعاليات الاسبوع الثقافي، والطريف انهم ابلغوا عدد من اعضاء اللجنة كل على انفراد ان لهم صلاحيات مطلقة.. وان كادر الوزارة سيعمل على تنفيذ مايقررونه دون تحديد صلاحيات وواجبات اعضاء اللجنة التحضيرية ودون الاشارة الى طبيعة دورهم.. هل هو استشاري، او تنفيذي، او غير ذلك.
ولعدم وجود محددات، او اطار للعمل، وصل الامر ببعض اعضاء اللجنة التحضيرية الى اطلاق التصريحات الرنانة، والحديث نيابة عن وزارة الثقافة، وتعدى الامر ذلك الى الحديث عن صفقات خفية مع الوزارة، ومنها افتتاح مركز ثقافي عراقي، وهذا الأمر اثار استياء عدد كبير من المثقفين العراقيين في القاهرة الامر الذي دعاني الى الانسحاب وابلغت السيد عقيل المندلاوي مدير عام العلاقات بذلك.. لكنه اتصل بي وتفهم الامر ووعدني بالمعالجة وبتعاون اكثر جدية وهذا موثق لدي.
والمفاجئة ان الجانب المصري قرر تأجيل موعد بدء الفعاليات التي كان من المزمع اقامتها في شباط الماضي والسبب هو الخلل في طريقة الاتصال مع السلطات الرسمية المصرية والذي تم عبر قنوات غير رسمية، اي من قبل عراقيين مقيمين في القاهرة لايحملون سوى صفة (اجنبي مقيم) وفق اعراف الدبلوماسية المصرية، وهذا ماأبلغتني به بعض المصادر الرسمية المصرية وابلغت به سفارة جمهورية العراق، ومن جهتي بادرت بابلاغ معالي السيد وزير الثقافة عبر اتصال هاتفي وكان موجود يومها في واشنطن.. وابدى تفهما للملاحظات التي اخبرته بها واكد لي انه شكل وفدا من قبله لمعالجة الامور.
ويبدو ان السفارة المصرية في بغداد قد تبادلت الرسائل مع وزارة الثقافة وحصلت اتصالات مكثفة لنفس الامر اثمرت عن ارسال وفد من قبل معالي وزير الثقافة الى القاهرة وقد اتصل بي السيد رئيس الوفد وقمت باستقبالهم، والتقوا اعضاء اللجنة التحضيرية، وابلغتهم ببعض الملاحظات التي تقع في صميم واجبي منها أهمية تفعيل الخط الرسمي في التحضيرات لهذا الحدث، والاعتماد كليا على السفارة العراقية، واتخاذ الخطوات بشكل مدروس، والاهتمام بالتصاميم والمطبوعات، واستيعاب جميع المبدعين العراقيين في القاهرة، وعدم اهمال امكانات وخبرة ودور مكتب شبكة الاعلام العراقي.
وبعد اجراء سلسلة من الاجتماعات تم اعداد مفردات منهاج الايام الثقافية، وتم عرضه على وزارة الثقافة المصرية لاقراره، كما تم الاتفاق على موعد اقامة الفعاليات، وغادر الوفد الذي يضم نخبة من الاداريين، وكان خاليا من المتخصصين بالثقافة، او الفنون، او على الاقل مصمم يستطيع الاشراف على الملصقات، وبطاقات الدعوة، والبوسترات، والمطبوعات والدعايات وتصميم الدروع والشهادات واللوازم الاخرى.. التي من المهم ان تخرج بشكل يتناسب وحجم الحدث الثقافي الكبير، وكذلك كان اقتراحي ان تضم اللجنة التحضيرية ممثلين عن وزارتي الثقافة العراقية، والمصرية وان يستمر عملها في القاهرة بمشاركة باقي الاعضاء حتى انطلاق الفعاليات، ولكن هذا لم يحصل.
وانقطع الاتصال مع وزارة الثقافة عدا اتصالات جانبية مع من فرض.. او حشر نفسه للدخول في هذه المعمعة وتطوع لانجاز بعض مايكلفهم به موظفو الثقافة في بغداد بشكل شخصي غير مدروس ولاسباب غامضة، الى ان جاءت الوفود ليبدأ الكرنفال العراقي، وتوقعت حينها ان يبادر معالي السيد الوزير، او السيد مدير عام العلاقات الثقافية الى استدعاء اعضاء اللجنة التحضيرية، او استدعائي.. لكن هذا الامر لم يحصل!! واكتفوا بمن وقع امام اعينهم او ارتمى باحضانهم تملقا، لينشغل الجميع بالمجاملات و البحث عن اوقات مرحة.
ويبدو جليا ان وزارة الثقافة تعول على دار الازياء العراقية، والفرقة القومية، والجالغي البغدادي، على انها مفاتيح سحرية للنجاح جربت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية الى اليوم واثبتت نجاحها، اما العروض المسرحية، والتشكيلية، والجلسات الادبية، والندوات، والحلقات النقاشية، ومد جسور العلاقات والتواصل مع المؤسسات المصرية، هي مسائل لا يبدو انها ذات اهمية بالنسبة لها، كما ان البعض اوهمهم بأنه قادر على تحشيد الوسط الثقافي المصري برمته.. وتبين في النهاية ان القاعات المخصصة للجلسات الادبية لم تستقطب سوى عدد محدود جدا لايتجاوز سبعة اشخاص في كل جلسة!! اما المسرحية اليتيمة لم يتم تخصيص مكان ملائم لعرضها، الامر الذي دعا الى الغائها مثلما تم الغاء عرض فيلم روائي، وندوة عن الفيلم، وامسية موسيقية للموسيقار فريد البابلي وفقرة لشاعرة عراقية اعيدت فيما بعد، وامسية لقاص عراقي، وكل هذه الفعاليات كانت مثبتة في المنهاج.
والوفد الذي تجاوز السبعين نفرا كان يضم عدد من الفنانين والمبدعين العراقيين، ويحتوي كذلك على من تم حشرهم للتمتع بسياحة ثقافية مجانية، وولائم، وغناء، ومخصصات ايفاد، ومتعة سفر، لكنه خلا من فرقة موسيقية صغيرة يمكن ان تنقذ حسين نعمة، وحميد منصور من ورطة وضعوا بها امام فرقة لاتميز بين (ياحريمة) وبين (خايب هوي) واخذت تعزف في واد.. وهم يغنون في واد آخر، يشبه الواد الذي تغني فيه وزارة الثقافة، والذي لاعلاقة له بالثقافة، الا من ناحية الاسم فقط وكل اسبوع والثقافة بخير

مصائب الدولة عند البعض.. فوائد

العدد ( 512) الثلاثاء 20 /7/2010


أ
حد الزملاء شغلته ايام الانتخابات التي جرت في آذار الماضي.. مثلما شغلت ابناء الشعب العراقي جميعهم، لكن الاختلاف ان هذا الشخص ومعه الكثيرون كان انشغالهم له وجه مختلف عن سائر الناس، فقد صرفوا العظيم من جهدهم للدخول في مجريات الانتخابات، والاستعداد لها من خلال محاولة التأثير على الاخرين..وضخ المعلومات والافكار بقصد التسقيط، او التشويه، او الترويج.. والهدف ليس ممارسة الديموقراطية، او التنعم بالحرية، او استنشاق عبق العراق الجديد.. الهدف كان حسب ما عرفت.. هو وعد تلقاه هذا الشخص من احد الكتل السياسية.. بحصوله على منصب رفيع حال فوز الكتلة التي سخر كل امكاناته للترويج لها بالحق والباطل؛
هذا الصحفي لايختلف عن المئات ممن تعاملت معهم خلال الموسم الانتخابي، كونهم يعملون في السر والعلن من اجل ان ينتصر زيد... ويهزم عمر... والامر لاعلاقة له بمصلحة العراق، او بالبرنامج الانتخابي، او كفاءة ووطنية السياسي او القائد، بل لغاية في نفس يعقوب، اي منصب او وظيفة وعد بهما هذا الشخص او غيره بغض النظر عن استحقاقه او عدمه.
والكثيرون تعاملوا بنفس الطريقة فبعضهم تلقوا وعودا بمناصب كبيرة مثل وزير، او وكيل وزير، او مدير عام وبعضهم تلقوا وعودا بمنصب سكرتير وزير!! او سائق مدير عام!! اي الوعود طالت كل مفردات السلم الاداري العراقي، وهذا يؤشر الى خلل كبير، ويطرح حالة من الشك في معرفتنا وايماننا بالغاية من الانتخابات، وفي فلسفة الديموقراطية.
فتداول السلطة لايعني ابدا ازالة آثار السلطة السابقة من قبل اللاحقة... والتغيير لايعني ابدال المؤسسة الادارية التي تمكنت من الحصول على الخبرة والتدريب، وعلى قدر من الكفاءة.. باخرى تأتي من خارج المؤسسات الادارية بعد ان انتظرت طويلا في مقاهي دمشق، والقاهرة، وعمان وهي تخلط احاديث السياسة بثرثرة المقاهي المتداخلة مع دخان الاراكيل وسخونة الشاي الخالي من النكهة.
فالفوز في الانتخابات لايعني فتح مبين لعشيرة.. واصدقاء.. ومريدي زيد من الناس، والذي حاز او سيحوز على ثقة الجماهير، والفوز في الانتخابات لايجب ان يسير وفق مبدأ مصائب قوم عند قوم فوائد، ولو كانت الديموقراطية تقوم على خراب بيوت، واعمار بيوت اخرى حسب مقاييس القرب والبعد من صانع القرار.. فأنها ستتحول الى كابوس لأن الدائرة ستشمل الجميع!!
فالانتخابات ليست انقلاب موسمي، او ثورة بيضاء، او حمراء، او صفراء.. بقدر ماهي ثقافة سياسية جديدة، وطريقة للتفكير تقوم على توسيع قاعدة المشاركة، وتفعيل رقابة الشعب على الحكومة وفق نظرية العقد الاجتماعي.
فقد كانت السياسة لدينا تسير وفق اتجاهان متضادان.. الاول السيطرة.. والبطش من اجل اهداف لاعلاقة لها بالمواطن العراقي، اما الاتجاه الآخر والمتعلق بجانب المعارضة فقد كان يتميز بالتضحية والايثار والتسلح بالقيم الاخلاقية، ووضوح الهدف الذي يتمحور بالعمل على اسقاط الديكتاتورية وانقاذ الشعب من مخالب الزمر القابضة على السلطة.
لكن مانشهده اليوم يختلف عن المفهومين السابقين، حيث انتجت التفاعلات السياسية العراقية طبقات سياسية مشوهة المعالم والاغراض، لايهمها الا البقاء والتوسع حتى وأن تحقق ذلك على حساب مبادئها التي عملت من اجلها، لذلك اسهمت السياسة في اسقاط الرمزية التاريخية للاحزاب التي عملت وجاهدت في ظل ظروف بالغة القسوة، وكان من الممكن ان تكون هياكل شامخة تؤثر في الجماهير وتمنحهم حصانة معنوية ضد وباء الانتهازية، والقفز، والانانية المفرطة، لكن هذا لم يتحقق.
وللأسف أننا افرغنا السياسة من محتواها ومفهومها اللغوي المشتق من (ساس.. يسوس).. اي (عالج الامر.. او انصرف الى معالجته).. فأنقلب الامر الى عقد.. يعقد (بتشديد القاف) اي تعقيد الامور.. وتأزيمها.
والادهى ان السياسة لدينا تجردت تماما من مفهومها التربوي، ومن قيمها الاخلاقية، وغرقت في براغماتية مفرطة ضيعت ملامح الاحزاب، والتجمعات السياسية التي لم تعد تعرف ماتريد، فالجميع يعملون بنفس الاجندة وهي الادعاء بتوفير الامن، والخدمات، وتلبية الحاجات المعيشية الملحة للمواطن، بأطاره العام، ومخاطبة المواطن المنتمي طائفيا للبحث في انصافه وتحريره من (التهميش)، ومخاطبة المواطن الانتهازي، او الطموح.. واغرائه بالمناصب، والمواقع الادارية، او التعيينات البسيطة، فأذا كان الخطاب الطائفي هو الاكثر اثارة للمشاعر، فأن خطاب المصلحة والوعود الصادقة.. والكاذبة هو الاكثر تأثيرا، والاكثر جلبا للنتائج السريعة التي تفيد السياسي.. وتضر الدولة

هنا روتانا الاخبارية

العدد ( 507) الاثنين 12 /7/2010


على خطى التجربة الاميركية سارت التجربة السعودية في الاعلام، ومثلما غطت الولايات المتحدة سماء القارات الخمس بما ترسله عبر الموجات الكهرومغناطيسية والراديوية من معلومات منسقة، بدت سماء الجزيرة العربية، والخليج العربي، تتلبد بغيوم الاعلام الممول والمنسق سعوديا، الى الدرجة التي اصبح السعوديون فيها هم سادة.. وقادة..الميديا العربية، متخطين السيادة المصرية.. او الشامية.. او العراقية.. التي كانت لها المبادرات الاولى خلال القرن العشرين.
كان السعوديون قد شعروا مثل غيرهم من ابناء الخليج بصدمة (CNN ( عندما نقلت بشكل مباشر احداث حرب الخليج الثانية1991 واصابت كل محطات التلفزة العربية بالصمم الاعلامي، الامر الذي دعا امراء وشيوخ الخليج الى تحريك اموالهم من خزائنها والبدء بمرحلة جديدة.
فمنذ ان بادر الشيخ صالح كامل المقرب من العائلة المالكة بانشاء مجموعة (ART) في ايطاليا مطلع تسعينات القرن الماضي، اقدم الشيخ الوليد الابراهيم الى شراء مجموعة (MBC) التي انتقلت من لندن الى دبي، وخلال ذلك يسعى الامير الاكثر شهرة الوليد بن طلال الى توسيع امبراطورية روتانا، والتي احتكرت الانتاج الفني والموسيقي العربي بشكل لايسمح بأن يشتهر مطرب جديد او يأفل نجمه دون تدخل تدخلها.. كونها اصبحت بورصة الغناء.. والموسيقى العربية.
ثم بادرت روتانا الى شراء الارشيف السينمائي والموسيقي المصري، ولم يقف الامر عند ذلك فقد قام الامير الوليد بشراء الجزء الاكبر من اسهم المؤسسة اللبنانية للارسال (LBC)، والتي تميزت بأنتاج البرامج الاكثر ضخامة وكلفة، ومنها تلك البرامج التي تحول الاشخاص العاديين الى نجوم حقيقيين، بصورة باتت تثير الجدل بين مراكز البحث الاعلامي بقدر ماتشغل قطاعات واسعة من الجمهور.
لكن الكارتل السعودي دخل متأخرا الى عالم القنوات الاخبارية العربية التي بدأتها (ART)، و (BBC) العربي عن طريق الكابل بتجارب لم يكتب لها النجاح.. لحين ظهور قناة الجزيرة برعاية كاملة من وزارة الخارجية القطرية، ثم قناة ابو ظبي بدعم حكومي اماراتي، ومع اندلاع حرب الخليج الثالثة 2003 اطلق الشيخ الوليد الابراهيم قناة العربية.. برأس مال سعودي اماراتي وبأسهامات كويتية، واردنية حسب مايشاع.
واذا كانت الجزيرة، والعربية تمثلان الجيل الاول من القنوات الاخبارية العربية، لتمكنهما من تحقيق نجاح كبير.. فأن المحاولات التي شكلت الجيل الثاني لم يكتب لها ذات القدر من النجاح، فلم تفلح الولايات المتحدة، ولاروسيا، ولابريطانيا في ثلاثة مشروعات هي الحرة، روسيا اليوم، (BBC) العربي، وكذلك تعثرت جهود حكومية عربية في اطلاق قنوات اخبارية منافسة مثل النيل للاخبار، والاخبارية السعودية، اضافة الى محاولات اخرى لم تفلح مثل الشرقية نيوز، والمشرق.
وبذلك فأن اخباريات الجيل الثاني لم تتمكن من انتاج خطوط جديدة للعمل، بقدر ما اخذت تراوح بين تكرار وتقليد فضائيات الجيل الاول، وبين ضغوط وحدود افقدتها جاذبية الابتكار و لم تجعل لها مساحات واسعة للحركة. ولكن بوادر الجيل الثالث من الفضائيات الاخبارية العربية يبدو انه سيخرج من رحم روتانا وسيدشنه الوليد بن طلال بعد اعلانه عن اطلاق فضائية اخبارية ليست على خطى العربية، والجزيرة.. انما على خطا فوكس نيوز FOX NEWS وسكاي نيوز SKY NEWS الامريكيتين المملوكتين لرجل الاعمال والصحافة الشهير روبرت مردوخ صاحب مجموعة News Corporation والذي اشترى قبل اشهر جزء من اسهم شركة روتانا.
ولا اريد ان اتوقع ماستكون عليه فضائية الوليد الاخبارية التي اكتفى الامير السعودي بالقول انها ستكون مستقلة عن روتانا، وتهتم بالقضايا العربية، وتخضع لاشرافه، وتم اختيار الصحفي الليبرالي السعودي جمال خاشقجي لادارتها، وخاشقجي الذي ينحدر من اصول تركية شغل مرتين رئاسة تحرير جريدة الوطن السعودية، واثار جدلا من خلال بعض كتاباته الاصلاحية التي تخرج احيانا عن ماهو سائد سعوديا.
فضائية الوليد ستعزز حتما القبضة الفولاذية السعودية على الاعلام العربي بصورته الورقية، او التلفزيونية، وبوظائفه وبتخصصاته المنوعة، والثقافية، والاخبارية، اي ان انتاج المعرفة على المستوى العربي بات لايدخل الوعي العربي الا من الباب السعودي.
واضافة الى ذلك فقد نجح السعوديون كما نجح سواهم من امراء الخليج في بناء مؤسسات اعلامية، واقتصادية تتماشى مع المزاج الغربي، وتخبيء عيوب السياسة خلف اضوية الاعلام، لتبقى المؤسسة السياسية بعيدا عن النقد، او البحث، او التحليل.. كونها تنتهج نظم حكم قبلية مستبدة غير مقبولة عالميا.
ان نجاح التجربة الخليجية في الاعتماد على اصلاح ركني الاقتصاد والاعلام دون اجراء اصلاحات سياسية يمنحنا شيء كثير من التامل، فمنذ نيسان 2003 ونحن منهمكون.. جادون.. ساعون لاصلاح النظام السياسي، دون اي اعتبار للنظام الاعلامي الذي اردناه انعكاس لما هو سياسي، بتناقضاته وسلبياته وتبعاته، وكذلك الحال بالنسبة للنظام الاقتصادي الذي مازال عديم الهوية.
ربما سيكون من اولويات روتانا الاخبارية تضخيم اخطاء التجربة العراقية مادتها، وربما ستتحول الى واسطة لابراز وتاجيج صراعات رجال السياسة.. واشباههم في العراق، لكنها حتما وبكل تاكيد ستكون محطة هامة تعزز الهيمنة الاعلامية السعودية على الشرق الاوسط، واداة تترجم صورة اصلاحية حداثوية عن دولة مازالت تتعاطى بقوانين القرن الرابع الميلادي

 

زيارة وتسيارة.. بالياباني

العدد ( 504) الاثنين 5 /7/2010


لدى تلبيتي لدعوة مركز الدراسات الاسيوية في جامعة القاهرة لحضور نشاط فني ياباني تعرفت بأحد الاساتذة الجامعيين العرب المقيمين في اليابان، وتذكرنا كثيرا في التجربة اليابانية التي درستها في وقت سابق، ولكن استوقفتني قصة من الحياة اليومية لبلاد الشمس المشرقة رواها الاستاذ الجامعي، ففي احد الرحلات التي تنظمها جامعة طوكيو لضيوفها حيث تقوم الجامعة بتخصيص مترجم ومرافق من منتسبي الجامعة لمرافقة الضيوف طوال اقامتهم في اليابان..
وصادف في احدى الجولات ان دخل كامل الوفد مع مترجمهم لزيارة معبد بوذي يبعد مئات الاميال عن طوكيو باستثناء الموظفة اليابانية المرافقة التي فضلت البقاء في السيارة..
وبعد ان قضى الضيوف ساعات من التأمل والمتعة بين ارجاء المعبد الكبير.. اكتشفوا ان الموظفة المرافقة رفضت الدخول الى المعبد، وعندما حاولوا اقناعها من خلال المترجم بالانضمام اليهم.. اخبرتهم ان مهمتها تتحدد في مرافقتهم، وهي تنتظر خارج المعبد؟؟ كونها لم تأتي للنزهة!! ولم يؤذن لها بأداء طقوسها الدينية في المعبد من قبل ادارة الجامعة!! واصرت على جلوسها داخل السيارة.. دون ان تستجب الى الحاح الضيوف!! بل اخبرتهم انها ستاتي الى المعبد لاداء الطقوس في اجازة نهاية الاسبوع!!
وهنا بدأ الاستاذ المتخصص في الشؤون اليابانية يؤكد ان تصرف هذه المرأة البوذية أمر طبيعي في اليابان، وهو السائد.. واخذ يحكي عن دور التنمية البشرية في نجاح التجربة اليابانية.. وان الاساس جاء من طبيعة الفرد الياباني، لامن خلال نوع وشكل السياسة، او طبيعة نظام الحكم، فقلت له اننا في العراق منذ مئات السنين وجدنا حل لمثل هكذا حالات وفق مبدأ (زيارة وتسيارة).
وأخبرني بدوره عن مئات السياسيين من أرجاء الدول الاسلامية الذين يوفدون الى المملكة العربية السعودية في زيارات رسمية، يستغلون اطول فترة من الايفاد لاداء مناسك العمرة في الديار المقدسة، بل انه من المعيب اذا وصلوا المملكة السعودية ولم يؤدوا المناسك، واتفقنا انه اختلاف كبير في الثقافات دون ان نحدد من هو الافضل.. ربما مبدأ (زيارة وتسيارة) يختصر المسافات اكثر من الطريقة اليابانية.
ويبدو ان اليابانيين غيروا نمط حياتهم منذ اكثر من قرن من الزمن بعد ان كانوا يؤمنوا بنظرية (الباب اللي يجيك منه ريح سده واستريح) فكان العالم الخارجي كله بالنسبة لهم ريح فاسدة يهدفون للنأي بجزرهم الجبلية عنها.. واستمروا مئتي عام في حالة من العزلة التامة، وتلك الحقبة يسمونها بالياباني مرحلة توكوجوا، ثم قرر حكام المقاطعات المتنازعة في ستينات القرن التاسع عشر توحيد البلاد تحت ظل الامبراطور الصغير ميجي، وسمي هذا التحول (عصر الميجي) الذي غير اليابان تماما، رغم ان الامبراطور ميجي لم يكن مهندس هذا التغيير الذي وضعه جنود مجهولين.
لكن الغريب انهم حددوا ثلاثة اهداف لعصر الميجي.. ولم تكن الوحدة، والحرية، والاشتراكية، او الديموقراطية، او الحديث عن مواطنة لايؤمنون بها انفسهم، او عن دستور هم اول من يسعون الى انتهاكه.. او اي مفهوم عائم آخر.
ولم تكن اهداف عصر الميجي تتعلق باحياء فكرة ان اليابانييين احفاد الالهة، او ان الساموراي هم رجال القائد الضرورة الامبراطور ميجي حفظه الله ورعاه، او بأن اليابان بلاد الشمس المشرقة وامة ذات رسالة خالدة، بل كانت اهدافهم ربما تكون في نظر فطاحل منظرينا المعتقين، ساذجة.. ومضحكة، فكان هدف اليابانيون الاول في عصر الميجي هو التصنيع، وهدفهم الثاني التسليح، وهدفهم الثالث التحول الى دولة ذات نفوذ. اي اهداف واضحة، وصريحة، ومحددة، ويمكن تطبيقها بالاستناد الى برامج عملية، وهذا ماتم بالفعل من خلال ارسال آلاف الدارسين اليابانيين الى اوربا، والولايات المتحدة، والعمل على نقل التكنولوجيا، والبدء بمرحلة التصنيع رغم ان الارض اليابانية ليست الا مناطق صخرية.. خالية من الخامات.. و الثروات الطبيعية.. والمواد الاولية.. بل غير صالحة للسكن! ومعرضة لخطر الزلازل بشكل مستمر!!
اي ان اليابانيين ادركوا ان لاشيء لديهم يمكن تنميته سوى الانسان، فاستثمروا بالانسان.. ونجح استثمارهم.. من خلال التربية والتعليم، وساعدهم في ذلك كون الشخصية اليابانية مطيعة، منضبطة، ملتزمة، محبة للعمل الجماعي، لذلك تحققت اهداف عصر الميجي في اقل من عقدين من الزمن وتحولت اليابان الى دولة كبرى ذات نفوذ عالمي منذ بدايات القرن العشرين.
اما في التجربة العراقية حيث دمج (الزيارة بالتسيارة) فيبدو ان الثنائيات لاتقتصر على المجتمع بل تشمل السياسة ايضا، حيث تارجح قيام الدولة بين (القومية والوطنية)، والثقافة بين (الاصالة والحداثة)، ثم التيارات الدينية بين (الانفتاح والتشدد)، وبدأت الاهداف الحزبية والسياسية تضع مباديء لاعلاقة لها بالمستقبل.. بقدر ماتعالج قضايا مرحلية او سابقة، الى درجة ان تكون الوحدة العربية هدف سياسي تتناثر من اجله دماء عراقية، وتنشا مذابح نتيجة الصراع الشيوعي البعثي اواسط القرن الماضي من اجل الوحدة، فالشيوعي يفهمها وحدة عراقية، والقومي يفهمها وحدة عربية.
ثم لم تنشا لدينا معالجات سياسية مستقبلية تخلصنا من عقدة التأريخ، وبأننا كنا يوما ما اصحاب حضارة عظيمة بالشكل الذي لم تمر مناسبة الا وذكرنا العالم بمنجزاتنا التأريخية، في الوقت الذي يعج مجتمعنا بالكذابين، والفاسدين، والسراق، والمحتالين، والمزورين الذين لايعرفون غير الشعار الخالد (الشاطر اللي يعبي بالسكلة ركي).
فبعد ان تعرض اليابانيون الى اكبر نكسة في تاريخ بلادهم بعد ان قصف الامريكيون هيرشيما، ونكازاكي بالقنبلة النووية لم يلجاوا الى المقاومة الشريفة، او غير الشريفة، و على طريقة.. (ها خوتي عليهم... هاعليهم..) بل تعاموا مع الامر بحكمة كبيرة رغم انهم اول من نفذ العمليات الانتحارية في تاريخ الحروب، فلم يطلقوا رصاصة واحدة بعد انتهاء الحرب، انهم عرفوا من اين تؤكل الكتف.. وتنازلوا، واستوعبوا الهزيمة، وحولوا الازمة الى فرصة، وحققوا معجزة سيقف امامها التاريخ طويلا.
واليابانيون اليوم تساموا على جروحهم وتحولوا الى اوثق الناس علاقة بالولايات المتحدة بل تفوقوا عليها اقتصاديا الى درجة ان اهم شركة امريكية للسيارات جنرال موتورز تكاد تكون قد ذابت داخل شركة تويوتا اليابانية العملاقة.
وهذه المعجزة تكررت في كوريا الجنوبية وماليزيا وسنغافورة وبلدان اسيوية اخرى فالجميع عرف ان السر لايكمن في تغيير الحكومات والحديث عن اصلاحات في قمة الهرم بقدر مايكمن السر في اصلاح قاعدة الهرم والاستثمار في الانسان على طريقة الميجي لاعلى طريقة زيارة وتسيارة

 

الوجه الآخر للصحافة

العدد ( 500) الثلاثاء 29 /6/2010

احتفلت الصحافة العراقية قبل ايام بمرور حوالي قرن ونصف على صدور اول جريدة في العراق وهي جريدة الزوراء التي اصدرها الوالي مدحت باشا عام 1869م، ورغم عمرها الطويل الا ان الصحافة العراقية لحد الان مازالت تعاني مشكلات على مستوى المؤسسات، والكوادر الصحفية، والتشريعات من جهة، وعلى مستوى تدريس الصحافة والاعلام من جهة اخرى، فرغم التوسع الكبير للمؤسسات الصحفية والاعلامية والتزايد الواضح في اعداد الصحفيين والاعلاميين، الا ان الجميع مازال يتحدث عن الضعف والتراجع وعن تخبط في فهم الوظيفة والدور وكاننا امام خبرة سنة واحدة كررت نفسها 141 مرة، وليس خبرة متراكمة ل 141سنة.

 فأذا تجاوزنا الحديث عن المؤسسات وتحدثنا عن الافراد نجد ان هناك تفاوتا كبيرا في الخبرة والمهارة بين الاجيال الصحفية المتعاقبة، فرغم عراقة وقدم مهنة الصحافة لدينا الا اننا نادرا مانجد ان هذه المهنة تأخذ مساراتها الصحيحة، فمازالت الثقافة القديمة هي السائدة دون ان يتغير منها شيء، الى درجة اننا اليوم لانستطيع الاجابة بدقة عن اتجاهات قيمنا الصحفية التي تقوم على اساسها صحافتنا المعاصرة، ومالذي جنيناه من عراقة تجربتنا الصحفية.

وبدل من ان يعمل الصحفيون على اعادة ترميم ذواتهم بدعم من مؤسساتهم انقسموا على انفسهم، وتشتتوا وضاعت ملامحهم، وسط غزو كبير للسياسة التي حولت بعض التجمعات الصحفية الى احزاب سياسية.. تتبنى مواقف وآراء محددة، تتفق وتختلف مع اراء اخرى، وتعمل على قيادة الرأي العام وتوجيهه ليس بشكل مهني متجرد، بل بشكل مؤدلج.. وموجه.. يختبيء خلف المطالبات المشروعة لمؤسسات اعلامية في الشكل، سياسية في المضمون والهدف.

  وبوعي او بدونه انغمس صحفيينا في السياسة، وأخذ الاكثرية منهم يستخدمون سلطتهم الرابعة لابراز معتقدهم الايديولوجي، فهناك صحفيون لايحبون الاحزاب الاسلامية، ولذلك اختزلوا مهمتهم فقط بالبحث عن عيوبها، ووضع عدساتهم المكبرة على المثالب وتجاوز المناقب، وهناك صحفيون لايحبون الدول العربية، وتراهم دائمي الهجوم عليها، وانتظار اي مناسبة لاثبات انها سبب بلائنا، ونفس الشيء مع ايران، او الولايات المتحدة، وكذلك يفعل الذين لايحبون الحكومة ويحاولون الهجوم عليها في كل مناسبة، معتقدين ان ذلك هو الركن الداعم للصحافة الحرة.

وليس محرما على الصحفي ان يحب ويكره، لكن الخلل ان تطغي العاطفة على ممارسة المهنة، الى درجة حصول ازمة في الصحافة المهنية المحترفة، فهناك من الصحفيين من نشأ وترعرع في ظل الانفتاح الاعلامي بعد نيسان 2003م، واخذ يمارس سلطته الرابعة بتعسف سلطوي كبير، لينتشي وهو يقذف بكلماته السلطات الأخرى بشخوصها او عناوينها الاخرى، مستخدما اسمه الصريح او المستعار، دون ان يخاف من الرد، لرغبة في نفسه، او في نفس من حرضه على هذا الفعل، الذي تبيحه الاجواء الحرة الخالية من ضوابط ومحددات وقوانين شرفية او اخلاقية او تشريعية..

فلدينا صحفيون تلذذوا بطعم الديموقراطية، واختاروا اسهل اصنافها ليقبلوا على تعاطيها، وهي الحرية المطلقة.. متناسين ان الديموقراطية وجبة تؤخذ متكاملة، ولايجوز معها الانتقاء لان ذلك يعني الفوضى، وان حرية الصحافة يقابلها التزام وموضوعية، ومحددات اخلاقية، والتحلي بروح المسؤولية الاجتماعية التي لاتبيح للصحفي ان يقول مايشاء.

وهناك من الصحفيين من تخصص بحب اي حكومة حالية والتودد لها وفرش طريقها بالرياحين، وتعطير اجوائها بالمصابيح الملونة التي تحجب الرؤية عن السلبيات والاخطاء، وهو ماسيفعله مع الحكومة اللاحقة، وهو مافعله مع السابقة والاسبق منها..لان تخصصه التزلف للسلطة ليس حبا بها طبعا، بل حبا بما يجنيه منها لصالحه.

وهناك من يمارس دورا معاكسسا لذلك، فما اكثر الصحفيين الذين تخصصوا بالمشاكسة لتحقيق مآرب اخرى، فهجوم على سين من المسؤولين، ومديح صاد منهم بهدف الابتزاز، والمبرر سد متطلبات المعيشة القاسية التي تضغط على الصحفي لتجعله يستغل قلمه في الحرب ضد الفاقة والعوز.

ولا اريد ان استرسل بالسرد لكني اعرض بعض ما يحدث في مشهدنا الاعلامي الذي يكاد الصنف المستقل الواعي الملتزم فيه يعاني العزلة، وغياب الدعم.. وبالتالي الذبول، والتراجع لصالح الصحافة الحزبية، او الانتهازية، او الاخطر منها تلك التي تدعي المهنية، وهي مسخرة بشكل سافر لخدمة ايديولجية، او شخص، او كتلة محددة بهدف عقائدي، او شخصي، او منفعي.

 وما يثير التساؤلات ان الاجيال الجديدة من الصحفيين بدات تقبل على الطريق السريع الى جني المال، و النفوذ، اوالعلاقات، او الشهرة، وهذا لايتم وفق اسس الصحافة الملتزمة بقدر مايتم من خلال خلق الازمات وركوبها، والتسابق في الحديث نيابة عن الاغلبية الصامتة التي لم تنتخب صحفيا واحدا من الذين تحدثوا باسمها مرارا، وحاولوا ان يجربوا حظهم في اول انتخابات صادفوها، وانتخبت بدلا عنهم سياسيين طالما شرحتهم الاقلام، وهذا دليل على اهمية ان يبعد الصحفي نفسه عن الدخول في مهاترات سياسية تفقده وزنه وملامح مهنته العظيمة.

ربما كنت قاسيا بعض الشيء لكنها الحقيقة، التي على اساسها تجد المؤسسات العراقية نفسها ملزمة بالعمل على بناء اجيال صحفية جديدة، تتسلح بالمهنية، وتفتخر بنقل المعلومة بأمانة كبيرة، لتكسب ثقة الرأي العام، وتبتعد بشدة عن دعم جهة وانتقاد اخرى، لان هذه مهمة الخبراء المتخصصين بالسياسة، باعتبارها احد تخصصات الصحافة مثلها مثل الثقافة، والفنون، والعلوم، والرياضة وشؤون المراة، وسائر التخصصات المهنية الاخرى.

 

 

الامن.. والفضائيات..
وشارلوك هولمز

العدد ( 494) الاثنين 21 /6/2010


حول الاعلام العربي العميد ضاحي خلفان قائد شرطة دبي الى شارلوك هولمز العرب بعد ان اظهرت كاميراته صورا لقتلة القيادي الفلسطيني الحمساوي محمد المبحوح.. بدمهم.. ولحمهم.. وشعرهم المستعار.. وجوازاتهم المزورة.. وبعد ان قام خبراؤه بتحليل اكثر من 1800 ساعة تصوير التقطتها كاميرات المراقبة التي تبلغ اكثر من 25 الف كاميرا.
ويقال ان المبحوح قد دخل دبي قادما من دمشق بجواز عراقي مزور والغريب ان قتلته رافقوه على نفس الرحلة من دمشق الى دبي، وهذا يعني ان الامر تسبب باحراج كبير للاجهزة الامنية السورية، التي كانت تحكم المنطقة الاكثر صلابة وتماسكا في الخارطة الامنية للشرق الاوسط.
وتركزت التغطيات الاعلامية وتحليلات الخبراء الامنيين على اهمية قهر الموساد من قبل شرطة العميد خلفان ولم يتم التطرق الى كيفية نجاح جهاز شرطة صغير (شرطة دبي)، فيما لم تنجح به الاجهزة الحديدية التكوين، والتنظيم، والخبرة (المخابرات السورية).. والتي تتجاوز موازنتها المليار دولار حسب بعض التقارير، لاسيما اذا تذكرنا عملية اغتيال عماد مغنية، واغتيال العميد محمد سليمان، وانفجار السيدة زينب، وهو مالم يحدث في سوريا خلال اكثر من عقدين.
وهذا ليس تقليلا من جهاز امني عربي مشهور بقوته لكنه يعني انه من الممكن تحقيق الاختراقات مهما بلغت قوة الاجهزة الامنية، وانه لا ثوابت امنية في المنطقة، وعلى هذا الاساس نجد ان الجميع مدعوين الى انصاف الاجهزة الامنية العراقية، واعادة تقييمهم لقدراتها التي اخذت تتطور بسرعة كبيرة وأن لاتسارع الفضائيات الى وضع عدسات مكبرة امام الخروقات الارهابية وعدسات مصغرة امام النجاحات الامنية العراقية.
فقد كانت بغداد بعد 2003م ساحة مفتوحة لنمو الخلايا الاستخبارية الخارجية، بهدف اداء التمرينات، وتنفيذ التصفيات، وتشكيل المجاميع الارهابية والحاضنات لهذه المجاميع، لتحقيق اهداف امنية، وسياسية، ونفسية، واقتصادية مختلفة..جعلت بغداد مركزا للارهاب الدولي بامتياز، لكن الامر تغير بعد سنوات دامية، انتقلت فيها بغداد الى مرحلة جديدة من الاستقرار والامن.
ومن شواهد ذلك هو ماتحقق في هذا العام وفي وقت تحدث فيه الاعلام العربي والاجنبي عن قلق امني سيحدث بعد انتهاء الدورة البرلمانية الماضية، لكن الذي حصل ان القوات المسلحة العراقية اثبتت تفوقها، وتمكنها من تصفية قيادات القاعدة نتيجة تخطيط سليم وتنفيذ محكم وجهود استخبارية مثيرة.
وتم تحقيق عمليات نوعية من العيار الثقيل منها قتل ابو عمر البغدادي، وابو ايوب المصري، نتيجة جهد استخباري، والقبض على ابو عبد الله الشافعي، والقبض على عدد كبير من عناصر الطبقة العليا من زعماء وامراء الحرب ورجال الفتوى في القاعدة ومن جنسيات مختلفة، واحباط محاولات كثيرة قبل وقوعها ..
ومنها احباط محاولة التخطيط لخطف طائرات من مطار النجف الاشرف، ومحاولات لاستهداف المنطقة الخضراء، واستهداف رئيس الوزراء، وشخصيات سياسية اخرى بهدف اثارة الفتنة، وغيرها من الجهود التي شكلت هزة كبيرة لتنظيم القاعدة على المستوى الدولي، اضافة الى وضع اليد على الجزء الاكبر من وثائق القاعدة في العراق واساليبها وبنيانها التنظيمي الى درجة فاقت الحسابات والتصورات.
ولايحتاج الامر الى ادلة فأذا قارنا مع مايحدث في دولة مثل الباكستان نجد ان جهاز المخابرات الباكستانية لم يوفق في الحد من نشاط القاعدة، او طالبان، او الجماعات الاخرى، او تحقيق نجاحات مهمة اخرى منذ اعتقال خالد شيخ محمد قبل سبع سنوات رغم ماتتمتع به اجهزة الامن الباكستانية من قوة كبيرة.
الى درجة ان جهاز المخابرات الباكستاني (ISI) يعتبر قويا في مواجهة القاعدة على اعتبار انه الراعي الاول لحركة طالبان والمسؤول الاول عن تطورات (العمل الجهادي) منذ منتصف الثمانينات، حيث لم يتوقف دعم المخابرات الباكستانية لطالبان الا بعد احداث 11 ايلول وبجهود من الرئيس السابق الجنرال برويز مشرف.
فما يحدث في باكستان من عمليات ارهابية، ومن جهد ونشاط كثيف للقاعدة واخواتها، وما يقابله من عجز واضح لاجهزة الامن الباكستانية، وبالمقارنة مع مايتحقق من نجاح للقوات الامنية في العراق يجعلنا نفتخر كثيرا بالتقدم الذي يتجسد رغم شراسة الخروقات التي تحصل بين حين وحين والتي تتمكن القوات الامنية في اغلب الاحيان من الوصول الى خيوطها دون ان يشار لها اعلاميا بالبنان.. مثلما حصل مع العميد ضاحي خلفان الذي لم تتمكن شرطته من احباط المحاولة، بل تمكنت من الوصول الى فاعليها بفضل حسن استخدامها للتكنولوجيا.
لذلك علينا ان نبارك لقواتنا الامنية ماتحققه من جهود متواصلة وأن نعتز بما تقدمه من تضحيات رغم حداثة تشكيلها، ومحدودية امكانياتها، وماتعانيه من مشكلات تنظيمية.. ولوجستية مختلفة، و علينا ان نقر بالتقدم الكبير في ادائها، فبالامس كانت وحدات وفرق من الجيش، او الشرطة العراقية تتفرق.. وتنحل تلقائيا بمجرد مواجهة مع جماعة مسلحة متماسكة ايديولوجيا وميدانيا.. ولاسباب مختلفة، لكن اليوم نجد الاقدام الواضح والتضحية، والاستشهاد من اجل امن المواطنين هو السمة الغالبة لها.
وتتحقق هذه النجاحات الباهرة في وقت يتحدث فيه الجميع عن ازمة للسلطة، وهذا مصدر للفخر والطمأنينة كون للوطن رجال يحرسونه بروح مجردة عن التاثر بالتبدلات، والتغييرات، والمواقف المسبقة، والتصريحات المتضاربة التي ينطق بها الساسة، سواء الفائزون، او الخاسرون، او الذين يحسبون نجاح القوات الامنية رصيدا سياسيا يسهم في تقزيم صورتهم، وتعظيم شان الحكومة التي يخاصمونها سياسيا وربما يحسدونها بعد كل نجاح يتحقق

 

دورة برلمانية وايام لعلها بيضاء


قبيل الانتخابات التي جرت في آذار الماضي شهد العراق اربعاء، وخميسا، وثلاثاء دامية تناثرت فيها الدماء الطاهرة لموظفين حكوميين، ومواطنين ابرياء.. كسبة.. ومستطرقين.. واصحاب محال وشقق.. ومنازل آمنة..
ولا اريد اعادة وصف المشاهد الدامية، التي مازالت تمثل هزة نفسية كبيرة للعراقيين، وخبرا عاديا بالنسبة للاوساط الرسمية، والاعلامية الاخرى لاسيما دول الجوار التي لايهمها الا الحديث عن مسارات العملية السياسية، وكأنها تشارك في ميدان تسابق للخيول (مع الاعتذار على التشبيه لكنه الواقع).
دول كثيرة اعدت مطابخها السرية الهادفة الى صناعة الرجال، وتسويق التصورات، وتغيير مسارات التاريخ، واستغلت غضاضة عود الديموقراطية في العراق، لتنفذ من مساماته الرخوة عبر المال، والرجال، والصولات الاعلامية المنسقة.. القائمة على ركوب الموجة، وحرف اتجاهها.. بعد ان فشلت خطط ايقافها.
ولكن كان رد الشعب ان جعل من يوم الانتخابات يوما عراقيا بامتياز، جدد فيه قدرته على الفعل والتاثير، واعطى الى 325 شخصا حرية الخيار في تحديد لون وطعم ونكهة ايامنا المقبلة، ففي هذا اليوم الاثنين، سيدخل النواب الجدد دائرة الجدية والسباق مع الزمن، حيث تشهد بغداد التئام البرلمان العراقي الجديد.. الذي انتجته رحلة كان جديدها الجدل القانوني، واعتماد القائمة المفتوحة التي افرزت الكثير من المفاجآت.
وبينما انتم تطالعون هذا المقال ستكون القاعة الكبرى في قصر المؤتمرات قد سجلت حدثا عراقيا من طراز يستحق ان يكون مثار اهتمام الدوائر السياسية، ووسائل الاعلام العالمية قاطبة، تلك القاعة التاريخية ..ستستقبل مقاعدها شخصيات ستقرر مصير العراق، وشخصيات عاودت التعاقد مع الشعب للجلوس اربع سنوات اخرى تحت قبة البرلمان.
اذن ستحتل وجوه جديدة، محل وجوه تقليدية احتكرت التصريح، والنقاش، والجدال، والعراك..والتصويت للتشريع.. في مشهد سياسي انتقل الى ارشيف المؤسسات العراقية وبعض الدوائر المتخصصة، والتاريخ هو من يقيم سلوك، واداء ووطنية من غادر البرلمان.. وليس مقال لكاتب في لحظة عاطفية.
اما جلسة اليوم فلن تكون جلسة سمر لمجموعة مهتمين بالسياسة، او جلسة صلح لمتخاصمين، ولاهي جلسة حزبية لتحقيق مكاسب، اومؤتمر قمة لممثلي طوائف او دول متباينة، بل انها مسؤولية تاريخية جسيمة، وحمل ثقيل لبلد عظيم الشأن، لايعالج بالالفاظ والعبارات الرنانة، بقدر مايتطلب رغبة وصدق وشفافية والتزام اخلاقي.
325 شخصا يمثلون العراق من اقصى سلاسل جباله الوعرة في زاخو وعقرة، الى سهوله، واهواره، وقراه المنسية في الجنوب، ومن اعالي الفرات برمالها ومروجها الخضر، الى بساتين ديالى وقراها المتناثرة على الشريط الشرقي للحدود، ومثلما يمثلون العراق جغرافيا.. فهم يمثلونه تاريخيا ووجدانيا، فهم ورثة حكمة حمورابي، وورثة عظمة الامير علي بن ابي طالب(عليه السلام)، مثلما هم ورثة مملكة فيصل الاول التي حولها الزعيم قاسم الى الجمهورية العراقية العتيدة.
325 شخصا يرثون كل من تشابكت جذوره مع عروق النخيل على ضفاف الفراتين، وينجبون رئاسات ثلاث وهيكل دولة وحكومة، فالبرلمان في دستورنا هو المنبع الوحيد لنهر السياسة والحكم، التي من المفترض ان تغذيها منابع متعددة.
على النواب وهم يرددون القسم الذي يدخلهم في دائرة الحصانة البرلمانية، ان يحسنوا معرفة ماعليهم من واجبات، ان ينزعوا ثياب الحقد والضعينة، ويطفئوا نار الاثارة الاعلامية، عليهم ان يتداركوا الامر قبل فوات الاوان.. فهم مفاتيح الخراب! وادوات البناء! في وقت واحد.
عليهم ان لايبخسوا جهود من سبقوهم.. وان لايترددوا في كلمة الحق، عليهم ان يتعلموا من بسطاء العراق خصلة الايثار، والتضحية التي مارسها الناس اجيالا بعد اجيال، فالبرلمان ليس ناديا لتبادل المصالح او ترسيخ التمزق او التشتت العراقي.
عليهم ان يدركوا ان العراقيين اينما وجدوا هم امانة في اعناقهم وان الاطفال الصغار ومن سيولدون سيكون مصيرهم مرهونا بقرار او تصرف او تصريح، لان وقعه سيكون وقع النار في الهشيم، فالطبيب ان اخطأ يقتل مريضا، والمهندس اذا اخطأ قد يفسد جدارا، لكنكم ان اخطأتم لاسامح الله ستفتكون بشعبكم، وتضيعون اجيالا، وتهدمون مستقبلا زاهرا لبلد يحتكم على كل مقومات القوة.
معضلة المعضلات في العراق هي السياسة فلا تتحولوا الى معضلة، ولايشرفكم ان تكونوا كذلك، لان الشعب العراقي يرضى بقليل ما حصل عليه من خيرات بلاده، وهو صابر على حرمانه مما يتنعم به الاخرون، لاتصنعوا مجدكم على حساب فقراء العراق وايتامه وارامله، مهمتكم ان تنشروا ثقافة الحياة لشعب يريد ان يصنع الحياة وينسى الايام الدامية السود ومن يصنعها او من يعتاش على تداعياتها

بغداد وقائمة ميرسر

العدد ( 485) الثلاثاء 8 /6/2010


في 26 ايار 2010 نشر الموقع الالكتروني لمؤسسة ميرسر التي تعد اهم مؤسسات التنمية البشرية في العالم تقريرها السنوي عن تصنيف جودة المعيشة في 221 مدينة من مدن دنيا الله الواسعة، وكان نصيب فيينا المركز الاول، ونصيب بغداد المركز الاخير..
ومابين (مدينة البساتين) بغداد، و(مدينة النسيم العليل) فيينا.. تسلسلت المدن المختلفة، فقد جاءت زيورخ بالمركز الثاني، وجنيف بالمركز الثالث، كما حصلت مدن عريقة على مراكز اخرى ضمن المئة مدينة الافضل، فقد حصلت لندن على المركز 39، وبرمنكهام 55، وكيب تاون 86، وتقدمت دبي المدن العربية بحصولها على المركز 75، كما حصلت ابو ظبي على المركز 83، والكويت 88، الرياض 114 .ومن المثير للانتباه ان هدوء المدن الثلاثة المتقدمة عالميا لم يجعل منها مدن تاثير، او استقطاب سياسي، او عسكري، فمن النادر ان سمع احدنا برئيس جمهورية النمسا يهدد، او يتوعد، او ينظر، او يتدخل في ما يعنيه، او مالايعنيه.. وكذلك الحال بالنسبة لسويسرا ؟
بقي ان نعلم ان المدن التي احتلت قعر القائمة بعد بغداد، جاءت بانغي في جمهورية افريقيا الوسطى، نجامينا في تشاد، الخرطوم في السودان، تبليسي في جورجيا، وكانت اغلبها تنتج المزيد من رجال السياسة، لتحتل عناوين الاحداث المثيرة او الدامية التي يشهدها العالم.
وهذا التقييم لم يخضع للامزجة او المحاباة او التعاطف القومي او المذهبي بل خضع لمقاييس علمية دقيقة، فقد وضعت مؤسسة ميرسر 39 محددا.. منها الاستقرار السياسي، البيئة الاقتصادية، الحريات الاجتماعية، الصحة، الصرف الصحي، المدارس والتعليم، الخدمات العامة، النقل، الانشطة الترفيهية، المطاعم، المسارح، توفر السلع، الاسكان، المناخ وغيرها. ولكون بغداد ليست مدينة طارئة على التاريخ، وعلى عكس الصحافة المحلية او العربية، فقد تناولت الصحافة العالمية الاوربية، والامريكية الامر بحيادية، وبشيء من التعاطف مع المدينة التي كانت الى الامس القريب تنزف دما، وتستنشق دخانا.. والى عمق التاريخ كانت مركز الاستقطاب الاهم، ومشعل التنوير بين قرون اوربا الوسطى الحالكة الظلام وسبقت غيرها من مدن الشرق الاوسط للتنوير والحداثة منذ مطلع القرن العشرين.
ولاشك ان الامر محبط للبغداديين.. لاسيما الذين انقضى الجزء الاكبر من عمرهم في محارق وهمية للدفاع عن بغداد، او اعلاء شانها سياسيا، وعسكريا، وهو ما جبل عليه الناس خلال الثلاثين عاما الاخيرة عندما تركوا القلم، والمعول، والمطرقة، والمختبر، والمكنسة، وتوجهوا لعناق السيوف والبنادق.فمنذ تاريخ طويل وبغداد توقفت عن النمو، وتوقفت عن صهر الناس في بوتقتها الحضرية.. بقدر ما اجتهدت كي تصهرهم في الحزبية، والعشائرية، والشللية، وتغذيهم بالقيم العسكرية القاسية، تعلمت المدينة من الريف عشوائية البناء، والطرق، وبدائية التخطيط العمراني، ولم يتعلم ابناء البادية و الريف منها جاذبية الحداثة، او نظامية التمدن، بل تعلموا شطارة ابناء المدن، وقدرتهم على التأقلم مع تقلبات المدينة.. التي تقفل ابوابها امام معظم ساكنيها، لتبخل عليهم بمزايا كثيرة كانت ومازالت تقدمها (فيينا) وسواها من مدن الدنيا.
ظل فقراء بغداد يراوحون في مكان لايسمح لهم بتذوق طعم التغيرات السياسية، او المناخية، او الادارية التي تنقلها وسائل الاعلام، فكان خيارهم الانكماش الى بعضهم البعض، واذا كان انكماش الفقراء واضحا، فان تشرذم ابناء الطبقة الوسطى كان بعيدا عن الاهتمام، فلم يلتفت احد لتمزق ابناء هذه الطبقة الى ان تسقط اجزاء منها في مستنقع الفقر والنسيان، واجزاء اخرى تتشظى لتلجأ الى مدن بعيدة.
وكل ما تمكن حاكم بغداد من فعله هو تحريم التملك فيها للمواطن الذي لم يسجل اسمه في سجلاتها قبل عام 1957م، حتى ان كان مسقط رأسه على ارضها الطينية الرخوة، ويمكن لفيينا ان تملكه مايشاء بمجرد ان تطأ قدماه ارضها سنوات معدودة، فبغداد لم تتعود الا فتح باب الواجبات اذا احتاجت (اسوارها) الى دماء جديدة، كي تكون عصية على الاعداء؟؟؟ وفي لحظة انتظرناها طويلا علها تضمد جراح المدينة، جاءت لكنها حملت تناقضات كثيرة فقد اختلط السراق بالمنتقمون في ثورة سلب ونهب، اسهمت في دخول غرباء حرقوا، وسلبوا، وجلدوا المدينة بسياطهم الجبانة، فلم يكن التحول نعمة مطلقة على المدينة، ولم تتمكن الحرية الجديدة من العودة بالمدينة الى ماضيها التنويري، فقد البس البعض حداثة الديموقراطية ثياب الطائفية، والعنصرية، لتتحول المدينة الى منتدى للتجارة السياسية.
وهذه التجارة تقوم على انتاج الكذب والنفاق، والصراعات، والتسقيط ، وبث الاشاعات، واشاعة الوهن المعنوي، وبخس الناس افعالهم، وانجازاتهم، والشكوى، والتذمر، والتلويح بخطر الحرب الاهلية، او الدفع باتجاهها، فلم يسمع الناس من بعض الساسة الا الحديث عن فئة سوف تغدر باخرى، وعن انشقاق سيحصل، وعن سكاكين اعدت لتوضع في خاصرة الحكومة السابقة، او اللاحقة.
لذلك فالسياسة لاتصلح حال المدينة بقدر ماتفسدها، لأن امر بغداد اكبر من ان تعالجه حكومة مقيدة بتشريعات قديمة ليست ملائمة للنهوض، وأخرى جديدة مقيدة للهمم، فعلينا ونحن نتناول الامر ان لانغرق في التلويم، وتحميل شخص بعينه، او حزب بمفرده، علينا ان نتحمل جميعا المسؤولية عن ذلك، بدءا من المواطن الذي يرمي عقب سيكارته وسط الشارع، الى السياسي الذي يرمي سكارته على الناس، وينفث دخانها من شاشات الفضائيات ليخلط ويحرق الاوراق امام المواطنين.
بغداد لم يسقطها الامريكان ابدا يوم ازاحوا جلاوزة البعث الذين جثموا على صدرها، لقد اسقطها البعض من السياسيين الذين لم ينتجوا الا القول دون العمل، وبغداد لاتحتاج لمن يعرف لها الحرية والديموقراطية، ويتحدث عن المجتمع المدني، وهو محاط بابناء عمومته وحاشيته المرتبطة معه برابطة الدم والمذهب.
بغداد بحاجة ماسة الى كناسي شوارع يزيحون عنها غبار الاهمال والتقاعس، محتاجة لسواعد قوية، تدحرج اصنام التصلب والجبن والترهل، محتاجة الى انامل تتقن النقش على جدرانها وتسجيل تاريخها على واجهة المستقبل، محتاجة لعقول الاطباء، وخيال الفنانين، وحكمة المفكرين، وتأمل الشعراء، ومهارة الرياضيين، بغداد بحاجة الى مقاومة شريفة للتصحر المعنوي، والثقافي، بحاجة الى ايقاف التسابق نحو جني الثمار، بغداد بحاجة الى رجال يعطون اكثر مما يفكرون بالاستفادة، حينها ممكن ان تقف بغداد على طريق المئة ميل الذي يضعها في موقعها الذي تستحق

لعبة السياسة الخارجية

العدد ( 480) الثلاثاء 1 /6/2010


استضافني احد الاصدقاء الصحفيين الخليجيين اثناء اقامتي في بلده، وكان مديرا لمكتب احدى القنوات العربية الاخبارية.. ودعاني بشكل شخصي لزيارة اهم المراكز الاعلامية الذي يقدم خدمات لوجستية لاحصر لها.. وتستفيد منها عدد من البلدان العربية. ولم اخف اعجابي بذلك، وحاجة العراق للارتباط بهذه المنظومة.. وفي مثل هذه الفرصة لايفوتني السؤال عن الكيفية التي من خلالها يمكن الاستفادة من هذه الخدمات، فأخبرني المدير المختص وبكل سعة صدر ودبلوماسية وذوق، بالكيفية التي تتم بها المخاطبات عن طريق القناة الدبلوماسية، وتدعم من خلال عضوية العراق في اتحاد اذاعات الدول العربية، الذي كنت عضوا ناشطا فيه.
وعند خروجي وتوديعنا من قبل المسؤولين هناك، بادر صديقي الخليجي ليهمس باذني قائلا مارأيك؟ فأنفتحت قريحتي للحديث عن الاخوة العربية، ومكارم الاخلاق القومية، والحب العذري بين شعوب الامة التي مزقها الاستعمار لعنة الله عليه...وال..
وهنا قاطعني وابتسم وقال لي.. انك واهم ياصديقي... انكم لاتستطيعون الاشتراك هنا مهما كانت الظروف!! وتعجبت من رده وثقته! قال انكم دولة طائفية؟ وحكومة طائفية؟ ووو...حاولت الرد وابداء صدمتي من كلامه ..
قال بثقة.. انه يعلم ماسوف اقول، ولكن هذا هو راي حكومة بلاده، وانهم لم يغيرون رايهم مهما حاولنا اقناعهم! ونصحني بترك الامر وعدم التفكير به مجددا.. مبديا نقدا لاذعا لحكومة بلاده.. واحتراما للعراق، وتجربته ولكن ما باليد حيله..... تذكرت حكايتي في هذا البلد الخليجي.. وانا اتلقى البيانات، والخطابات، واشاهد السياسيين ينهمكون لانتاج خطاب يتمحور حول شلل السياسة الخارجية العراقية، وبالخصوص ازاء الملف العربي.
وللاسف انهم يعلنون ان الحكومة العراقية هي السبب ولو كانوا منصفين لاكتشفوا انهم هم احد هذه الاسباب؟ باضعافهم البنية الداخلية للسياسة العراقية ازاء القضايا الوطنية، اضافة للاسباب المهمة الاخرى مثل ضعف القوات المسلحة، وعدم وجود اسلحة ردع، ضعف او انعدام المنظومة المخابراتية الخارجية للعراق، وضعف التوظيف السياسي لدعائم ومقومات القوة العراقية، وعدم وضوح الرؤية في العلاقة مع الولايات المتحدة الامريكية. لكن اكثر مايؤذينا ان يتم تعاطي هذا المفهوم بسذاجة من قبل شخصيات لها وزنها السياسي الكبير، منها ان يتم تناول الملف الخارجي باسلوب رومانسي خيالي.. بعيدا عن فهم قوانين اللعبة السياسية القائمة على (القوة) و(المصلحة)، وهذا التعاطي يعود بنا الى ما كان يطرح منتصف الخمسينات من شعارات اثبتت التجربة انها لاتصلح الا لحشو الصفحات الداخلية لجرائد الدرجة الثانية.
واذا افرضنا ان هؤلاء يدركون انهم يماسرون لعبة لامعنى لها فلماذا اصرارهم على ان العراق هو المتسبب في تدهور او برود علاقاته مع جيرانه العرب.
في حين ان من اول اسس الدولة الجديدة للعراق التي قامت بعد سقوط نظام صدام هي رفع اغصان الزيتون، وازالة الحواجز والحشود العسكرية من الحدود وكذلك الغاء انظمة التجسس والمراقبة، وسياسات التدخل، والتلويح بالعدوان، التي كانت تمارس ضد الجيران العرب، وبالمقابل ان العراق ابقى المعاملة التفضيلية للاردن، ومصر، وسوريا من النواحي الاقتصادية.. بل زادها عما كان سابقا واعتذر للكويت ضمنيا وصراحة عشرات المرات عن جرم ليس للشعب ذنب فيه.
والنتيجة فالذي حصل هو تشكيك، وحملات اعلامية، وتشهير بالتجربة العراقية، تشريحها ومهاجمتها اعلاميا، وتصغير رموز الدولة من خلال وسائل اعلامية غير مباشرة، وخلق راي عام مضاد للعراق، ودعم بقايا البعثيين العاملين على تنظيم انفسهم مجددا.. او المتاسفين على زوال ايامهم الخوالي في العراق.
وماذا بعد... تشكيك في جوازات العراقيين، واذلالهم في المطارات، واستجوابهم، والسؤال عن اي طائفة ينتمون، وربما اعادتهم الى بغداد لاسباب لاعلم لنا بها، وو..فالقائمة يمكن ان تطول فلانستثني احدا من دول الجوار، فالجميع يحاولون استغلال الفرصة للتدخل واضعاف العراق والحصول على موطئ قدم من خلال جماعة مسلحة او غير مسلحة ومدها بالمال والرجال.
فهل يطلب هؤلاء الساسة من حكومة العراق ان تقوم ،بتبويس الاكتاف واللحى، من اجل ان يرضى هؤلاء على العراق، ام ان تبادر الى الرد على التجاهل، والتدخل، والايذاء، بالصفح والعفو، والكرم العراقي.
فالامر لايحتمل المجاملات واطلاق التصريحات واثارة الشارع، بقدر ما يستوجب رؤية موضوعية منصفة تكتشف الاخطاء، ونقاط الضعف وتعالج الخلل، بعيدا عن الانانية وخداع الناس والبحث عن انتصارات سياسية على حساب جروح الوطن والمواطن

ماهي خصال العراقي ؟

العدد ( 469)الاثنين 17 /5/2010


يعرف الايرلنديون بالبخل، والالمان بالدقة، والانكليز بالهدوء وحب السياحة، والمصريون بالفهلوة وخفة الدم، والاردنيون بالجدية، والجزائريون بالعصبية، وكذلك الاتراك، والايرانيون، والروس، والهنود..وغيرهم فلكل امة مايميزها، ولكل شعب صفة حميدة، او ذميمة تعرفه بها الدنيا، غير اوراقه الثبوتية، الا نحن فلحد الان لانعرف بأي عين يرانا العالم، بعيدا عن التغني بالماضي الحضاري.
اي بماذا يعرف او يتميز العراقيون، واذا افترضنا ان صفاء النفس، والتدين، وكرم الضيافة، والانفة، والشجاعة، والنبل، وحب الشعر، والفن، وعلم الكلام، والثقافة هي ميزات اشتهر بها اهل العراق في السابق، فبماذا يشتهر العراقيون الان، وهل صحيح انه لم يتبق مايربطنا سوى حبنا للدولمة، والباجة، والباقلاء بالدهن، مثلما تروج بعض الاعلانات التلفزيونية ام ان هناك مشتركات اخرى.
اذ ان هناك من يرى ان زمن الخصال الراقية انتهى بسقوط الملكية، وغيرهم من يرى انها انتهت بسقوط جمهورية عبد الكريم قاسم، وهناك من يحاول ان يمدد التاريخ الى عهد قريب، لكنهم جميعا يتفقون ان مجيء صدام الى السلطة قلب كل شيء، لانه بظهوره جاءت مشتركات جديدة لتميز العراقي عن سواه، بعيدا عن تلك المشتركات التي ذهبت مع الماضي او مع (ايام الخير(
اول هذه المشتركات ان جنسية العراقي لاتعني له شيئا، بل انها تختلف عن اية جنسية في الدنيا، كونها اخذت من المواطن اكثر مما اعطته، واتعبته في الداخل والخارج اكثر مما وفرت له من سبل الراحة، والدليل اليوم ان سياسيين وشخصيات مهمة لم ولن يتخلوا عن جنسياتهم الاخرى، لانها ستنفعهم في الدنيا والاخرة، كون اولادهم واحفادهم سيدعون لهم بعد كل صلاة لقاء ماورثوا عنهم من جنسية بريطانية، او فرنسية، او استرالية، تحميهم من مواجهة الذل والهوان في مطارات العرب، وتعينهم على تجشم مشاق الدنيا، وتمنحهم امتياز التجوال في ارض الله الواسعة بحرية، لياكلوا من طيبات مارزقهم الله، وهم معززين.. مكرمين. ثاني المشتركات ان العراقي يسمع عكس مايرى، فكم شاهد من الارواح العراقية البريئة تزهق ويسمع انهم يهددون امن الوطن، واضافة الى ذلك فكم ازيلت من المعالم العراقية بحجة تشويه ملامح الوطن، وكم سرقت ونهبت من الاموال تحت سقف بناء الوطن، وكم تآمر المتآمرون مع الغير، والدافع المعلن هو خدمة قضايا الوطن، وكم خسرنا بمعارك دامية والنتيجة المعلنة دائما هي (انتصار عظيم).
ثالث المشتركات ان العراقي مشروع دائم للموت من اجل حسابات سياسية لاشأن لها بالعراق، فقوافل شهداء (القادسية)، و(ام المعارك)، و(الحواسم) التحقت مع قوافل شهداء المقابر الجماعية في الحلة، والنجف، وكربلاء، وميسان، والبصرة، وذي قار، مع ضحايا البعث في الانفال، وحلبجة، وشهداء المقبرة الجماعية التي اكتشفت اخيرا في الكويت، لينضم الجميع الى شهداء القتل على الهوية، والارهاب، وابادة المدنيين الابرياء، والعسكريين الشرفاء، وآخرها في ملعب تلعفر ومعمل الحلة ونقاط السيطرة في بغداد.
وهذه القوافل التي ابيدت وتباد ظلما تضم مختلف الفئات، والكفاءات، والتخصصات، والثقافات والمكونات.. ويتجاوز عددها سكان دول مجلس التعاون الخليجي مجتمعة (عدا المملكة السعودية)؟ وتعادل سكان دول اوربية لها اعتبارها؟ فشتان مابين شعب ارسل قسرا الى المقابر، وشعوب تتفنن في تعاطي متع الدنيا وملذاتها.
رابع المشتركات ان سجلات الصعود والنزول من فوق وتحت السلم الاجتماعي الاداري السياسي جارية بشكل مجنون، وكونك تصعد بسرعة الصاروخ.. وتهبط بسرعة سقوط القذيفة من موقعك السياسي فهذا لانك عراقي، لاتؤمن بحق غيرك مثلما تؤمن بحقك.. في الحرية.. او السلطة.. او الخدمة العامة.. ولاتتحمل انتظار دورك في طابور موثوق به لانه غير موجود اصلا، ولاتخضع في بلادك لضوابط، او قوانين متوارثة، بل لكل يوم قانون يجب(يلغي) ماقبله..
خامس المشتركات اننا الاكثر حبا للشعارات، فلايستطيع العراقي ان يتخلى عن ترديد الشعارات، وسماعها، ولا اريد ان استعرض مايتردد من شعارات، عن المقاومة، وحب الوطن والدفاع عن الارض، والامة العربية، والديموقراطية وكل (قراطيات) الدنيا....ولكن من يصنع هذه الشعارات يهدف الى مصلحته المباشرة، ومن يرددها وراءه يعتقد واهما انها هدف سياسي شريف؟؟
سادس المشتركات اننا نعيش في عصر تتعدد فيه النسخ، بين اصلية ومزورة، فالاسواق هناك اسواق اصلية واسواق للحواسم، والسلع كذلك، والبيوت، والشقق، والمدن، وليت الامر يقف عن هذا الحد، لانه يشمل شيوخ العشائر هناك حواسم واصلي!! الضباط !! مدراء الدوائر!! اعضاء البرلمان!! الاكاديميون!! الخبراء!! والمحللون السياسيون!! والغريب ان الحواسم اكثر هيمنة؟ لانهم يرفعون شعار البحر من ورائكم، والعدو من امامكم، وانتم تعرفون الباقي!!!!
ولا اريد المتابعة فالمشتركات كثيرة لا يحتملها هذا المقال وتتطلب دراسات وبحوثا اجتماعية ونفسية وسياسية معمقة، لكن هناك مايلفت ان الشعب الذي اشتهر بأنه شعب التضحيات، كونه عاش يضحي دون ان يستفيد، ويسدد فواتيره وفواتير غيره!! دون ان يأخذ اي شيء من حقوقه، بات اليوم اكثر من اي وقت يطالب بالحقوق.. ولكن بطرق مختلفة، ربما تصنع اختلافات جديدة وتضيع فرص بناء مشتركاتنا وقيمنا العراقية النبيلة

 

ثرثرة مفخخة

العدد ( 464)الاثنين 10 /5/2010


مثل الكثير من شعوب المنطقة انقسم الشعب العراقي منذ ازل بعيد، الى اغلبية بعيدة عن الاضواء واقلية قريبة من الاضواء، فالاولى لاتريد ان يسمع بها احد، او ان يعرفها احد...يطلقون عليها هادئة.. او صامتة.. او سموها ماشأتم؟؟ والثانية اقلية مهيمنة.. ثرثارة..منتشرة في كل مكان، وحاظرة في كل زمان.. وهذا التصنيف اعتقد انه بدأ منذ ان قام ابو جعفر المنصور ببناء بغداد في القرن السابع الميلادي، ومازال ساري المفعول.
تشكل الاكثرية السواد العام للشعب، وتحترف مختلف الاعمال والانشطة المهنية.. اقتصادية، فنية، علمية.. وكل عمل يتطلب امتلاك مهارة.. وخبرة يدوية، او عقلية، او انسانية، وربما شهادة اكاديمية، وتحتل المواقع المؤثرة حسب تدرجها... واستحقاقها... وتنال المناصب القيادية برضا الناس.. وقبولهم...
وكذلك تضم هذه الفئة من لاعمل له مع امتلاكه المؤهل.. او الرغبة بالعمل، وكل من ينفذ واجبه، وكل من يعرف حدود امكانياته، اي انها تضم فئات مختلفة، من العاطل عن العمل الى اعلى منصب سيادي بشرط ان يعمل وفق مبدأ الصمت (اعمل بصمت ودع عملك يتكلم)
وفي الوقت الذي يهيمن الشعار الصامت على عمل الاغلبية.. تحترف الاقلية اي الفئة الثانية الكلام..فنونه وصياغاته القائمة على التطبيل، والتهليل، والتهريج.... وتفاهاته التي تشمل التملق، والتصنع....و دعارته القائمة على افشاء الاسرار، وابتزاز الحلفاء، او اطلاق التهديدات، او قلب الحقائق، وخلط الاوراق، او الوشاية بالرفقاء.
وهذه الوظائف في مجملها ثرثرة مزعجة، ومؤذية، ولاعلاقة لها بالنظام السابق، او الجديد، او القادم، او الماضي، ولابحب الوطن او صناعة مجده، او بناء الدولة حسب ادعاء تجار الكلام، بل وفق الشعار الازلي الخالد (رزق البزازين على المعثرات)
والشعب العراقي يعرف ثرثاريه جيدا حين لمع نجمهم خلال سنوات الحرب الثمانية، وخلال ايام الحصار.. وفي التحرير.. والاحتلال...وسنوات الارهاب، والحرية، والخوف، والكذب والديموقراطية..
ففي الثمانينات كان الوطن في مفهوم الاكثرية الصامتة هو اداء للواجبات التي لها بداية وليس لها نهاية، والوطنية الحقة في نظرهم هي نسيان الحقوق خدمة لمستقبل البلاد، وفي التسعينات صار ربط الاحزمة على البطون خدمة عظيمة لمصلحة الدولة..وموت الاطفال في الخدج خدمة اعلامية وطنية لكسر الحصار...
تنقل المواطن العراقي خلال تلك السنوات وما قبلها.. من خدمة عسكرية مذلة من 24 شهرا الى ان ياذن القائد ؟؟؟ الى تقديم التبرعات والضرائب المجحفة.. والتوجه الى جبهات القتال لالتحاف رمال الغبراء، والصمت على اي بلاء سياسي، سواء كان حربا داعرة يسميها الثرثارون شريفة، او ثورة فاجرة يلقبونها بالعروس، او انقلاب اسود يطلقون عليه ابيض، ففي النهاية تصمت الاغلبية وتتحول ثرثرة الثرثارون الى نظام سياسي.. وحقيقة قائمة.
واليوم فالوطن في نظر الاغلبية حلم لابد ان يتحقق، والحقوق لاتقتصر على مشاركة في الانتخابات سرعان ماتميعها الارادات الاخرى، كما ان الحرية لاتعني مساحة اكبر للثرثارين مع عدم اكتراث بحكمة الهادئين، والسياسة ليست مجرد شضايا انفجار في الطريق، او رصاصة طائشة من مسلح متهور، او كلام يساق بتعصب اهوج من اجل منفعة شخصية، وفي النهاية يختصر المشهد (محلل سياسي) لايرى الا بعين واحدة وهو يطل من فضائية عربية (عوراء) تتفنن في الثرثرة.
ولغاية كتابة هذه السطور مازالت الاغلبية تضحي دون ان تطالب بالثمن، في حين تصر الاقلية على المطالبة والمطالبة بالمزيد، لان الوطن في مفهومها مشروع مربح، فأذا كانت الاكثرية تحمل البوصلة عندما تنتقل من مكان الى آخر للاستدلال الى اتجاه القبلة، فأن للثرثارين بوصلة من نوع آخر لاعلاقة لها بالعبادة، انما هي بوصلة تنشط عند التغيرات في اتجاهات السياسة.. لتتحسس مكامن مصائب الاخرين كي تقلبها الى منافع لها.
فأذا كانت الدولة في مفهوم الاكثرية قوانين ونظم وتعليمات، فأنها في مفهوم الاقلية اشخاص يطبقون القوانين والنظم والتعليمات، وعندما تحرص الاكثرية على الالتزام بهذه النظم، والقوانين، تحرص الاقلية على الايقاع بمن يحركون القوانين وكسب ولائهم بالرشوة او المنفعة المتبادلة.
وغالبا ما تقوم الاغلبية بقلب الطاولة عندما يتحول الثرثارون الى مرشدين لقائد ضعيف، او حاشية لقائد متجبر، لكنهم اي الثرثارون لايفكرون بالدولة.. انما بمنافعها.. ويفضلون السياسة على القيادة، لذا تراهم يسقطون قائدا.. ويعظمون آخر.. وفق حسابات مصلحية دقيقة.. يربطونها بقيم ذات شعبية واسعة ولايهم ان كانت دينية، او وطنية، او قومية او طائفية او اجتماعية، وحسب حاجة الجمهور. ونستخلص من ذلك ان الثرثارين موجودون بيننا ولكن كيف علينا ان نكتشفهم، وكيف نتخلص منهم لاسيما اذا تحول هذر الكلام الى ثرثرة مفخخة

 

مشاهد متناقضة للسلطة والمعارضة

العدد ( 460)الثلاثاء 4 /5/2010


المشهد الاول
حصل قبل اكثر من عام.. كنا في قاعة القبة وسط جامعة القاهرة، نستمع الى الرئيس الامريكي باراك اوباما وهو يلقي خطابه الشهير، واتذكر جيدا كيف صعق عشرات المعارضين المصريين!! حينما قال اوباما ان بلاده لن تفرض نموذجها على الدول لبناء الديموقراطية.. وان لكل بلد شانه وخصوصيته، وبالفعل انخفض مقدار الدعم والتمويل لمثل هكذا معارضات تتغذى.. وتنمو.. وتقوم على الدعم الخارجي دون عمق وطني حقيقي.
المشهد الثاني
الزعيم الليبي معمر القذافي يستقبل مجموعات بعثية عشية مؤتمر القمة العربية في (سيرت) وورود انباء عن نية القذافي ازاحة الستار عن نصب لصدام الذي ادانه القضاء العراقي وحكم عليه بالاعدام لجرائم لها بداية وليس لها نهاية، ومنها جرائم ارتكبت بحق دول مجاورة للعراق.
المشهد الثالث
خادم الحرمين يستقبل مجموعة من القادة العراقيين كلا على انفراد (باستثناء رئيس الوزراء ) وعلى مدى اسبوع ويقلدهم اوسمة رفيعة المستوى ....ويحدث الامر بصورة مفاجئة رغم ان مهرجان الجنادرية الذي شهدته الرياض قبل ذلك بايام لم يستقبل اي مسؤول عراقي باستثناء شخصيات من الخارج مثل سعد البزاز.
المشهد الرابع
حصل قبل اسابيع حين قامت دولة الكويت مطلع شهر نيسان الماضي باعتقال ثلاثين مصريا كونهم نظموا اجتماعا صغيرا لنصرة الدكتور محمد البرادعي الذي يرفع شعار التغيير في مصر ويسعى للحصول على رئاسة البلاد من خلال الانتخابات.
(الكويت تصرفت على هذا النحو لانها تدرك ان نظام الحكم في مصر من القوة بحث من الصعب عليها ان تجازف بخسارة ثقته.. لصالح جماعة تسعى لان تجرب حظها في لعبة السياسة وان كانت تتبع شخصية مرموقة مثل البرادعي).
المشهد الخامس
وهو مناقض تماما للمشهد الرابع وحصل في دمشق مساء الخميس 29 نيسان اي قبل ايام ..بقيام اول نشاط علني لحزب البعث جناح يونس الاحمد، وعدد من الجماعات المحظورة عراقيا، من خلال تجمع كبير ضم المئات من اشخاص وجماعات مسلحة رافعي صور رموز الحقبة البعثية السوداء...وكان محور التجمع منصب على تمجيد العمل المسلح(الارهاب)، ومقاطعة العملية السياسية، وتوحيد جناحي البعث المتخاصمين.
(يونس الاحمد هو الشخص الذي طالبت به الحكومة العراقية وانكرت الحكومة ووزارة الخارجية السورية وجوده ومعرفتها به، وايدها سياسيون عراقيون اثنوا على موقف الحكومة السورية وانتقدوا مطالبة الحكومة العراقية بشخص تؤكد سوريا عدم وجوده)
المشهد السادس
يكافح الاصلاحيون في ايران منذ عام تقريبا بشتى الوسائل، ويتحملون اصنافا من الضغط النفسي، والسياسي، والملاحقات لكن اي من قادتهم لم يستنجد علانية بدول الخليج للحصول على المال مقابل ضمانات تخص الجزر الثلاث، ولم يستنجدوا بالولايات المتحدة، والعالم الغربي مقابل التنازل عن ثوابت الملف النووي، ولم يكسروا ثوابت السياسة الخارجية لبلادهم في اي موقف واجههم ولو من باب الدعاية او كسب التعاطف، بل كانوا مع عمقهم الشعبي دائما.
المشهد السابع
حصل قبل ايام ...الجامعة العربية ليلا تستقبل على عجل.. سياسيا عراقيا كبيرا لطلب المساعدة في تحقيق ضغوط دولية، وعربية، على حكومة بلاده التي يراها منتهية الصلاحيات والاهمية...والجامعة العربية ظهر اليوم التالي تستقبل وفدا من نفس الكتلة السياسية جاء يطلب الهدف ذاته والعمليتان تمتا بتنسيق من مندوب العراق الدائم لدى الجامعة العربية.
المشهد المتكرر
هو تحول قناة عربية (غائصة بالشأن العراقي) وانحيازها الفاضح لجهة دون اخرى، وقيامها بنزع ثوب المهنية دون حياء، اي انها تلعب لعبة الممانعة، والاعتدال بعد ان حولت كبار قادة العراق الى دمى ترقصها انامل ناعمة على رقعتها الشطرنجية.
المشهد العراقي
يختار بعض الكبار مخرجا، ومؤلفا اجنبيا لتصميم تفاصيل المشهد السياسي، بل حتى نقد المشهد صار مهمة خارجية، ويترك للعراقيين متعة التفرج!! وما اتعسها من متعة تعظم الاجنبي.. وتقزم الوطني...
اما انا فساترك للقراء متعة التمعن بالمشاهد التسعة التي ذكرتها... وامنحهم مهمة الحكم والنقد والتحليل لاني اثق بالقدرات الكبيرة لهم

 

الخرافة في لغة السياسة


يميز خبراء وعلماء العلوم الاجتماعية، والسياسية في العالم بين السياسي.. والاعلامي.. والباحث العلمي.. بان الاول هو شخص جماهيري، هدفه التعبئة، واثارة الغرائز، وهو يمقت المنطق بقدر مايعشق الحصول على نتائج.. (لصالحه طبعا)
اما الاعلامي فهو الباحث عن الاثارة بدرجة اعلى من سعيه للحقيقة..(انا اعلامي وهذا ليس رايي بالطبع)، بخلاف الباحث العلمي الذي يقوم عمله على البحث والتقصي من اجل الحقيقة (هم خبراء وباحثون وينحازون لصنفهم).
ولكي اثبت.. او انفي.. هذه المقولات، او الاسس المنهجية، علي ان اخضعها للقياس، مع ماحصل لدينا خلال الاسابيع الاخيرة من تطورات كبيرة، قد لاتحصل في اي بلد اخر بهذه السرعة، وهذا التتابع.
فبعد نجاح الانتخابات يوم 7 آذار بمشاركة واسعة، ودون وقوع خروقات امنية مهمة، لم نجد احد من السياسيين يحمد الله ويشكر الجهات الرسمية على ذلك، فلا مصلحة له من اطلاق مثل هكذا تصريحات، (اذا كانت الامور ماشية والحكومة جيدة.. فما لزومه هو.. وما الحاجة اليه)
ولمدة شهر تقريبا انشغلت البلاد بتصريحات، وأدعاءات، وكلام سياسة.. وكلام جرايد.. الى يوم 2 نيسان حيث استشهد 25 مواطنا بينهم نساء في قرية عرب جبور نتيجة اعتداء غادر، وبعد ذلك بيومين حصول انفجارات قرب عدد من السفارات في مناطق محددة من بغداد، ثم تفجير عمارات سكنية في الشعلة ومناطق اخرى ...
وبدلا من التكاتف والتآزر على المحن، تتعالى الاصوات السياسية، والاعلامية، بانتقاد الحكومة على قصورها الامني، وضرورة استبدالها بحكومة اخرى؟؟ بل واتهامها احيانا، وهذا يفتح ملفات.. ويجر اقاويل، وتنظيرات واتهامات جزافية.. ونقاشات سوفسطائية.. لم يشهد لها العالم مثيلا؟؟ وسوف تغني علماء السياسة عشرات السنين كونها نظريات جديدة (بالباكيت) وستصنع لها قوالب، واقترابات مفاهيمية خاصة.
في 19 نيسان اي بعد اقل من ثلاثة اسابيع من التفجيرات الغادرة، يفجر رئيس الوزراء خبرا له وقع القنبلة.. عندما فك شفرة البغدادي والمهاجر بقتلهما معا، وهما اللذان طالما تبجحا، وتحديا، وقتلا، وعاثا في الارض فسادا.. وافسادا...ثم الاعلان عن قتل واعتقال عدد مهم من قادة القاعدة، والكشف عن اوكارها في تلال حمرين.. ولكن يبدو ان هناك صمم سياسي، فلا احد يصدر بيانا، ولا احد يطلق ثناء.. على رجال الجيش، والشرطة، والاستخبارات، والصحوة، ورئيس الحكومة المنتهية ولايتها؟؟؟
فلا اشادة، او ارتياح، ولاتعليق، ولا اعجاب، بهذا الجهد الذي شكل نقلة نوعية هائلة، وكشف ان تنظيم القاعدة تحول من غول كان يرعب المنطقة والقوات الامريكية، الى جماعات وعصابات مخترقة من قبل اجهزة الدولة العراقية، (كيف يطلق سياسي تصريحات، او يصدر بيانات تحقق تعبئة جماهيرية لخصمه، او منافسه؟؟ انها مجازفة او حماقة منه ان فعل ذلك!!).
بعد يومين او ثلاثة تنطلق عاصفة اعلامية كبيرة بخصوص السجون السرية، ولا ندري هل ان توقيتها مدروس بعناية (مثل عاصفة صابرين الجنابي التي توافقت مع انطلاق عمليات بغداد) او ان الامر حصل من قبيل المصادفة، ومع اننا لانرضى باهانة الانسان، وندعو الى احترام كرامته، ونتمنى لدولتنا ان تكون انموذجا لذلك، لكننا نؤمن بأن التحقيقات والقضاء هو الذي يحل مثل هكذا مشاكل، لا التصريحات التلفزيونية، والشحن النفسي، واثارة مشاعر الكراهية لدى المواطنين ضد حكومتهم لانه منزلق بالغ الخطورة في تنشئة الناس.
في الجمعة 23 نيسان حصلت انفجارات الحسينيات، والجوامع لقتل الابرياء الآمنين في المناطق السكنية، وتصاعدت موجات النقد لا للمجرمين، والارهابيين وسافكي الدماء.. بل لاجهزة الدولة الامنية، وانفتحت قريحة بعض السياسيين الباحثين عن اثارة غرائز ومشاعر جمهورهم، بهدف الحصول على نتائج باهرة تعزز رصيدهم الشخصي، ومكانة احزابهم جماهيريا، (مثل هكذا مناسبات تعد التوقيت الملائم لمخاطبة الجماهير والحصول على ثقتها وكسب التاييد(
وتسارعت خطوات بعض وسائل الاعلام التي قطعت برامجها، وخصصت ساعات اضافية من وقتها، لا لبث الروح الوطنية، ومواساة الشعب، واسر الضحايا الذين نكبوا بأبنائهم، بل لشن حملات تحريض ضد الجنود، والضباط ،والاجهزة الحكومية، ورئيس الحكومة.
ولا اريد ان ادافع عن احد او الوم احد بشخصه، فالشعب نهر يجري، والدولة نهر يتغير، والاشخاص يتبدلون، والاجيال تتعاقب، لكن الثوابت والمشتركات الوطنية، والقوانين، والقيم الاخلاقية، والانسانية ثابتة لاتتغير، لكنها تتطلب رجال شجعان يرسخونها ويتمسكون بها، ويتحلون بها.
الشجعان يمكن ان يخلقوا وطنا ثابت الاركان، لايقبل بتسييس قضاياه العليا من قبل هذا.. وذاك، وبخلاف ذلك ينتشر المصلحيون، والانتهازيون، الذين لايتركوا فرصة الا وتلقفوها تلقف الكرة للايقاع بالخصوم، وتسجيل هدف في مرماهم، (ولتذهب القيم والمشتركات الوطنية الى حيث ماتذهب). هؤلاء ينسون او يتناسون ان معالجة الخطأ، والخلل.. لها وسائلها، وطرقها، لاننا بانانيتنا (نسن سنة سيئة) وعلينا ان ندرك ان هذه السنة سوف تستمر، وان تغيير رؤساء البلاد لايغير ماجبلنا عليه من تصرفات، وممارسات وبالتالي فأنها ستطال من يأتي لشغل المراكز السيادية مهما كان، وسنكون حينها وسط دوامة لاتخدم احدا سوى جيش الانتهازيين، الانانيين، المصلحيين الذي سيتكون ويتكاثر لاننا خلقنا له البيئة .
ومثل هؤلاء لايعرف من السياسة سوى الاستفادة من الازمات، والكوارث لا بالتعلم منها، اوالعمل على عدم تكرارها.. بل للايقاع بخصومه، وتصويرهم على انهم (الشر الدائم) والتعظيم من نفسه، ومن معه وتصويرهم على انهم (الخير الدائم)، علما انه لايوجد خير او شر دائم في عالم السياسة، بل توجد مصلحة دائمة.
فهل صدق الخبراء الاجتماعيون في قولهم الذي اشرنا اليه في البداية؟؟ ام انهم يجافون الحقيقة؟؟ الجواب بالطبع متروك للقاريء الذي تجشم قراءة هذا العمود بتواصل، وبموضوعية، وبدون انفعال، وكان الله في عونه على ذلك

 

حاضرنا المغيب وتاريخنا الذي نسيناه


من خلال مطالعتي ومشاهدتي اليومية، لما تكتبه، وتعرضه، وتنقله وسائل الاعلام المختلفة لاسيما الموجهة منها، من اخبار، وتقارير، وبرامج تستقي قيمتها الاعلامية من تصريحات اهل السياسة في العراق، اجد ان هناك الكثير من السعي باتجاه انتقاد، او التقليل من شان رئيس الوزراء نوري المالكي، رغم انه حقق اكبر رصيد جماهيري من بين الفائزين في الانتخابات.
وتنطلق تلك التصريحات والقناعات، متناغمة مع ما تطرحه دول وقوى مجاورة، كانت تصنف انها الأكثر تضررا من استقرار ديمقراطية قوية في العراق، هذه الديمقراطية التي كانت ومازالت الادبيات العربية تطلق عليها تسمية (المشروع الامريكي في المنطقة)
والذي دعاني لخوض مجازفة الكتابة في مثل هكذا مسائل، لايحبذ اي كاتب مستقل، لاناقة له.. ولاجمل.. من تبدل الرؤساء والمسؤولين، الدخول بها، هو ان الامر وصل الى حد الغبن لشخصية انجبتها اقسى ايام مر بها العراق، وكان لها شرف خدمة هذا البلد، الذي كان يحتكم على كل مقومات الحرب الاهلية الطاحنة، واثبتت التجارب ان هذه الشخصية لها من الحكمة والشجاعة والصبر الشيء الكثير.
واليوم وبعد انتهاء ولاية الحكومة التي يراسها المالكي، هناك من الاصوات من تنتقده لا لانعدام شعبيته، او قلة كفاءته، او عدم خبرته، او فساده، بل لاسباب اخرى.. اهمها حسب تلك الاصوات تسببه في عزلة العراق عربيا، اي انه لم يخضع لدول الجوار العربي بما فيه الكفاية، كي يحصل منها على شهادة حسن السلوك كما يفعل سواه، وهذه أوضح الأدلة على اخلاص الرجل لعراقيته التي لا يختلف فيها منصف، فهو ينطلق من رؤيا عراقية، في حين يعتمد عدد لاستهان به من رجال السياسة على القواميس الإقليمية، في فك شفرات، وطلاسم تفاعلات السياسة العراقية.
واخذت اصوات كثيرة تعلوا لوصف المالكي بالطائفية، والحقيقة انه خلال سنوات ولايته الاربع لم يسجل له، ولاعليه موقفا طائفيا، وهذه الاصوات لم تسجل ذات الملاحظة على سياسيين عرفهم المجتمع بطروحاتهم التي لاتتحدث الا عن قوميتهم، او طائفتهم، ورغم ذلك لم يتم وصفهم بالطائفية، بل يقدمون انفسهم على انهم اصحاب المشروع الوطني، او القومي احيانا، بمباركة اعلامية ودعم خارجي.
وتشبثه بالسلطة والرجل ضرب مثلا للمنطقة بشهادة كل المنصفين حين اصبح اول رئيس عربي يلجأ للقضاء للفصل في عمليات تزوير في الانتخابات جرت لصالح منافسيه، وفي مثل هذه الحالات تجري عمليات التزوير لصالح صاحب السلطة، ثم ان رغبة الرجل في تجديد ولايته حق وواجب عليه كونه حاز على اكبر عدد من الاصوات الفردية متجاوزا اقرب منافسيه بفارق يفوق ال 215 الف صوت.
ولا اريد ان اسرد البقية فمنها قيل الكثير ولكن وددت ان ادعو السياسيين وابناء الشعب عامة للبحث عن الحقيقة، وفك الشفرة على الطريقة العراقية، فالفاتورة في النهاية لا يدفعها سياسي جاء من اجل ان يفوز بالانتخابات، او سمسار كلام يتلاعب بالمواقف، والألفاظ حسب البوصلة المصلحية، بل يتحملها المواطن العراقي البسيط، الذي داب على التضحية بكل مايمتلك، دون ان يكون في حساباته ان يجني مردودا يوازي كم التضحيات التي قدمها، طوعا.. او خوفا.. او استحياء. او فجأة..
المواطن الذي اخطا في تقييم اغلب حكامه منذ فيصل الاول، فتطبع على ان يبكي عظماءه بعد ان يفقدهم، عليه ان لايلدغ من جحر مرتين، فمنذ قيام دولتنا العتيدة مطلع القرن العشرين وعواصف النقد والتجريح، وحمى التنافس لم تنقطع عن العراق.
حيث كان للصحف، ووسائل الاعلام، والمنابر السياسية العربية، الدور الاكبر في دفع دهماء بغداد الى (سحل) نوري السعيد، اهم سياسي عربي في القرن العشرين، وجعله قطعة لحم متفسخة على ارصفة بغداد، وكذلك كان للتحريض الخارجي الدور الاول اعلاميا، وسياسيا في التآمر والانقلاب، واطلاق النار بصورة غادرة على رئيس الوزراء الاكثر شعبية في العراق، الفريق الركن عبد الكريم قاسم، داخل احد ستوديوهات الاذاعة العراقية.
ولم يسمع الناس حينها استنكارا، اوشجبا، او اعتراضا، بل استمعوا الى نشيد الله اكبر... يدوي من الابراج الشاهقة للاذاعة العراقية.. التي غسل منظفوها دماء قاسم ومعاونيه من كراسي الخيزران التي وثقوا عليها.. وهم اي المنظفون البسطاء يستمعون الى الاناشيد الحماسية التي يبثها ستوديو مجاور داخل مبنى الاذاعة الذي اوهمهم بان العراق تخلص من طاغية، معتد، آثم!!
ولم تقطع النشيد الحماسي الا صيحات قارئو الأخبار وهم يتلون كلمات ورسائل وبرقيات التهاني والتبريكات.. بالثورة الجديدة، وبزوال (الطاغية قاسم) في 1963م، وفي سيناريو مشابه عن زوال (العميل نوري) في 1958م، وقبل ذلك مافعلته الاذاعات العربية بجماهير بغداد لتثويرها ضد رئيس الوزراء صالح جبر، في وقائع تتشابه مع مايحصل اليوم.
وعندما توالت الأحداث، وانقشع الغبار عن تلاطم الساسة، وخمد زخم الثورات المسلحة التي اكلت بعضها بعضا، اكتشف العراقيون ان السعيد، وقاسم، وغيرهما هما اهم.. واخلص.. وانجح.. رجال السياسة في تأريخ العراق الحديث، بل في المنطقة العربية، ومنطقة الشرق الاوسط، وهما بالطبع الاكثر وطنية، وحنكة على الاطلاق، ومن النادر ان تجد اليوم باحثا سياسيا عراقيا، يقول خلاف ذلك الا اذا تعلق الامر باهداف تجافي الموضوعية والامانة العلمية.
لذلك انا اتمنى من رجال السياسة المخلصين ان يراجعوا التاريخ، وان يقرأوا المستقبل بعيون عراقية، وان يشيدوا صرح عظمة العراق بتضحياتهم، وايثارهم، لا بأنانيتهم، ومطامعهم، وبحثهم عن امجاد خاصة، ومباركات من اوساط خارجية، لاتصفق، ولا تبتسم، الا لمصلحتها.. حتى وان تحققت على تهديم العراق حجرا فوق حجر لاسامح الله، وكم مؤلم ان يعيد التاريخ نفسه ونخسر قاسما آخر.. وسعيدا آخر.. حينها يمكن ان يخبيء لنا القدر صداما آخر وياويلنا حينها من لعنة التاريخ الذي لم نتعلم منه الدروس

مهزلة العقل الميكافيلي


اشتهر عالم الاجتماع الراحل الدكتور علي الوردي بطروحاته الجريئة، في تحليل المجتمع العراقي، من خلال مؤلفاته التي تضاهي وتتفوق على ماتركه الفيلسوف الايطالي نيكولا دي ميكافيلي، من حيث الاهمية والمحتوى العلمي، لكن ذياع صيت (الميكافيلية)، وعدم ذياع (الوردية)، يرجع الى كون الاولى اختصت بتحليل تناقضات المجتمع العراقي الذي اهمله الجميع، والثانية اشتهرت بتحليل آلية السلطة واسرار الوصول اليها وهو امر يطلبه ويبحث عنه الجميع.
ولاتخلو مراكز البحث، ودواوين الحكام، ومكتبات الباحثين، من نسخ، او اقتباسات مختلفة، من امير ميكافيلي، الذي اصبحت سطوره خالدة خلود السياسة، ولكننا لانحفظ شيئا من تراث الوردي الذي صب جم علمه على المواطن العراقي العادي، ولم يترك شاردة ولا واردة الا وفككها علميا ليعيد عرضها بلغة مفهومة، معززة بالادلة الدامغة، ليكشف عن ازدواجية الشخصية العراقية.
لكنه بالطبع لم يكن يتوقع ان يأتي زمان على العراق يرزق بولادة مئات السياسيين، ذكورا، واناثا، يحملون جينات مطورة من الازدواجية، الى درجة ان لكل واحد منهم وجهين، وشخصيتين، وموقفين، ورأيين.
ولا اريد الخوض في ذلك اكثر، لكني اتمنى ان نعثر على مفكر اجتماعي من وزن الدكتور الوردي، ليظهر على فضائية محايدة، ويحلل حصاد كل يوم من تصريحات السياسيين من زاوية نظريته في الازدواجية، وليحصل مايحصل.. فالاهم ان يكتشف الناس ابعاد الطروحات، والافكار، والتوجهات السياسية الموسمية، التي تتكاثر في موسم، وتنكمش، او تتلاشى، او تنقلب على عقبيها في موسم آخر.. وافترض لو ان الوردي كان موجودا، لاصدر اجزاء جديدة من مهزلة العقل البشري، ووعاظ السلاطين، ولتحولت لمحاته الاجتماعية، الى وقفات سياسية، ولو ان ميكافيلي كان من ضمن متابعي مايجري في العراق عبر بعض الفضائيات، لاصدر طبعة جديدة منقحة ومزيدة وتحتوي على ملاحق من كتابه الذائع الصيت (الامير)، ولحوله الى اسم جديد هو (الامير العراقي) ليغطي مايحصل من تطورات، في ميول النزعات البشرية التي افترض ميكافيلي انها تتحرك بفعل المصلحة المادية والرغبة بالسلطة، ولكن ليس الى الحد الذي نراه اليوم، فقد حصلت تطورات في مباديء الميكافيلية التي كان العراقيون الى وقت قريب يعتبرونها سبة على رجل السياسة.
- من النظريات التي يطلقها البعض ان منصب رئيس الوزراء (المنصب التنفيذي الاهم في دولة تبحث عن الاستقرار) يجب ان يكون لشخص يحظى برضا جميع الكتل بغظ النظر عن الموهبة، و الكفاءة، وتراكم الخبرة، ونتائج الانتخابات، بل انطلاقا من مبدا رضاء الكتل وهذه غاية لايدركها الا من كان عديم اللون والطعم والشخصية.
- منذ سقوط ديكتاتورية صدام وايران هي الشيطان الاكبر في نظر قوى سياسية حازت على اعجاب من يعتقد بشيطنة الجارة الشرقية للعراق، لكن ان يتحول الشيطان الى ملاك بين ليلة وضحاها فمفاده المثل القائل (سبحان مغير الاحوال).
- وهناك من يطرح فكرة تقييد رئيس الوزراء للحيلولة دون تحوله الى (ديكتاتور)!! والقصد هنا ان لايبرز شخص قوي في العراق حتى وأن كانت قوته لخدمة الوطن، والقدرة على انشاء دعائم الدولة، لان مصلحة القوى السياسية اهم من مصحلة الشعب.. حسب الميكافيلية العراقية.
ونقول لو ان كلامهم منطقي بشان الخلط بين الديكتاتورية والقوة، لكانت الولايات المتحدة اهم ديكتاتورية في العالم المعاصر! كون رجل البيت الابيض يحظى بصلاحيات كبيرة تجعل منه رمزا وطنيا، وتسمو بشخصيته فوق الكونغرس، والشركاء الاخرين، حتى وان كان عبدا حبشيا!!
- هناك من السياسيين من دأب على الحديث باسم الشعب، ومصالح الشعب، وطلبات الشعب، ولكن بعد ظهور نتائج الانتخابات تبين انه لم يحظ من ثقة الشعب حتى بصوت زوجته واولاده، والاغرب ان اكثر من يتحدث على الفضائيات قبل وبعد الانتخابات هم الخاسرين اي الذين لم يصوت لهم الشعب الذي مازالوا يصرون بالتحدث نيابة عنه.
- هناك من لاتفارق صورته الفضائيات وهو يتحدث عن نبذ المحاصصة والطائفية، وتقسيم السلطة، وما ان تنطفيء اضوية الكاميرات حتى ينقلب الكلام الى فعل آخر.. لايمت للكلام باية صلة.. انطلاقا من قاعدة كلام الليل يمحوه النهار!!!
وهذا غيض من فيض، من اقوال وتقولات البعض، وتقلبات مواقفهم، وتصريحاتهم، بالشكل الذي يغادرون فيه مواقعهم من اقاصي اليسار واليمين الى المنطقة الوسطى، التي لاملامح لها، لكنها مضيئة ورطبة ويسهل من خلالها الحصول على كل المكاسب بعيدا عن مبدا قديم، او موقف سياسي قيل في لحظة انتخابية لاتعود الا بعد اربعة اعوام

 

عمل ارهابي.. واغراض سياسية

 

 

 سلسلة تفجيرات لها وقع الصدمة، والالم على اهالي بغداد، وعلى من يهمه امر هذه المدينة العظيمة، وبالطبع على قادتنا السياسيين الموجودين داخل الحكومة، او خارجها، في بغداد او المنتشرين في دول مجاورة، الساعين الى دخول الحكومة، والباحثين عن مسالك وسبل لدخولها، الفائزين في الانتخابات، والذين لم يحالفهم الحظ في دخول البرلمان، الوطنيين، وغيرهم ممن يؤمنون بأفكار قومية، اوطائفية، لان النار تهدف الى احراق الجميع. 

قلق عراقي شعبي مشروع، ورد فعل سياسي اعلامي لايعدو عن انفعالات صاخبة.. تعودنا ان تنضح اللوم والتانيب.. ضد قواتنا الامنية، بالشكل الذي ينسينا ان من يقف وراء هذه الاعمال يريد تفرقنا، وتناحرنا، فليس المطلوب من رجال السياسة ان يتذكروا شيء واحد بعد الفاجعة هو ان لدينا اجهزة امنية مقصرة؟؟

 الجرح اكبر من ان يستخدمه السياسيون لتعظيم دورهم، وتكبير شانهم، والالم اكبر من كلمة مواساة تنتظر دورها، لتخرج على الشاشات لتحبب الناس بمن يقولها، وامن العراق اهم من ان يخضع للنقد وتبادل الاتهامات، لانه ببساطة امن قومي لدولة عظيمة، يشترك فيه جميع الفرقاء ويسعى لارسائه جميع المؤمنين بالعراق، لاسيما من كان لهم شرف تأسيس العهد الجمهوري الرابع الذي ارسته الانتخابات واصوات الشعب ولم تشيده الدبابة او البندقية.

 فالارهابيون يريدون تحقيق اهداف سياسية من وراء قذارة اعمالهم، والبعض يسهل غاياتهم السياسية من حيث لايعلم، والارهابيون يرومون زعزعة الاستقرار على المستوى الاجتماعي، والرسمي وهناك من يمنحهم الفرصة، الارهابيون يخططون لتحقيق وجود على الارض لتعويض هزيمتهم الساحقة، عبر دور اعلامي، ويجدون من يعطيهم اوكسجين الاعلام، ليشعلوا نشرات الاخبار بوجود افتراضي على المشهد. 

من كل ذلك علينا ان نتعلم الدروس، وان نعرف كيف نتعامل سياسيا مع مايحصل من تحديات، لامننا الذي يجب ان لانستهين به، ولانهون من عزيمة الرجال الذين يتولون امره، وقد صقلتهم الخبرة، وميزتهم الشجاعة، وعلينا ان ندرك ان هذا الوباء يمكن له الحدوث في اكثر الدول استقرارا، مثلما حصل في مدريد، ولندن، وواشنطن، وقبل اسبوع في محطات المترو في موسكو.

 وفي هذه العواصم عادة ماتعمل الفواجع على جعلها اكثر تماسكا، وتمنح الحكومات قدرة اكثر، وصلاحيات اكبر، وتجنبها النقد في جوانب يمكن ان تخل بالامن، الذي بدونه لاحضارة، ولاحياة، ولا مجتمع، بدون الامن يتحول الناس الى مشروع قنابل غادرة، والسيارات الى كتلة نار محتملة. لكن لم نجد لذلك اثرا في تفكير جزء كبير من اهل السياسة، للاسف ان الشق السياسي من امننا القومي، شق مترهل، والجدار الذي من المفترض ان يكون الاشد صلابة هو غشاء رخو، لم يكن بالمستوى الذي يتوافق وبلد يعيش اقسى الحروب، فقد تعودنا منذ شهور على اصوات اعلامية وسياسية تظهر بصورة مفاجئة، وتتحدث عن العراق.. وتنتقد الحكومة على عدم كسبها رضا دولة، او اخرى مجاورة، وكان العراق يقع في جزر الازور، او الكناري ولاتحيطه الا مياه المحيط المليئة بالاسماك والشعب المرجانية، والناس الحالمون بالحب والسكينة. 

تحدثوا عن قدرتهم على اعمار العراق وانشاء يابان الشرق الاوسط، فوق ركام مدنه المثقلة بالتصحر العمراني، والثقافي، والاجتماعي، تحدثوا عن كل شيء ولم ينسوا توجيه النقد لمن امسكوا بالبندقية ليذودوا عن امن مدننا الخاوية المتعبة، تحول الرجال الطامحون بالمجد السياسي، الى خبراء في الاستراتيجية، والسوق، والعلوم الامنية، وحولوا الشاشات الى مناضد رمل اداروا من خلالها معاركهم الافتراضية، التي يكون العراق هو الطرف المهزوم فيها لاغيره.

  نقول لهم عليكم ان تدركوا حجم المؤامرة التي تستهدف العراق، عليكم ان تدركوا ان السياسة ليست عالم وردي، فالاخرون يضربوننا بسمعتنا الامنية، ويبلبلون اصوات الساسة حتى لايفهم بعضهم البعض الآخر، لكي يدور الناس في دوامة كلامية، لاتجلب الا سمعة سيئة، وخوف نهايته مجهولة.

 حينها لانجد مستثمر يفكر في تعمير مرفق سياحي، ولاشركة ترضى بالعمل على تطوير محطة كهرباء، او تشييد جسر، او تقديم الاستشارة في انشاء صرح معماري شاهق، بدونه لانجد استاذ جامعي يجازف بالعودة، او طبيب يترجم عشقه للعراق بعودة الى ترابه، الارهاب يعني الموت الشيطاني، يعني الارامل، والايتام، يعني الشقاق، والتمزق، يعني الخوف، والقلق.. يعني امراض السكر، والقلب، والجلطات الدماغية.

  هل تعلمنا كيف نتعاطى مع مايواجهنا من تحديات، نقول ان الحكومة نجحت في تحقيق معجزة الامن والامان، وكان من المطلوب ان يحييها الجميع على هذا النجاح، الذي رفدته قوى سياسية شتى، وتعاضد الخيرين على انجازة، بتواضع، وصبر، وسهر، وتضحيات وشجاعة، والمطلوب ان ينظم الجميع للوطن، ليصبحوا جزء قوي، يعزز قوة امننا الوطني، الذي يجب ابعاده عن المساومة، والمتاجرة، والجدال، ومناقشة حيثياته عبر غرف موصدة الابواب ضمن دوواوين الدولة لا عبر الفضائيات المحلية والعربية والاجنبية.

 

الاعلام في زمن الانتخابات

العدد ( 434) الاثنين  29 /3/2010


في خضم تغطيتها لنتائج الانتخابات، اصرت احدى القنوات الفضائية العراقية التي كانت متقاطعة مع العملية السياسية، ان تصرح عن موقفها السياسي بشكل واضح، وتعلن ضمنيا انها تابعة، او متضامنة، او متفقة مع تكتل سياسي محدد، يشترك معها في نفس المنابع، ويصب في ذات الروافد، وهذا يعني انها اختارت ان تسيس خطابها الاعلامي وبذلك اخرجت نفسها من خانة الاستقلالية حتى وان كانت تدعيها.
وهذا ليس هو كل مافي بيت القصيد، انما لفت انتباهي ماعرضته تلك القناة بعد اعلان نتائج الانتخابات، من لقطات لشخص لف جسده كاملا بالعلم العراقي ذي النجمات الثلاث، وهو يرقص مبتهجا بما حققته الكتلة التي صوت لها، وربما يكون الامر لايحمل شيئا من الغرابة، لدى مواطن اراد ان يعبر عن مشاعره بطريقة يجهل دلالاتها الرمزية، لكن الغريب هنا هو اصرار هذه القناة المتسلحة بخبرات، وامكانات جيدة، على اعادة عرض هذا المشهد لاكثر من مرة، وبالتأكيد فان هذه القناة اغفلت اظهار اشخاص في مناطق اخرى، لهم مواقف وتصورات مختلفة.
وهذا الامر في لغة التلفزيون المعاصرة يعني ان القائمة التي احتفل بها هذا الشخص وهذه المحطة التلفزيونية التي اعلنت ضمنيا انها تمثلها، هما امتداد للسلطة التي كانت ترفع هذا العلم وهي سلطة البعث، ولكن تم التعبير عن ذلك بلغة عصرية جدا، هي (لغة الصورة) التي تتكلم بكل اللغات و لاتقبل النقاش او التأويل.
هذه الحالة التي اشرت لها، وحالات اخرى كثيرة، هي جزء مما ظهر على ملامح التغطية الاعلامية للانتخابات بمراحلها المختلفة، فالقناة التي ذكرناها لا تختلف عن قنوات، وصحف، ومواقع انترنت عراقية، وعربية، اختارت (فرسها) للرهان الانتخابي، وبخست حق الآخرين.
وكان ذلك واضحا من خلال وقوفها المنحاز الى طرف، ودعمه بكل ماتمتلك من امكانيات، وخبرة، حتى ان اعلنت النتائج، اختارت بعض القنوات مسايرة الجديد، وبعضها اختارت الصمت، او الحياد السلبي، واخرى ارادت ان تحتفل بطريقتها الخاصة.
فقد عمد الاعلام العربي على الايحاء بانها انتخابات رئاسية، تقوم على قاعدة صفر واحد، وبذلك تم تهيئة (طقوس الاحتفال) لاثارة نوع من التضليل، والشحن النفسي، وظهر ذلك من خلال الثياب البيضاء التي اختارتها بعض المذيعات زي لهن اثناء القيام بالتغطية، او ما ارتسم من تعابير على وجوه بعض الوجوه التلفزيونية، اضافة الى دلالات رمزية متعمدة، او عفوية لايصعب على المشاهد التقاطها.
هذا الامر يستوجب من المنظمات، ومراكز البحث المتخصصة، ومن كلية الاعلام، ومن نقابة الصحفيين العراقيين، ان تقوم بدراسات جادة، وعلمية، لاستخلاص النتائج، والعبر، والدروس منه، حتى لانتحدث مجددا عن قضايا فنية مهنية بلغة تعبوية سياسية، ونهلل للاستقلالية، ونطالب بحقوق الصحافة المستقلة، ونحن لانملك الا صحافة ضعيفة واخرى مجاملة، واخرى انتهازية، واخرى تابعة، واخرى مكملة لخطط سياسية تدار من خارج الحدود.
واذا استثنينا شبكة الاعلام العراقي الممولة والتابعة للدولة، فان هذه الانتخابات كشفت ان كثيرا من المؤسسات الاعلامية العراقية هي عبارة عن واجهات لاحزاب سياسية متقاطعة في التصورات والرؤى، والمخططات، لكنها متفقة في هدف السعي الى السلطة، واسقاط الخصم، او التنعم في موسم جني الايرادات المالية الكبيرة، و في حالات محدودة نجد ان بعض المؤسسات الاعلامية تحاول الامساك بحبل الاستقلالية الذي يجلب لها احترام المشاهد.
ومن ناحية اخرى نحن لا ننكر اننا في هذه الانتخابات قطعنا شوطا هاما، هو اتفاق جميع الفرقاء على الاحتكام لصناديق الاقتراع، وهو دلالة على نجاح المسار الديموقراطي في شقه السياسي الى حد ما، لكن لايمكن اكتمال عناصر نجاح الممارسة الديموقراطية الا بوجود بنية اقتصادية، واجتماعية، وثقافية وتربوية، والاهم من ذلك بنية اعلامية تضمن الامانة في نقل المعلومة، ومنظمات تحمي من ينقل هذه المعلومة، وتضمن سلامته من الايذاء وتعرضه للمساومات والضغوط.
ونحن هنا نجد ان الاوان قد آن لان تفكر الدولة في اطلاق برنامج اعلامي ضخم يقوم على التمويل، والرقابة، والتشريع ابتداء من تمويل عدة قنوات فضائية تكمل بعضها البعض لتمارس الدور التربوي، والتثقيفي، والاعلامي الذي يحتاجه المواطن العراقي بشدة، ومرورا بتشجيع النهج الوطني الحيادي لدى رجال الصحافة، او المؤسسات، وانهاء بتشريع قوانين تحمي الصحفي وتضمن المصالح العليا للدولة.
وان مثل هذا البرنامج يضمن للمؤسسات الاعلامية العراقية ان تكون قادرة على مواجهة التخريب الاعلامي الذي تمارسه مؤسسات دأبت على النظر الى العراق بعين المصالح العربية والاجنبية، والتي لايهمها الا استقرار بلدانها، والمصالح العليا لهذه البلدان، ودفئها السياسي الذي ياتي في احيان كثيرة من احتراق العراق، وعدم ايمان الكثير من نخبه السياسية، والاعلامية، بان من اول واجباتهم، هي الحرص على مصالح العراق العليا، التي لاعلاقة لها بتبدل الحكومات وشخصيات السلطة، الذين هم بالتاكيد الحراس الامناء على تطبيق مصالح العراق العليا

اصعب المهام عالميا

العدد ( 428)الاثنين  22 /3/2010


لو افترضنا جدلا توجيه سؤال عن اصعب مهمة سياسية في العالم؟ ماذا تتوقعون ان تكون الاجابة؟ انا من ناحيتي كنت وعلى مدى سنوات قد وجهت هذا السؤال بشكل شخصي لمئات المثقفين من الاصدقاء، وغير الاصدقاء، العراقيين، وغير العراقيين ومن مختلف الجنسيات، وكان الجواب ان اصعب مهمة هي ان تكون رئيسا للوزراء في العراق
ولكن ربما الاجابة ذاتها تثير سؤالا جديا اكثر اهمية! وهو لماذا يتكالب الجميع للحصول على هذا المنصب باي ثمن رغم انه اصعب المهام السياسية في العالم؟ حتى اولئك الذين لا يمتلكون المؤهلات، اوالمهارات، او الخبرة، او القبول الشعبي، تكون عيونهم على هذا الموقع وتراهم يتصيدون للجالس على كرسي (الهموم والمتاعب) كل صغيرة وكبيرة، بهدف التقليل من شأنه، او رغبة بالاطاحة به، لانهم لايحبذون ان يروه وقد نجح في تحويل المهمة المستحيلة، الى مهمة صعبة، والصعبة الى الطبيعية، (هذا اذا اغفلنا العامل الخارجي وتاثيراته(
وسيكون حقا كرسيا للمتاعب والهموم، اذا كان الجالس عليه نزيها، وطنيا، اختار ان يتعب نفسه ليريح شعبه، او يتوج حياته السياسية بما يحقق حلمه الذي عانى، وضحى، وجاهد من اجل تحقيقه، وحتما سيتحول الكرسي الى باب المجد، والثراء، ومفتاح السعادة، ومظلة الصفقات الهائلة التي لاتتكرر، اذا كان من يشغله او يتطلع للجلوس عليه قد اختار ان يريح نفسه.. ويتعب شعبه، فالمعادلة لاتقبل الخطأ .
والكلام عن الصعوبة يعود بي لاكثر من اربع سنوات ويذكرني بحديث دار بيني وبين شخصية سياسية لها وزنها في حزبها، وكنت وبعض الاصدقاء في صالة فندق شيراتون اربيل، ضمن جلسة على هامش احد الملتقيات الثقافية، وكنا قد تلقينا قبل اسبوع نبأ تولي السيد نوري المالكي رئاسة الوزراء .
ولكن المفاجأة ان هذا السياسي المثقف باح لنا بسر خطير مفاده ان عمر حكومة المالكي سوف لايتجاوز اكثر من ثلاثة اشهر، حينها عم الصمت وبدت علامات الاستغراب واضحة على وجوهنا، بينما استمر الرجل بالكلام عن عوامل سقوط الحكومة التي اعلنت قبل اسبوع، عندها قررت مغادرة صمتي وقاطعته متسائلا.. هل هذه وجهة نظره، ام وجهة نظر حزبه السياسي؟ لكنه صدمني بالقول انها قناعة اكيدة لرئيس حزبه علما انه متحالف مع الائتلاف الذي ينتمي اليه المالكي آنذاك!! وعندما سألته لماذا تتحالفون مع الائتلاف وتشاركون في الحكومة ؟؟ فقال انها السياسة!!!
ولا اريد ان اكمل الحوار الذي دار، ولكن اريد ان اقول انني حينها شعرت بالصدمة فكيف يمكن لنا بناء ديموقراطية قوية بهذه الطريقة، اي بالطريقة التي لايفكر رجال السياسة الا بالشكل الذي يخدم مصالحهم، ومصالح احزابهم، في الوصول الى السلطة او قدر منها، او اخضاع من يمسك فعليا بها الى اراداتهم، وتحويل منصب رئيس الوزراء من صانع قرار الى رجل التوافقات والترضيات او موظف لخدمة القوى السياسية، وبخلافه سيحكمون عليه بعدم الصلاحية، والانفرادية وبالتالي اعتباره مرفوضا من قبل الطبقة السياسية حتى وان ايده الشعب و صوت له ملايين الناخبين .
لذلك فالمتابع لسباق التصريحات الذي اعقب الانتهاء من اجراء الانتخابات البرلمانية، سيصاب بالدهشة، من بيانات، وتصريحات، ومضامين صارت مادة اساسية للاعلام العربي، والدولي وفي مجملها اتهامات، وتقاطعات، ورغبات مختلفة، تدور بشأن من يتولى رئاسة الوزراء ؟
ونعود الى اصعب مهمة والى الاشهر الثلاثة التي وضعت من قبل البعض عمرا افتراضيا لحكومة المالكي، اذ نجد ان الرجل اكمل مشواره، واتم مهمته، وحاز على ثقة الشعب مجددا بحصوله على اكبر عدد من الاصوات من بين الاف المرشحين، بعد ان استلم المهمة المستحيلة ليحولها الى طبيعية، لم يعد فيها المنصب اصعب مهمة في العالم .
بل تحول الحصول على هذا المنصب الى اصعب المهام واعقدها على الاطلاق، بالشكل الذي لاتقرره الارادة الشعبية، ولا المنطق، ولا الخبرات، والمهارات، والسير الذاتية، بل تقرره الاقدار!! والتوافقات!! التي تأبى الا ان تكون لصيقة السياسة والحكم لدينا، والدليل ان هناك من يطرح نفسه لشغل المنصب بحكم ثقله السياسي، وهناك من يطرح نفسه للمنصب من باب التسوية بحكم خفة وزنه السياسي، وكل حزب بما لديهم فرحون

 

عطاء موسمي

عباس عبود سالم/القاهرة

هناك سياسيون تبدأ دورة حياتهم بادعائهم امتلاك مفاتيح الحلول، وانهم الاكثر نزاهة! والاكثر وطنية! وربما قومية! او ليبرالية اسلامية او علمانية وحسب السوق!

ولكن ما ان يدخلون دائرة البرلمان، حتى تنتهي مرحلة، وتنطلق مرحلة اخرى، تجعلهم (يستريحون) من عناء العمل والسعي لبلوغ البرلمان، وربما لايكترثون بحظور جلسات مجلس النواب، او بذل مجهود ولو يسير في الدور الذي حملهم اياه الشعب عبر الانتخابات..

انما يكون عملهم مقتصرا على التفاعل مع مكانتهم الاجتماعية الجديدة، وهم محصنين بحصانة البرلمان ومتأبطين جوازاتهم الدبلوماسية، يتجهون شرقا وغربا لاقامة العلاقات وحفلات التعارف الدولية والاقليمية!!!

سوف يسعون جاهدين الى ترتيب سكنهم، ومواكب سياراتهم، وتعيين اقاربهم، ومن يعولون عليهم في المستقبل.. لاعانتهم، ومحاولة الظهور في الفضائيات، وقت الازمات، لا للاسهام في حلها.. بل لانتقاد الاحتلال؟ والديكتاتورية؟ والازمة المالية؟ والحومة؟ والارهاب الدولي؟ وقراصنة الصومال؟ وتحميلهم اسباب (الفشل)..

ويزداد التملص من دورهم في تحمل المسؤولية، مع اقتراب الدورة الانتخابية الجديدة، حيث تظهر لديهم فجأة اعراض الوطنية، يسارية، ويمينية، وحسب العرض.. والطلب، ولابد من انهم اكتسبوا خبرة خطابية واقناعية اكثر من قبل، ليوهموا الجمهور انهم يمتلكون مفاتيح الحل مجددا، ويتهمون النظام السياسي و السلطة التنفيذية بانها هي التي عطلت قدراتهم الخارقة.

يحدث ذلك موسميا، دون ان تبادر كثير من الكتل المشاركة وغير المشاركة في العملية السياسية، الى القيام ببرامج من شانها تعزيز ثقة المواطن بنفسه، وبوطنه.. لم تبادر كثير منها بجلب ربع التمويل الذي جلبته لحملاتها الانتخابية، من اجل انجاز دراسات، ومسوحات، وندوات جادة، لتطوير واقع التربية، والتعليم، او الثقافة، والفنون، او السياحة، او الصحافة، او ثقافة الاطفال، او المسابقات الفنية، والابداعية، دون تسييسها وشخصنتها، وهي مجالات بقدر خطورتها، هي الاستثمار المستقبلي للجميع.

ولم تقم هذه الاحزاب والشخصيات بوضع تصوراتها النظرية ومنهجها في اصدارات تستقطب النخبة المتعلمة، او حتى بطاقات معايدة لمعالم العراق وآثاره توزعها على من يدعمونها بالمال، ولم تقم هذه الاحزاب بتبني مهرجانات فنية، او ثقافية، لدعم المواطنة العراقية، وتعضيد جهود الحكومة في ذلك، وتقويم هفواتها ان حصلت، وايضا تسهم تلك الفعاليات في فتح نوافذ جديدة لها مع الجمهور، غير شاشة التلفزيون، او الحاسوب، او وسائل الاعلام والاتصال الاخرى.

ربما يقولون انها وظيفة السلطة التنفيذية، نقول نعم.. ولكن ليست وظيفة الاحزاب والقوى السياسية منافسة الدولة، ولا انتظار دورها في الحكم.. والسلطة.. لكي تعمل؟ لأن الاحزاب هي جزء من بناء الدولة وجزء من الشعب، ويهمها ان تكون جزء فاعل من هذا البناء، وليس الخلية النائمة التي تستيقض كالبركان عشية الانتخابات، وتسخر خبراتها وعلاقاتها الخارجية وامكانياتها لتسقيط خصومها والترويج لصورتها، ثم تخمد بعد انتهاء موسم الانتخابات.

ربما يتفق معي الكثيرون على اهمية ان تكون الاحزاب اكثر نضجا وان تعمل من الان للانتخابات القادمة، ليس من خلال التربص، والمبالغة في الرقابة، والتسقيط للحكومة، بل بالمشاريع الثقافية، والاجتماعية، والتوعوية، التي تجعل المواطن يصدقها اكثر مما لو تحدثت عشية الانتخابات، من ظهور قياداتها كمقدمي برامج دعائية يستجدون تعاطف الجمهور بشكل لايليق برجال السياسة وبناة الوطن.

وهذا الكلام بالطبع لايشمل الجميع، لان هناك بوادر مشرقة من قوى سياسية واحزاب، لمسنا شخصيا عملها بعيدا عن الاضواء وعدسات الكاميرات، خلال السنوات الماضية، لان هدفها الواضح هو خدمة المواطن، وتعضيد الحكومة، وتقوية الدولة.

في الانتخابات فقط

العدد ( 417)الاثنين  1 /3/2010


ممتع هو موسم الانتخابات بالنسبة للمواطنين بقدر ماهو مقلق للمرشحين، وسبب الامتاع هو شعور المواطن بان السياسي بحاجة اليه.. يطرق بابه ويدعوه الى مناصرته، وكذلك ان من الممتع ان يتحول الساسة والطامحون للسلطة الى مقدمي برامج، وهي ليست برامج للتثقيف، او التسلية، او الاخبار، بل انها برامج للدعاية الشخصية، والمثير ان الجمهور اخذ يقيم قدرتهم على تقديم برامجهم وطريقة ظهورهم، ويقارن بين ادائهم التلفزيوني، اكثر مما يقارن بين طبيعة ومحتوى برامجهم الانتخابية المطروحة.
وايضا تميز الموسم الانتخابي الحالي باستغلال الجميلات من النساء ومشاهير الاعلام، والفن، والسياسة لشهرتهم ليحولوها الى طريق لتعاطي السياسة وولوجها، ولكن ربما سيؤدي نجاح التجربة العراقية في تسييس المشاهير، الى نتائج ليست في صالح محترفي السياسة، كونه يكشف ان السياسة هي المهنة الاسهل، والاكثر جلبا للثروة، ومجد السلطة، وربما ستتحول فيما بعد الى مهنة المتقاعدين من مشاهير المجتمع ونجومه، وعلى خطى ريغان، وارنولد.
اذن موسم الانتخابات هو موسم يبتسم فيه السياسي، ويهز يديه، وراسه..ويعمل بكل مايستطيع من قوة ليدخل البرلمان الاكثر اهمية وتاثيرا، عبر هدف يشترك فيه الجميع وهو (خدمة الشعب)، لكن المشكلة الكبرى ان هناك عشرات الاجتهادات للطريقة التي تتم فيها (خدمة الشعب)، وهذا يؤدي بنا الى استنتاج لو ان الجهود تصب في الاتجاه الصحيح لاختزلت في عدد محدود من الكيانات مثلما هو معمول به في الديموقراطيات الناجحة.
لذلك فعلينا ان ندرك ان هناك اهدافا اخرى اكثر واقعية بالنسبة لبعض المرشحين يحرصون على اخفائها، لاسيما اولئك الذين يسعون الى دخول السلم الوظيفي الاداري العراقي ابتداء من درجة نائب في البرلمان، ولكن هذا لايلغي وجود من يخدمون او يعملون على خدمة البلاد ممن تحلوا بالشجاعة، وقدموا التضحيات وتميزوا بأخلاصهم ووطنيتهم، والتي يستحقون على اساسها ثقة الناخب العراقي. والعدد الكبير للاحزاب، والكيانات، والشخصيات المتنافسة على شغل المقاعد البرلمانية في جانب منها يعكس ضبابية المشهد السياسي العراقي، اكثر مما يشكل تنوعا ايجابيا يكمل بعضه بعضا، ونقول ضبابية كون كثير من البرامج المطروحة تتناول مسألة تغيير شكل الدولة ونظامها، وهو مالا يستطيع عمله عضو، او عضوان، او كتلة، او كتلتان في البرلمان. فهناك اشخاص يطرحون برامج يتخيل من يطلع عليها انهم يترشحون لشغل منصب رئيس الجمهورية، في نظام رئاسي وفق حكومة مركزية، وهي بالتالي لاتتناسب مع النظام السياسي البرلماني المعمول به في العراق، ولا مع المقعد الذي يسعون للحصول عليه.
فليس من الغرابة ان تجد كيانا سياسيا صغيرا يتكون من شخص او عدة اشخاص او قائم على شخص او عدة اشخاص يطرح برنامجا سياسيا لتغيير شكل الدولة العراقية، كحال اكثر برامج الاحزاب والكيانات الصغيرة والتي اقصى مايمكن ان تحققه هو الحصول على مقعد او مقعدين.
وهناك برامج انتخابية اخرى تطرح مانستطيع ان نسميه بطلبات الجمهور حيث تشكل توليفة من الوعود والاماني غير المتجانسة، والتي لا تهدف الا الى دغدغة مشاعر البسطاء من الناس لتحصل على ثقة الناخبين، ومن ثم الدخول الى البرلمان.
كل ذلك يرافق الانتخابات العراقية التي تنفرد بتنوع وتعدد التيارات، والاحزاب، والتجمعات السياسية الساعية الى السلطة، والى تعدد وتنوع واختلاف البرامج الانتخابية التي تشترك في اعلان واحد هو خدمة الشعب، الذي امامه صندوق الاقتراع ولديه الخيار

 

فرض القانون .. ومابعدها

العدد ( 412) الاثنين  22/2/2010

في مساء 17 شباط 2007 كنت في مقر عملي في التلفزيون، على موعد مع شريط على درجة عالية من الاهمية، وربما يكون موعد بثه بداية لمرحلة اخرى من تاريخ العراق السياسي الحديث، كونه يحمل البيان الاول لانطلاق خطة فرض القانون، واخبروني انه سيكون بصوت الفريق الركن عبود كنبر، الذي تم اختياره من قبل دولة رئيس الوزراء قائدا لعمليات بغداد.
وكان شتاء 2007 يومها قاسيا علينا كاعلاميين، فقد كنا لانغادر مبنى التلفزيون بسبب حراجة الوضع الامني، وكذلك لكثرة الحوادث، والانباء المفاجئة، والطارئة، والمفجعة احيانا، والتي كانت تتزاحم لتملأ يوم بغداد الذي بات قصيرا جدا، فسرعان ما تختفي مظاهر الحياة من المدينة بعد فترة بسيطة من انتصاف النهار، ليجلب الليل لنا رعبا من نوع جديد.
فالارتال الامريكية، ومواكب شركات الحماية، ومواكب حمايات المسؤولين التي تطلق العيارات النارية في كل اتجاه، والجماعات الارهابية، والمسلحون بمجاميعهم التي تشكلت للدفاع عن النفس، او للانتقام، او للثأر، او بتحريك من اخرين، هي مفردات جعلت الشارع يتحول الى مشهد لايختلف عن ما كنا نشاهده من صور، وافلام عن حروب راوندا، او السلفادور، او الصومال، او لبنان، اذا لم تكن اشد وطأة.
وكل مايحدث يتطلب منا معالجة فورية، لطمأنة مواطنينا الغارقين خلال ملازمتهم منازلهم في طوفان من البث الصوري، الذي لايترك صغيرة وكبيرة من مشهد العنف العراقي الا وسلط الضوء عليها بتأويل وتضخيم مفتعل، حيث خصصت بعض الفضائيات اموالا ضخمة لتغطية مايحدث، باسلوب يجافي المهنية و يقترب من التشفي بالعراق وشعبه، اضافة الى لعب ماكر بالالفاظ والمفاهيم.
لكل ذلك واسباب اخرى كان العمل في العراقية يبدو صعبا جدا، ففي الخريف الذي سبق اعلان الخطة فقدنا زميلتنا المذيعة (نقشين حمه رشيد) التي وجدت جثتها على بعد امتار من مبنى الشبكة، ليكون تسلسلها هو 54 من بين شهداء شبكة الاعلام العراقي الذين سقطوا اثناء ادائهم الواجب، ولكن امر (نقشين) يختلف، كونها اشرت الى اقتراب الارهابيين من مقر التلفزيون ومن مدخله المقابل لشارع حيفا.
لذلك فأن اعلان انطلاق خطة فرض القانون في تلك الظروف جاء في قمة تصاعد العنف، وهو في نفس الوقت يعد تحديا لكل من حاول قتل هذه الخطة في مهدها، مثلما كانوا يقتلون الابرياء من الناس، فقد ظهرت تحليلات، وتفسيرات، وتكهنات كثيرة اطلقتها صحف، وفضائيات، وجهات سياسية مختلفة، حاولت وضع هذه الخطة ضمن مصنفات مسلسل العزل، او التهميش الطائفي، الذي طالما اتهمت به الحكومة العراقية من قبل اطراف سياسية، واعلامية، داخلية، وخارجية.
كان البيان الاول لاعلان الخطة مؤثرا، خال من الانشاء، مفعم بالدقة، وهو من حيث شموليته يختلف عن عشرات البيانات التي نقلناها عن مصادر امنية، وسياسية، طيلة عملنا في غرف الاخبار منذ اول تفجيرات السفارة الاردنية، ومقر الامم المتحدة في آب 2003، والتي اعلنت العد التنازلي للامن، والتصاعدي للارهاب.
فقد كانت الخطة تحمل شمولية تستحق ان توصف بانها استراتيجية لنقل العراق من مرحلة الامن المفقود، الى مرحلة استتباب الامن، وهذا لايقلل من قيمة الجهاد البطولي للرجال الذين دكوا بقبضاتهم، وسواعدهم رؤوس الارهابيين منذ 2003م لغاية انطلاق عمليات بغداد.
وحقيقة احسست بحكم طبيعة عملي ان هناك تحولا كبيرا في نقل اخبار بغداد، فبعد مئات الاخبار المحزنة، والمؤلمة، عن انفجارات، واغتيالات، وجرائم خطف، واحتلال مقرات حكومية، وتحقيق خروقات داخل مؤسسات مهمة، بدأت تردنا اخبار ترفع المعنويات من تفكيك خلايا ارهاب، ووضع اليد على ورش للتفخيخ، وامتلاك خيوط لمصادر دعم وتمويل، وغيرها.. وكانت مثل هكذا اخبار كفيلة بان تعيد للمواطن الثقة بالحكومة واجهزة الدولة، وهو ماحصل بالفعل.
تردني هذه الخواطر بعد ثلاث سنوات من اعلان الخطة وانا بعيدا عن بغداد، لكنني لم احسب ابدا وانا اتطلع قبل ثلاث سنوات من غرفة السيطرة في استوديو اخبار العراقية لقائد عمليات بغداد وهو يتلو البيان الاول بكل ثقة واقدام، ان اتطلع اليه بعد ثلاث سنوات من العمل المخلص وهو يتعرض للمساءلة البرلمانية المتلفزة بقسوة لاتليق بمن يستوجب حصولهم على مكانة رمزية يجتمع عليها جميع من يؤمنون بالعراق.
نعم بعد ان كانت هذه الخطة سببا لان يتغير كل شيء في بغداد وسائر مدن العراق نحتفل بذكراها الثالثة بتجاهل اعلامي، وجحود سياسي، بل هناك من ينتقدها ويدعو الى تفكيك قيادتها وينتقد الالية التي اسست لادارة المؤسسة العسكرية وكانت سببا في النجاح.
وهذا من مثالب ديموقراطية تجعل كل مفردات الحياة، والتضحيات، والبطولات، والانجازات الوطنية، عرضة للمساومة، والتسفيه، والبيع والشراء، من اجل حسابات الربح، والخسارة، واما الشق الاعلامي فهذا شيء له تفسير واحد هو ان الاعلام مازال (الابن المطيع) للسياسة، وليس (سلطة رابعة) كما ندعي

 

الهوية العراقية.. مصباح يجب ان يتوهج



سألني احد الاصدقاء الصحفيين قبل مدة عن معنى الهوية التي نسرف جميعا في الحديث عنها، دون ان ندخل في جوهرها، ونقول ازمة الهوية، الحاجة الى الهوية، جدل الهويات، تدعيم الهوية الوطنية، وغيرها من العبارات الرائجة في سوق الاعلام و التي تدخل مفردة الهوية طرفا اساسيا فيها.
وفي منتصف جوابي على سؤاله وددت ان اضرب له مثلا اخرج به من نمطية التعريف.. فقلت له، ان تفسير مفهوم الهوية مثل عشر مصابيح مختلفة الالوان، والاحجام، والقدرات، وقد وصلت جميعا بمصدر واحد للطاقة، على ان يتوهج مصباح واحد وتنطفي البقية او تخفت، ليكون توهجه ملائما لتبديد الظلام، والمصباح المتوهج هو الهوية، ولكن في حال توهج مصباح آخر يحدث مانسميه ازمة الهوية، لانها تمثل انتماءات وولاءات مختلفة تستنفذ من الطاقة وتبدد التوهج.
فالهوية بمعناها البسيط هي الولاء الاسمى بين ولاءات متعددة، كون الانسان يولد منتميا لاسرة، وقبيلة، ومنطقة، وقومية، ودين، ولكن كل هذه الولاءات ضمن ولاء اسمى من المفترض ان يكون للوطن، او الدولة الوطنية، او مايعرف بالدولة القومية في العالم الغربي التي تختلف عن المفهوم العربي. وليس معيبا ان ينتمي الانسان ويتفاخر بالانتماء لقريته، او محافظته، او ديانته، او قوميته ولكن المعيب ان يكون ولاؤه الاسمى لاحد هذه المفردات او لعدد منها، فوق ولائه لوطنه الذي يحمل جنسيته، وينتمي اليه بالشكل الرسمي والقانوني والاخلاقي.
وفي مطلع قيام العراق الحديث، كانت تنازع المواطن هويتان، احداهما الهوية القومية العربية، والثانية الهوية الاسلامية، اضافة الى هويات قومية ودينية اخرى عديمة التاثير، وينعكس ذلك على انماط المعيشة، والازياء، والثقافات العامة، والتراث الشعبي وغيرها من روافد التكوين الثقافي للشعب العراقي.
ومن الجدير بالذكر ان الملك فيصل الاول لما واجهته هذه المعضلة، ووجد هذه الاختلافات اراد التعبير عن الصورة الشكلية للهوية العراقية بابتكار (قبعة) تختلف عن الطربوش العثماني، والجراوية، والعقال، والعمامة، فارتدى السدارة (الفيصلية) تعبيرا عن زي جامع لجيل يؤمن بالولاء الاسمى للعراق وفعلا اسهمت السدارة في تغيير الافكار ونجح هذا الجيل في ان يكون مؤسسا للعراق الحديث (رغم بعض الملاحظات).
وهذه المحاولة كررها الرئيس الافغاني حامد كرزاي، حينما ارتدى قبعة (سدارة) اقرب الى القبعة التي يرتديها الطاجيك، والاوزبك، (هو ينحدر من قبائل البشتون) لتحقق هذه القبعة شهرة واسعة، كونها زينت بلمسات بشتونية ايضا، لتمثل نقلة نحو ارساء هوية افغانية ربما يكتب لها النجاح اذا عززت ببرنامج متعدد الاوجه، وربما لم يكتب اذا كانت مجرد قبعة، لكنها تبقى محاولة اعقبت مبادرة فيصل الاول ملك العراق.
ويحتدم جدل الهويات في العراق بعد وفاة فيصل، والتطورات السياسية الاقليمية والدولية التي رافقت نهاية الحرب العالمية الثانية، واسهمت في صعود القومية العربية التي تمكنت من الغلبة على غيرها، متعكزة على ظروف نكبة فلسطين، وظهور عبد الناصر، وعوامل الصعود القومي التي قامت منتصف القرن العشرين، والتي سرعان ما اظهرت فشلها بعد هزيمة حزيران 1967م، لتترك المواطن العربي يراجع نفسه من جديد على نغمات هزيمة جديدة.
وفي العراق منذ ان تم اسقاط الجمهورية الاولى في شباط 1963 والسلطة السياسة لاتمتلك مؤشرات واضحة عن خط سيرها العام، فهناك تخبط واضح في تنشئة الناس على مفاهيم الوحدة العربية، واحتقار الانتماء (القطري) العراقي، وتوجيه اللوم الى الفريق عبد الكريم قاسم لانه (شعوبي)، و(انفصالي) بسبب وطنيته الواضحة، وولائه الاسمى للعراق، الذي اصبح شائبة عليه من قبل القوميين العروبيين، لان وطنية قاسم قد (عظمت القطر واهملت الوطن) حسب مفاهيمهم وخيالاتهم، التي عجزت عن ايجاد اسس واضحة مقنعة تجسد هذه الصورة اليوتيبية للوطن (العربي)، والتي بدأت في العراق من ساطع الحصري وانتهت بميشيل عفلق غير ماسوف عليها.
واعود للمصابيح المختلفة الالوان والاحجام، والتي يشترط انطفاؤها لصالح مصباح واحد، فاليوم من الصعوبة ان نرى ضوءا قويا يصدر من مصباح واحد في العراق الذي تتوهج فيه ثلاثة او اربعة مصابيح معا، وعندما يجيب العراقي على سؤال من انا؟ ربما يقول انا عربي.. انا كردي.. انا سني.. انا شيعي.. انا عراقي..انا كذا من الناصرية انا من الموصل انا من المنطقة الفلانية وهكذا الى الحد الذي تتوهج لديه اكثر من عشرة مصابيح في وقت واحد حينها يكون في مرحلة ما فوق الازمة ويدخل في حال من انعدام الرؤية، وهنا اوضح صورة لأزمة الهوية لاسيما اذا تجاوزت تعددية المكونات معناها الثقافي الانساني لتدخل في معنى سياسي.
وستكون ازمة الهوية عائقا جديا في تكوين المواطنة، وارساء الثقافة السياسية الجديدة كونها تخص النخب، والقوى السياسية، والادارات الحكومية، والجامعات، والمدارس، ومنظات المجتمع المدني، مثلما تخص المواطن البسيط.
ولكن ربما في احوال كثيرة نلمس من مواطن لايملك من العراق الا بطاقة الاحوال المدنية اطفاء لكل مصابيح انتماءاته، من اجل ان يتوهج مصباح العراق، ولانلمس ذلك من سياسيين حازوا على الشهرة، والثروة..وهم ماكانوا بسياسيين لولا طاقة العراق التي يضيئون بها مصابيحهم الفرعية والتي تستنفذ الطاقة، وتشتت الاضاءة، وتضعف التوهج

 

ثقافة واخرى

العدد ( 402)الاثنين 8/2/2010


يسهم الادب، والفن، والاعلام، والتربية.. في تعزيز، او صنع، اوتغيير الثقافة السياسية لاي شعب من الشعوب، ويقدم لنا التاريخ تجارب كثيرة بهذا الخصوص، ففي تجربة تاسيس الولايات المتحدة، كان التركيز واضحا على طرق التربية والتدريس، والسينما والصحف، والاذاعات، ومن ثم شبكات التلفزة، لصنع المواطنة الامريكية، وهذه الوسائل عملت عمل (البوتقة) التي انصهر فيها الانكليزي مع الصيني، والفرنسي مع الهندي، والافريقي مع الامريكي اللاتيني، لتكوين مواطنة جديدة على قدر عال من النجاح.
وهذا الامر ينطبق على اليابان، وكوريا الجنوبية، وروسيا، والبرازيل، ودول اوربا الشرقية، ومصر، والصين، وبعض الدول الافريقية، التي لها اسهامات واستراتيجيات في بناء ثقافة سياسية جديدة، رغم تعدد مكوناتها وتنوع شعوبها وتقلب ايديولوجياتها، مع مراعات اختلاف ثقافة المجتمعات من بلد الى آخر.
ولانريد السرد والتوسع اكثر من القول، ان الثقافات السياسية للشعوب هي التي تصنع الايديولوجيات، او النظم السياسية التي تحكمها، وأن سبب نجاح او فشل الايديولوجيات او النظم السياسية، هو نجاحها او فشلها في تنشئة شعوبها سياسيا، فمن اسباب نجاح الديموقراطية في الهند، وفشلها في الباكستان، ونجاح الشيوعية في الصين وفشلها في بلدان اخرى هو نجاح الدولة في ارساء ثقافة سياسية تصون النظام وتحافظ عليه.
وعندما نتحدث عن نجاحات الديموقراطية في بلادنا بشكل مطلق، سنكون اغفلنا شيئا من الحقيقة، وسيكون كلامنا لغرض رفع المعنويات لااكثر، فعلينا ان نعترف اننا لم نحقق نصرا نهائيا لرسوخ ثقافة التعددية، والمواطنة، وقبول الراي الاخر، وتداول السلطة، واحترام حقوق الانسان، وسائر عوامل واسس الديموقراطية التي باتت معروفة للجميع.
ان ديموقراطيتنا ولدت معكوسة، واسست من القمة الى القاعدة، دون ان تعززها ثقافة سياسية جماهيرية كون الثقافة السائدة في العراق كانت اما اسقاط الديكتاتور او الدفاع عنه، لذلك فان ديموقراطيتنا اليوم قد وجدت نفسها وسط ثقافتين، الاولى تقوم على تقديس الدولة بمركزيتها الشديدة، وصرامتها، وجبروتها، وقراراتها القطعية، وتبيح لها ان تتحول الى آلة للعنف، ووسيلة (للارهاب الشرعي).
وهذه الثقافة تشكل امتدادا للحكومات العسكرية التي قبضت على مقاليد الحكم منذ سقوط الملكية، لتطوع السياسة لعقلية الثكنة، واستمد صدام من تلك الثقافة شيئا من اسلوبه المفرط بجنون القسوة، ليرسخ مبدأ (نفذ لاتناقش) دليلا لعمل الدولة، وعلاقة المواطن بالسلطة، التي تحولت الى ثقافة سياسية يصعب تغييرها، ومازال بيننا الكثير ممن يتصرفون وفق هذه الثقافة، ويروجون لها.
والنمط الثاني من ثقافتنا السياسية نمط شعبي، قام على الرغبة في تهديم ركائز السلطة، والتمرد عليها، وعلى قوانينها، وتعاليمها، وتوابعها، وتسفيه كل مايصدر عنها، والتذمر منها، ومن شرورها، وفي نفس الوقت التظاهر بطاعتها، والتارجح في ذلك بين السر.. والعلن، وهو سلوك نما مع النمو المجحف لديكتاتورية صدام، وللاسف مازالت هذه الثقافة سارية، رغم سقوط اسبابها، ودواعيها وهي تحرك قطاعات من الشعب، وهناك من يعمل لتغذيتها.
وبالمقابل فان عملية صناعة ثقافة جديدة في العراق لم يكن من الاولويات، فقد ظلت وزارات الثقافة، والتربية، والمؤسسات الاعلامية، امرا ثانويا بالنسبة للقوى السياسية، مما افرز تشوها في ثقافتنا السياسية، فالترويج للحرية والديموقراطية اقتصر على جهود متفرقة مبعثرة ومحاولات هنا وهناك واعلانات ساذجة تكررها محطات التلفزيون بعنوان (اعلان مدفوع الثمن) مع مجهولية من يتحمل تمويل تلك الاعلانات المصنوعة في عمان وبيروت ودول اخرى.
ولم يأخذ الابداع العراقي دوره في رسم ملامح ثقافتنا الجديدة التي لم تتعزز بثورة في مناهج التربية واساليبها، ولم تتعضد ببركان ابداعي، يحققه الفنانون، والشعراء، والمسرحيون، والروائيون، والسينمائيون، ليرسموا للناس طريق الحرية الذي لايتم الا بوهج الابداع الانساني، ولشديد الاسف ان بين هذه النخبة الفنية من يترحم على ماضي الهبات المالية، والهدايا، التي كان يتصدق بها الطاغية عليهم، ليصنع منهم ابواقا تصم اذان الناس عن سماع الحقيقة.
اما وسائل الاعلام فيكاد دورها غائبا، او عاجزا عن تحديد ملامح الثقافة الجديدة، لان وسائل اعلامنا جبلت على اللحاق بالمتغيرات والاحداث، التي تاخذها بعيدا عن مقصدها، وتمنعها من ان تبادر في صناعة حدث، او تقليب ملفات ساخنة، تكون طريقا لبوادر ثقافة سياسية، ودور المؤسسات الدينية في الاغلب انجرف مع موجة الاحزاب الدينية، وتخلى عن حياديته، ليحدد موقفه الصراعي داخل منظومة التنافس السياسي.
وهذا حال مؤسسات اخرى منها المؤسسة العسكرية، والجامعة، والمدرسة، وربما رياض الاطفال، ايضا او مجموعة الاطفال، الذين تخلوا عن العابهم التقليدية و اخذوا يمارسون (العابا ارهابية) جديدة تستنسخ مايبث تلفزيونيا لتجسدها معارك بالسلاح الابيض، والهاونات الكارتونية، التي ربما تكون بذورا لثقافة جديدة اخرى تصنع جيلا مازال في طور التكون

المواطنة.. وصنّاع القلق


الصورة التقليدية للمواطن العراقي خلال العقود الماضية عبارة عن (بضاعة) كان يتسلمها الانقلابيون بعد كل بيان يتلونه، وبعد كل مغامرة يخوضونها، وقد حولوا المواطنة الى لعبة يتسلى بها القابضون على السلطة، وهم يمنحون ضمائرهم اجازة مفتوحة، ليسوقوا الناس طعاما لثورات، ومهالك تستنزف خيراتهم، وجهودهم و كرامتهم وانسانيتهم.
عقود والعراق دولة ممنوعة من التفكير، ثقافتها مختنقة بالشعارات، وطنيتها حبيسة المزايدات، معالمها تستنشق الالم.. وقد شاخت قبل اوانها، فالخاص، والممنوع كانا ينتشران اكثر من اعلانات الحض على النظافة، او علامات المرور..
كانت هناك طرق خاصة، ومواقع خاصة، وحرس خاص، ومواطنون خواص، والدولة خاصة، والسياسة خاصة جدا، لانها منهمكة في تبرير شرعية (الرفيق) الذي قفز من حوض الشاحنة (الزيل) ليجلس على كرسي الرئاسة، مخترقا كل القوانين والقواعد والاعراف.
وبعد كل هذه السنوات المريرة، تنقلت صورة المواطن العراقي، من مجند مثقل ببزة متهرئة، واوامر قاسية، الى مختبئ من السلطة، او متملق لها، او ترميه الاقدار مهاجرا، او هاربا، او حبيس زنزانة قذرة، او رأسا مقطوعا يعبث به الجلادون، وهم يتباهون بجريمتهم امام عدسات الكاميرات، ثم يغسلوا ايديهم متصورين انهم ازالوا اثارها.
ولكن للاسف بعد سطوع شمس الحرية.. لم تنتقل المواطنة من صورتها القاتمة، الى الصورة المشرقة، ومن المقيدة الى الطليقة، بفضل ماتحقق من حرية وديموقراطية، بل تشتت الى مواطنة سياسية، واخرى حكومية، واخرى مدنية، تحاول الانتماءات الاخرى تسييسها، وتهميشها، فالمواطنة للاسف مازالت اليوم حبيسة الخوف من الماضي، وعدم التصالح مع الحاضر، او الثقة بالمستقبل، بعد ان اكتنف المواطن افراط من التفاؤل، لكن هذا الافراط سرعان مابدده الرعب القادم من مجهول.
ولم يكن الرعب وحده هو القادم، بل القلق ايضا قد تسيد سوق السياسة، فمثلما يوجد للارهاب صناع وادوات، فللقلق رجاله المستترون خلف يافطات تبدو وطنية لكنها ليست كذلك، فهناك الكثير من الساسة باتوا خبراء في انتاج القلق وتصديره، واصبح لدينا الكثير ممن يجيدون الكلام والتعامل مع الكاميرات وجذب الممولين.
اذن نحن ازاء لعبة تبدو مربحة.. و تستحق المجازفة.. والرهان مربح على مواطن لايمتلك من العراق الا هوية الاحوال المدنية، ودفتر خدمة منتهي الصلاحية، يشكو تخمة الاختام والهوامش، وتواقيع ضباط التجانيد التي سجلت المهدور من العمر، وهو الجزء الاكبر منه.
القلق لايحتاج لصناعته امتلاك مهارات كبيرة، سوى الهجوم والنقد اللاذع وخلط الاوراق، وكل ذلك كفيل بان يبدد اي ضياء يلوح لنا بعد خروجنا من النفق، وصناع القلق يريدون دخول مجد السلطة من باب الديموقراطية الفضفاض، ثم يتحدثون لنا عن عيوب تطبيقها، وعن سقطات من ينفذون السياسة حتى وان افنوا كل مالديهم من اجل اداء واجبهم لوضع القطار على السكة.
ولكن الاخرين يمتهنون السياسة من اجل السياسة، هم بعيدون عن المواطن جغرافيا ونفسيا لكنهم قريبون منه اعلاميا، يعدون بما لم يتحقق الان، ويجهدون انفسهم لصنع مواطن قلق يسهل الايقاع به، فالمواطن لديهم ليس سوى وسيلة لغاية السلطة التي تعني في العراق ثروة ومجدا لايضاهيه اي مجد آخر.
لذلك فأن ساسة القلق لاتحكمهم محددات وطنية ولايلتزمون بمواثيق اخلاقية او حرص على ثوابت شركائهم، بل يدفعهم النهم الى الفوز، فالوطنية لديهم ليست اكثر من مناظرة تلفزيونية يربحونها، او تصريح صحفي يطلقونه في اوقات المحن، ليجعلوا المواطن قلقا جدا، وعاجزا جدا.. قلقا لرغبته بمعرفة حقيقة مايجري، وموقعه مما يجري، وعاجزا على ان يميز بين السراب.. وبين الحقيقة.
ويحذرون من ان خير الديموقراطية الوافر وظلالها الوارفة لم تكسي العراقي بثياب السندس والاستبرق، ولم نرى ولدان مخلودن كانهم لؤلؤ مكنون بل ولدان انتحاريون وسياسيون انانيون مارسو لعبة السلطة متوهمين ان صورة المواطن مازلت رقم سياسي يمكن تضليله

 

الاعلام السياسي

العدد ( 394)الاثنين 25/1/2010


اختتم وزراء الاعلام العرب اجتماعهم الاستثنائي في مقر الجامعة العربية في القاهرة والذي انعقد لبحث انشاء مفوضية عامة للاعلام العربي، ومناقشة قرار مجلس النواب الأمريكي بشأن الأقمار الصناعية التي تتعاقد مع قنوات مصنفة كقنوات تحض على العنف و الإرهاب، وفي مثل هكذا قضايا تتباين اراء وزراء الاعلام العرب، بعد ان لقي القرار الامريكي معارضة واضحة من اغلب الاوساط العربية، لكن الوزراء العرب في النهاية قرروا التجاوب معه في اجتماعهم الاستثنائي.
ولو عدنا قليلا للوراء، وراجعنا مشكلات المنطقة العربية وازماتها خلال العقدين الاخيرين، سوف نجد ان للاعلام السياسي الدور الاكبر اما في صناعة المشكلات، او الترويج لها، حيث استند تنظيم القاعدة وغيره الى غطاء اعلامي كبير، استغل عواطف الملايين من الجمهور العربي ليتفنن صانعوا الاخبار، والبرامج السياسية، بالترويج لتجارة الدم التي حقق القاعدة والقاعديون تفوقا واضحا فيها.
لكن في العراق يكون الامر له خصوصة اخرى حيث تتكاثر فيه الفضائيات المصنفة عراقية لتصل الى اكثر من ثلاثين فضائية، لاتخضع للحكومة او الدولة باي شكل من الاشكال، بل ان اغلبها تندرج ضمن تصنيف (الاعلام السياسي) الذي يمول من قبل جهات ودول اخرى لتحقيق اهداف سياسية محددة، تكون في الاعم الاغلب مناقضة لتوجهات الحكومة والدولة، بل قسم من هذه القنوات يعمل على تقويض النسيج الاجتماعي للعراق، واشاعة روح الياس والحقد، والكراهية لدى عامة الناس.
وكلما حاولت بعض الاصوات الدعوة الى تنظيم العملية الاعلامية تجابه بان الامر يتقاطع مع حريات الاعلام المتاحة للجميع، لكن مع قيام الولايات المتحدة باصدار تشريعها المثير للجدل عربيا فهي تفتح صفحة جديدة للفصل بين الاعلام المهني، والاعلام السياسي المحرض على العنف، والمتبرقع بعبائة الدين، او فكرة الجهاد، او المقاومة، ومستغلا حرية التعبير وامتيازات العمل الاعلامي الذي يحظى بتعاطف الجمهور.
وبما ان الحكومة والدولة العراقية لم تعط لنفسها سلطة التحكم في القنوات المصنفة عراقية فانها حتما ستكون طرفا مستفيدا من مثل هكذا قانون، كما ان الدولة العراقية لحد هذه اللحظة لم تفتح النار على اي جهة خارجية اعلاميا، ولم تستخدم الاعلام كسلاح هجومي، ولم تعمد لتمويل اي وسيلة اعلام لهدف سياسي، بل انها دابت على تحمل الهجمات المباشرة والنقد غير الموضوعي بصبر واضح، ورحابة صدر كبيرة، هذا فيما يخصها وهو محسوب لها، لكن عندما يكون الامر متعلقا بحياة الناس فان الحكومة تكون مقصرة اذا سمحت لمثل هكذا منابر ان تعبث بامن الناس وسلامتهم، ونحن ندعو الحكومة العراقية الى الضغط على الجامعة العربية والدول العربية للتضييق على المنابر الاعلامية للارهاب التي تعمل بهوية عراقية من اراضي دول اخرى.
وعلينا ان نتذكر ان الجامعة العربية منذ مدة تشهد حركة واضحة من اجل تنظيم البث والارسال التلفزيوني واخضاعه لسلطة الحكومات على الرغم من النايل سات والعرب سات تحت السيطرة الحكومية العربية الا ان هناك رغبة عربية لتنظيم البث الفضائي رغم انها الاقل تضررا اذا ما قورنت بالعراق.
فتجربة العراق الاعلامية رغم كل شي تعد النموذج الاكثر تطورا في المنطقة، من حيث عدم ممارسة الدولة اي نوع من انواع الاشراف، او الرقابة على وسائل الاعلام، والفضائيات بشكل خاص، مع عدم وجود عدد مواز من وسائل الاعلام الرسمية، مثلما هو موجود في دول عربية تمتلك عشرات القنوات وتتيح للقنوات الخاصة بالعمل الى جانب ذلك فتكون هي المسيطرة على اللعبة الاعلامية، وبين تجربتنا الفتية تجاربهم التقليدية يكون الفرق شاسعا بين المركزية الشديدة وبين الحرية المنفلتة

 

المالكي ..ورحلة البحث عن حلول واقعية

العدد ( 372)الاثنين 21/12/2009


عندما تفتح القاهرة ذراعيها لمن يحكم بغداد، فانها تكون على موعد مع نقطة مفصلية لرسم التاريخ العربي من جديد، لان اللقاء سيكون له شان اقل مايقال عنه انه بالغ الاهمية في هندسة العلاقات الدولية، وفي لغة اهل الاقتصاد هو لقاء بين براميل البترول التي تضمن وفرة المال وبين اليد العاملة الوفيرة، وفي التاريخ السياسي هو امتداد لعمق لامحدود تواصل الى العصر الحديث.
فطالما كانت لقاءات نوري باشا السعيد مع نظيره المصري مصطفى النحاس مطلع الاربعينات من القرن الماضي تحمل بذور المشروع القومي العربي، واثمرت عن تشكيل جامعة الدول العربية الا انها توقفت ولم تتقدم خطوة جديدة بعد ان تحولت مصر الخديوية الى الثورية العسكرية القومية، لتدخل حلبة تنافس مع العراق الملكي الليبرالي.
وتخلخلت العلاقات نتيجة تقاطع مشروع عبد الناصر الطموح، نحو مفهوم جديد هو الحياد الايجابي، ومشروع نوري السعيد المتوازن نحو حلف بغداد، وكل منهما كان يريد لعاصمته ان تكون مركز الاستقطاب في المنطقة، وكل منهما كان يمثل مدرسة سياسية الا ان الثابت الوحيد هو امتلاك العملاقان العربيان لمفاتيح الشرق الاوسط وعمقه الجوهري والسبق في التصدي والتضحية فكم من دماء عراقية اختلطت بدماء مصرية على ارض فلسطين.
اذن فعلاقة بغداد مع القاهرة هي امتزاج الطين السومري، بالبردي الفرعوني، امتزاج اندفاع، وجدية العراقيين، بصبر وفهلوة المصريين، واذا كان الباشا السعيد بعقلية السياسي المحترف، اراد لهذه العلاقات ان تتوازن لما فيه مصلحة العراق اولا، وقد تبعه الزعيم قاسم الذي قدم الوطني على القومي، الا ان من حكموا العراق بعد شباط 1963 لم يكن بجعبتهم الا الطيش الثوري الذي صنع لهم احلاما تبددت فيما بعد على صخرة الثوابت الوطنية للدول.
الامر الذي جاء بلاعب سعودي يحمل المال ويختبيء خلف شرعية دينية عززتها قدسية الارض التي تتكون منها هذه المملكة، فبعد سقوط نظامان ليبراليان في مصر وفي بغداد، كان على المملكة ان تمد يدها الدبلوماسية وتحصد المكاسب، لتدخل فيما بعد لاعبا قويا، حتمت عليه قواعد اللعبة ان يقف مع القاهرة تارة.. ومع بغداد تارة اخرى.. وهذا ماحصل بعد كامب ديفد، وبعد غزو الكويت، ومارافقهما من كر وفر دبلوماسي وسياسي قطع اوصال الجسد العربي دون رحمة.
وبعد قيام العراق الديموقراطي بعد نيسان 2003م كان على قادة بغداد ان يدشنوا عصرا جديدا من العلاقات العراقية مع الجوار العربي، تبعث برسالة تطمين الى ان العراق سيكون ايجابيا وهو يحمل ارثا عظيما من الثقافة والمعرفة، كونه مهبط الرسالات وارض الحضارة، لا ارض الجند ومهبط الطائرات الحربية العائدة من قصف دول آمنة، ومنذ ايام مجلس الحكم اشهر ساسة بغداد اغصان الزيتون ونكسوا البنادق، احتفالا بولادة عراق السلام، ولكنهم لم يسمعوا دوي التصفيق ينطلق من منازل الجوار مثلما توقعوا، ولم يحصل السلام الذي تأملوا انهم سيكونون ابطاله.. لان سلام من هذا النوع في منطقة مثل المحيطة بالعراق تصنعه البندقة التي نكسوها، ولايصنعه غصن الزيتون الذي رفعوه.
لذلك كان المالكي اكثر واقعية وحنكة واقل رومانسية في فلسفة العلاقات الدولية، و هو عندما يقرر ان يحل ضيفا على قاهرة المعز في ظروف معقدة مثل التي يعيشها العراق، سيكون لهذه الزيارة في حساباته شان، وبالتالي سيكون لها وقع كبير وستكون جزءا من حل مشكلة الجدل العراقي بين غصن الزيتون وفوهة البندقية.
يحل المالكي ضيفا على القاهرة وهو محمل ببشائر فرص استثمارية تقدم لمصر منفذا اقتصاديا يوفر لها التقدم خطوة للامام، ويكسر الحاجز الاستثماري الذي حاول البعض ان يحيطوا العراق به ليوقفوا حتمية النمو وبالتالي خطوة عراقية للامام، وكذلك فان لوجود المالكي في القاهرة شانا يرتبط بهندسة جديدة للعلاقات العربية مع العراق التي ستنعكس حتما على الشأن الداخلي العراقي، الذي لاتغيب عن اللعب باوراقه قوى ودول لم تعد مخفية، لذلك فان زيارة المالكي لمصر هذه المرة يمكن وصفها بانها زيارة البحث عن الحلول الواقعية

حديث عن مابعد الجريمة

العدد ( 367) الثلاثاء 15/12/2009

 

يتفق معي الجميع ان التفجيرات الاجرامية التي صنعت ثلاثاء بغداد الحزين، تركت الكثير من الالم والحزن العراقي الجماعي، وهو امر طبيعي لايحتمل الادعاء، والتباكي، او التسييس، او المزايدة عليه، ولاعلاقة له بدوافع او منافع اخرى، كونه ببساطة متناهية وجع انساني ازاء خطر اجرامي هدد ويهدد البغداديين دون استثناء.

 وعاطفيا.. فان الاحداث التي من نوع ثلاثاء بغداد، عادة ما تكون عامل موحد للأمة، يتوزع بها الحزن، والخوف، والالم بالتساوي على الجميع، من رئيس الدولة او الحكومة، الى اصغر و ابسط انسان، فالنكبات والاحزان لاتقاس بالرتب، والشهادات، ولاتحتاج الى مهارات، او انتماءات، او ولاءات، ليتمكن المرء من الشعور بها.

وبقدر ماتمثل الايام الدامية فجيعة انسانية تبعث الحزن والاسى، فأننا نفهم ان لتاثيراتها شقين، الاول طال عائلات عراقية بريئة بفقدها ابنائها، وآبائها، ونسائها، واطفالها، وبالتالي اضافة مجموعات جديدة لجيوش الثكالى، والارامل، والايتام، وشقها الاخر يمثل تحديا سياسيا، وخرقا امنيا، يضع مسؤوليات جديدة امام الحكومة والقيادات الامنية، والاحزاب والمكونات السياسية، والراي العام.

لذلك من المفترض ان تكون المعالجة بشقين ايضا، الاول يقوم على مواساة عائلات الضحايا وتعويضهم والتخفيف من مصابهم، وان تتحمل الدولة كل الاضرار التي لحقت بهم، والشق الثاني يعالج بدراسة مسببات الخرق الامني، ومحاسبة المقصرين ووضع اجراءات وحلول عملية لتلافي الاخطاء والاخفاقات، واجراء تعديلات في الاستراتيجية الامنية، والاستفادة من تراكم الخبرة في هذا المجال، وان يتمسك الجميع بالمشتركات الوطنية، لاسقاط المردودات السياسية التي يتوقعها من خطط، ومول، ونفذ هذه الاعمال والجرائم القذرة.

لكن مايزيد آلآمنا اننا نعيش صورة اخرى مغايرة للمالوف، فالمصائب لم تعد عاملا موحدا بقدر ماتحولت الى عامل لاثارة الفتن، والنعرات، والانقسام، ومن يراجع ردات الفعل بعد الكارثة يجد ان تداعيات الكارثة هي كارثة اخرى، بغض النظر عن مصادر ردات الفعل التي انطلقت منها.

ومن قراءة سريعة لردات الفعل نلاحظ حظور عامل المصلحة السياسية في اغلب هذه المواقف، وكذلك نلاحظ وجود (خطاب دائري) يتكرر مع كل كارثة، ويتصاعد امام بريق اضوية الكاميرات، لكنه يتحول الى سراب بعد انتهاء لحظات الانفعال الشعبي، هذا الخطاب يقوم على جدل، بشان فاعلية (المصالحة الوطنية)، و(تورط دول الجوار)، و(دور قيادة عمليات بغداد)، و(خلل المخابرات)، اضافة الى ملفات اخرى.

 وفي كارثة الثلاثاء وقع مشهد دموي لايختلف عن ماشهدته بغداد على مدى السنوات الست الماضية، من تفجيرات، وقتل، وابادة، لكن ردة الفعل السياسي لم تكن بمستوى التحدي و الجديد في ثلاثاء بغداد الدامي، هو تحولها الى مادة للتكسب السياسي، بسبب قربها زمنيا من موسم الانتخابات لذلك اصبحت عامل لاثارة الفرقة والاختلاف اكثر من ان تكون سببا في التوحد، والتكاتف وتدعيم اللحمة الوطنية.

 

 

ليلة سقوط دبي

العدد ( 362) الاثنين 7/12/2009


خلال وبعد اجازة عيد الاضحى المبارك، فجرت امارة دبي قنبلة اعلامية، واقتصادية، غير مألوفة، ليس بتشييد اعجاز معماري جديد، او استضافة نهائيات كاس العالم لكرة الماء، او للتزحلق على الرمال، او لتنظيم مسابقة ملكات جمال العالم للمواشي، او اي امر آخر.
هذه المرة دبي برمتها تتزحلق بأتجاه السقوط، بعد ان تلقفت الصحف ووسائل الاعلام الغربية بالتحديد، انباء عجزها عن تسديد ديون واستحقاقات، شركة دبي العالمية، والبالغة اكثر من 60 مليار دولار، الامر الذي انذر بحدوث ازمة مالية تهددها بالافلاس، وبالتالي سقوط تجربة مشروع تنموي عربي، او بعبارة ادق نموذج نجاح عربي.
ورغم ان امارة دبي شيء.. وشركة دبي القابضة شيء آخر.. لكن يبدو ان الشركة اهم من الامارة رغم انها مملوكة لها، ليس لكونها من اكبر الشركات القابضة في العالم، حسب، بل لانها تضم وتدير مجموعة مؤسسات، اكثر اهمية من المؤسسات الرسمية التقليدية، و ابرزها موانىء دبي العالمية، ونخيل للعقار، ومدينة دبي للاعلام، وسما دبي العقارية، ودبي لاند، والجميرة، وغيرها من الاسماء، والمسميات، التي نطالعها في الصحف، ونشاهدها عبر الفضائيات، باعلاناتها المبهرة، وهي بالطبع اكثر اهمية من دوائر ووزارات امارة دبي.
وكدليل على نجاحها، قامت هذه الشركة بتشييد صروح هندسية، اقرب الى الخيال، حققت للامارة شهرة عالمية، ونهضة عمرانية وتنموية لامحدودة، وبدل من ان يبحث اثرياء الخليج عن مدن اوربا، وامريكا، للاقامة، او الدراسة، او للسياحة، او استثمار الاموال، جلبت (دبي الشركة) لهم مايريدون، ووفرت لهم مايتمنون على ارض (دبي الامارة.(
اراد محمد بن راشد آل مكتوم، بديكتاتوريته الناعمة، وخبرته الاقتصادية، وطموحاته اللامحدودة، ان يخرج بامارته الصغيرة من (طور الاستهلاك) الذي ميز بلدان الخليج، الى (طور الانتاج) الذي ميز نمور آسيا، وتمكن من خلال دبي الشركة، من نقل دبي الامارة، الى مصاف المراكز الاقتصادية المتقدمة في العالم، بعد ان كانت مجرد مرفا لصيادي اللؤلؤ والاسماك.
وعلى هذا الاساس صنعت دبي الشركة، اعاجيب لم يالفها الخليج، الذي طالما كان عنوانا للحروب، والصراعات، وبدل من ان تتباهي دبي الامارة، بتشييد قواعد للصواريخ بعيدة المدى، او بناء قواعد برية وبحرية وشبكات للانذار المبكر، على سواحلها، لتعزز سيادتها الوطنية، اخذت تباهي العالم بانجازات دبي الشركة، مثل انشاء جزيرة صناعية وسط الخليج، وفنادق غاطسة تحت مياه البحر، وابراج هي الاعلى في العالم، اضافة الى تشييد كيان ضخم من المؤسسات المالية، والشركات المتخصصة في قطاع الخدمات.
واذا صدقت التحليلات الغربية وسقطت دبي، فنكون امام سقوط نموذج آخر، من ازدواجية (الدولة- المنظمة)، ولكنه هذه المرة نموذج اقتصادي غير مالوف في الاوساط العربية، وحتى في حال سقوط دبي الشركة، فان دبي الامارة التي لاترتكز على انتاج او احتياطي نفطي كحال ابو ظبي وسائر امارات الخليج، تكون قد ورثت بنية تحتية هائلة القوة، وكوادر مدربة، حاصلة على مهارات نادرة، وسمعة دولية حسنة.
على خلاف التجارب العربية الاخرى، التي مازالت منظوماتها الساقطة، عالقة في مزابل التاريخ، لاتجني سوى لعنات الشعوب، وهي تجارب ارتكزت على ثنائية سياسية- عسكرية، تكررت، في ليبيا، وسوريا، ومصر، والجزائر، واليمن، فالعراق حيث اوجد صدام نموذج (احتقار الدولة)، (وتقديس المنظمة)، وبالتالي اذلال الامة وتقديس الانا.
لكنه لم يقدم على تشييد شركة قابضة، منفتحة، منتجة، مثل دبي العالمية، بل شكل منظمة، مغلقة، قاسية، هادمة (قابضة على الاموال والارواح البريئة) تدعمها سيولة وارصدة نقدية يقال انها كانت عشية تسلمه السلطة تفوق ال300 مليار دولار، وكان العراق يرتكز على اقتصاد قوامه احتياطي هائل من النفط، والغاز الطبيعي، والكبريت، وبنية تحتية لمشاريع صناعية وزراعية طموحة، وكوادر وخبرات وطنية ماهرة، توارثها العراق منذ انشاء مجلس الاعمار عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وقد تمكن صدام بفترة وجيزة، من تفكيك مقومات القوة العراقية، وصهرها ضمن منظومته القائمة على القوة المسلحة، (الجيش، والحرس الجمهوري، واجهزة الامن، والمخابرات)، والافراط في التسلح، ليضع الدولة ومقوماتها، في خدمة الحزب، والعشيرة، والعائلة، ركائز (المنظمة القابضة) التي بعد سقوطها عاش العراقيون اجواء تفاؤل مفرط ظنا منهم انه زوال للمنظمة وبقاء للدولة.
لكن الامر لم يكن بهذه السهولة، مع السعي لتوليد منظمات قابضة بمسميات جديدة، وعلى سبيل المثال، قدر خبراء اقتصاد بريطانيون عام 2003م، ان البصرة تمتلك مقومات نجاح، تفوق امارات الخليج، وربما تدخل لمنافسة دبي خلال خمس سنوات، اذا ماحصلت على فيدرالية، تمكنها من التخلص من اعباء المركز، والسير على خطى سنن آل مكتوم، وآل نهيان، وآل ثاني.
وقد تفائل البصريون، وحلموا بما خبأه لهم القدر من نعم الله الوافرة، التي ستجعلهم سادة الخليج الجدد، اذا حكموا انفسهم بانفسهم، لكن ماتحقق ان البصرة بدل ان تجذب المستثمرين والطامحين، وتحقق القفزة المنتظرة، جذبت كبار المهربين المحليين والدوليين، الذين استقطبوا محترفي القتل، ليبدا التنافس بالتصفيات الجسدية، ثم تشكيل الجماعات المسلحة، وتسييس مبرر وجودها، والتسابق لوضع اليد على المراكز الحيوية، والعمل من داخل الحكومة المحلية لشل سيطرة الدولة المركزية.
وبالتالي دخلت البصرة سجلات الشهرة العالمية وضربت الارقام القياسية ليس لمنافسة امارات الخليج انما لمنافسة اكبر مراكز القرصنة، والتهريب، والقتل، وتفشي الاوبئة، والفقر، في العالم، ولولا تدخل الحكومة، التي اعادت المدينة الى اهلها، قبل ان يقوم قراصنتها بأعلان تشكيل شركتهم القابضة،لكان للبصرة قصة سقوط، لاتشبه اي قصة اخرىخسر الفريق .. وفازت الروح الوطنية

العدد ( 357) الاثنين 23/11/2009


لم يكن مالوفا ان تشاهد القاهرة وهي تغفو بهدوء، ولاتسمع لها حراك، وهي الصاخبة بضجيجها، وحركة الخمسة والعشرين مليون مواطن من ساكنيها، وصياحهم المتناغم مع صفير السيارات التي تصنع ضجيجا مالوفا، مع ماينطلق من المقاهي، والميادين، وسيارات (المايكوباص) والحافلات الكبيرة المتخمة باجساد الرجال، والنساء، الباحثين عن واسطة نقل زهيدة الثمن.
تلك هي لحظة الخسارة الكروية امام الجزائر، بعدما انتهت المباراة التي كنا خلالها نسمع شهيق، وزفير، عشرات الملايين، يبدد الهدوء ويعيد ترتيب ذرات الهواء، ليحدث صفيرا كانه الريح، كلما اقتربت بارقة امل لتحقيق هدف في مرمى الخصوم الجزائريين، او كلما اقترب الجزائريون من مرمى مصر، ولكن صافرة الحكم انهت ذلك كله، وعم الحزن في بلد لايألف الاحزان كثيرا، لانه تعود على حب الحياة، وصناعة مباهجها.
ولم يكن التشجيع الكروي في مصر شيئا اعتياديا، بل هو جنون وطني من نوع آخر، فقبل ان تبدا تلك المباراة بأيام لبست الصحف، والمجلات، ومحطات التلفزيون، (فانيلة) الفريق المصري، وخرجت عن تقاليدها الصحفية لتهمل كل شيء آخر، وتسخر صفحاتها الملونة لتغطية الحدث الرياضي، السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي، الاكبر، وهو لقاء الجزائر في ملعب المريخ في ام درمان في السودان.
وحرصت الاذاعات على مواصلة بث الاغاني، والاناشيد الحماسية الوطنية، ليعيش المواطنون لحظة تماسك اجتماعي قل نظيرها، وكان ذلك واضحا على مفردات الحياة اليومية وتفاصيلها الاخرى، فمن اهم مظاهر الاستعداد النفسي لهذه المباراة، هو الاقبال الكبير من قبل المواطنين المصريين، على شراء علم بلادهم، الذي بيعت منه اعداد اعتقد انها بلغت رقما قياسيا لم يسجله احد قبل، وغالبا ما يعلق هذا العلم بالوانه، الاحمر، والابيض، والاسود، على السيارات باختلاف احجامها، وعلى واجهات المنازل، واسيجة الجسور، وكذلك يرسم على وجوه الاطفال والفتيات.
وكذلك فقد صبغت كثير من الفتيات شعرهن باللون الاحمر، ليس احتفالا بعيد الحب، انما ليكون بلون (فانيلة) المنتخب، بينما الحجاب الاحمر، كان هو السائد لدى المحجبات لنفس السبب، والاحمر طغى كذلك على اختيارات الوان الملابس للنساء، والشباب، بصورة مفاجئة، وهو ذات اللون الذي كسى القاهرة، لتبدو لاعبا ينضم الى تشكيلة لاعبين سيخوضون تلك المبارات على ارض السودان.
وعلى مدى سنوات عمري لم اشاهد سلوكا جمعيا مثلما شاهدت من توقف لكل مفردات الحياة، واتفاق بالراي لملايين الناس، بشان حدث ما، بالشكل الذي تنحني امامه كل الانتماءات، والهويات والاختلافات، والتفقهات، في مختلف نواحي الحياة.
وبعيدا عن سرد تفاصيل مارافق المباراة الاولى في القاهرة، او المباراة الحاسمة في السودان، الا ان المثير للانتباه هو الحماسة الوطنية التي يتمتع بها المصريون، وهم يشجعون تلقائيا اسم بلادهم، التي عدوها ام الدنيا، وافتخروا بها، الى درجة لم تسمح لهم بالاعتراف بان هناك من هو متفوق عليهم في البلدان العربية الاخرى، وقد عبر احد الزملاء الصحفيين المصريين عن امله في ان تقام مباراة كل عام مثل مبارة الجزائر، لالشيء انما لرفع واستنهاض الروح الوطنية.
انهم يتسامحون مع جور البلاد، التي لم تمنحهم الا الفقر، والعوز، والاحباط، لكنهم في لحظات العاطفة، وارتفاع منسوب الوطنية، لايعاتبون الحكومة على تقصيرها، ولايتعلمون الوطنية، او القومية، من دولة مجاورة، وهذه نقاط تحسب لهم، فهم لا يتخلون عن ارتباطهم بدولة آبائهم، واجدادهم، التي يحملون اسمها الذي يسكن اعماقهم، ويستمدون منها هويتهم الانسانية، واسباب وجودهم.
بل رغم ان بعض العوائل تعيش تحت خط الفقر، الى درجة غياب دائم للحوم المختلفة والفواكه وبعض الخضروات عن مائدتهم، وغياب وسائل الراحة عن كثير من مساكنهم، لكنهم طالما يتصالحون مع الواقع، ولايضيعون فرصة التمتع بالحياة، التي اتقنوا كيفية التعامل معها لتتسع لاكثر عدد منهم، ليقضوا ايامهم وهم سعداء باحباطهم وفقرهم وواقعهم المرير.
ورغم خسارتهم امام الجزائر والانعكاسات السياسية لذلك نتيجة الاحداث التي رافقت المباراة وبغض النظر عن تأثير ذلك على العلاقات بين الشعبين فأن مايلفت النظر هو انتصار الوطنية في مصر الى درجة عبر عنها رئيس تحرير احد الصحف قائلا (ضاع الحلم.. وبقي العلم

طلب تعيين

العدد ( 342)الاثنين 2/11/2009


لا توجد مفردة يستقبلها المواطن العراقي، باشتياق وفرح، ويتسلى بذكرها، ويحلم بها بتأمل مثل مفردة (تعيين)، ولا يوجد طلب أكثر رواجا بين الناس من (طلب تعيين) بتوقيع شاب عراقي، يطرح في سيرته الذاتية انه أول المعذبين في الأرض، وآخر المستفيدين من خيرات البلاد، فهو لا يميز بين حقول النفط، او حقول الألغام، وبين الديمقراطية والدرجة الوظيفية، لأنها لم ترض طموحه، ولم تجلب له ما يرغب من أحلام يسيرة التحقق.
كما يطرح ان هموم المعيشة، وسياط الظلم، قد حرمته من إكمال تعليمه إلى مستويات اعلى، وهو في دواخل نفسه يربط بين انتمائه، ومواطنته، و بين الموافقة على طلبه، التي تتطلب بالطبع وسيطا متنفذا، ربما يكون مسؤولا سياسيا او إداريا، بهدف تحويل طلب التعيين إلى ورقة انتخابية، او سمسارا يحول هذا الطلب الى عدة وريقات من فئة المئة دولار، وبالتالي نضيع مكتسبات المواطن من الدولة وقوانينها الجديدة التي باتت تنظر الى المواطنين من زاوية تختلف عن أيام العهد السابق، الذي كان فيه التعيين ضياعا للوقت او حلم بعيد المنال في نظر أكثر الناس.
واما اليوم فقد تصدرت مفردة (تعيين) معاجم لغة التخاطب، وأصبحت لا تضاهيها مفردة أخرى، من حيث تأثيرها السياسي، والاجتماعي، ومفعولها الساحر الأخاذ، الذي بات يفوق تأثير مفردة حرية، او ديمقراطية، أو دستور، وربما يجعل منه البعض مادة يغزل منها سجادته الحمراء الى بلوغ مجد السلطة.
وبقدر ما كانت هذه المفردة، (تافهة) و(غير مقنعة)، في السابق، أصبحت (متألقة)، (مدللة)، تتصدر صفحات القاموس الشعبي، والسياسي، الى الحد الذي يقاس وفقها حجم وتاثير أي حزب سياسي، بمقدار ما تمكن من إرجاع طلبات التعيين مزهوة بهامش الموافقة، بالحبر الاحمر، او الأخضر ..
او سائر الألوان. يحدث كل ذلك لان وصفة التعيين هي الحل المتيسر، لمشكلة اكبر تفتك بالمجتمع هي البطالة، والخوف من المستقبل، ولو ان المبالغة والعشوائية في التعيين، تؤدي الى مشكلات ابرزها الترهل الاداري، والبطالة المقنعة، ومشاكل اقتصادية، تثقل كاهل القطاع العام غير المنتج.
إلا ان عدم ثقة المواطن بأي باب آخر، جعلته يتعلق بطلب وظيفة حكومية، تؤمن له حياته ومستقبله، مع استمرار الجامعات بضخ إعداد كبيرة من الخريجين، وتسوق بهم الى مصير مجهول، تكون وفقه الدولة قبل غيرها مطالبة بنزع فتيل انفجار محتمل، لجيش غير معلن من العاطلين حملة البكالوريوس الذين يطالبون بعمل ملائم.
فإلى أي مدى، يبقى التهميش بالموافقة على طلبات التعيين، مصدرا لإثراء سماسرة الدوائر الحكومية، الذين يربطون بين مكاتب أصحاب القرار، وأمنيات جيوش المتقدمين للفوز بالوظيفة الحكومية، لقاء مبلغ يتجاوز ال500 دولار بضعف او اقل او أكثر أحيانا.
والى أي مدى يبقى طلب التعيين هو السلاح الذي يستخدمه رجل السياسة، والإدارة، في إرضاء وكسب الجمهور، دون التفكير او الاتجاه نحو إستراتيجية أخرى، ربما تسهم في التخفيف عن كاهل القطاع العام، وتسحب البساط من مجاميع الوسطاء بين المواطن والدولة، سواء من الذين اعتاشوا على الرشوة، او على السحت السياسي.
وهنا يتبادر الينا سؤال بشأن إمكانية أن تحل مشكلة البطالة بدون اللجوء إلى باب التعيين، والتهميش على الطلبات، والمتاجرة بمشاعر واماني الناس، التي اعتاد عليها السواد الأعظم من شبابنا، الباحثين عن الاستقرار العائلي، وسد ابسط متطلبات المعيشة، من (رغيف الخبز) إلى (كارت شحن الموبايل)، لينعموا بحياة طبيعية في بلادهم.
فنحن نتصارع على دخول وزارات الدولة، المتخمة بالقوى العاملة غير الماهرة، في وقت يمكن ان تؤسس شركات عملاقة، وتدور ماكنة الأعمار والاستثمار، وتنطلق عجلات الصناعة، فتتحرك الدولة لسن القوانين التي تضمن استيعاب شبابنا الباحث عن حياة كريمة، ليتجاوز حلم الشاب مجرد (طلب تعيين) في دائرة حكومية، ربما تعلمه كيفية (التحايل) على القوانين اكثر مما تدربه على تنمية مهارات وملكات تجعل منه طاقة واعدة مطلوبة تؤدي الغرض من الوظيفة العامة. ان الحلول المثلى للتخفيف من تكالب الناس على دخول الدوائر الحكومية، هي اما العودة إلى (الطريقة الاشتراكية) التي تتبع (مركزية التعيين) وبالتالي اختصار حلقة الوسطاء، بشتى انواعهم، ودرجاتهم، او رعاية رأسمالية وطنية، معززة بقوانين في صالح القوى العاملة العراقية، بالشكل الذي تكون على أساسه الوظيفة في القطاع الخاص موازية للوظيفة الحكومية من حيث تأمين المستقبل لمواطن يبحث عن ذاته المفقودة في ورقة عنوانها (طلب تعييي

دماؤنا تلعنهم

العدد ( 338)الثلاثاء 27/10/2009


تفجير آخر وضحايا أبرياء..انضموا لقوافل الشهداء، دماء تزهق بضغطة زر من أنامل معتوهه.. ودموع تذرف من عيون مكلومة، لتحمل مشاعر خوف لا تجد لها طريقا للخروج، إلا بصراخ هادر، يتصاعد أنينه إلى السماء، مع تصاعد أرواح الشهداء..
نعم كنت صباح الاحد، وسط انفجاريين مجنونين هزا منطقة الصالحية، التي تتميز بهدوئها ووداعة أهلها، وشهدت اختلاط الدماء بذرات الرماد، في انفجاريين تعاقبا ليحصدا الأرواح الطاهرة امام وزارة العدل وبالجهة المقابلة امام مجلس محافظة بغداد.
وقد قرأت الخوف والغضب والحزن يرتسم على وجوه الأحبة والأصدقاء، وسجلت ذاكرتي منظر موظفات وموظفي وزارة العدل، ومجلس المحافظة وهم يهرعون طلبا للنجدة، وعيونهم يسكنها الهول وهي ترمق أجسادا مقطعة واخرى لأتقوى حتى على الأنين، وأجسادا اختير لها الصمت الأبدي.
لا أريد مناقشة أسباب ما جرى، فهو يجري كل مرة، وفي كل مرة.. نستنفر أنفسنا للكلام.. للقول والفعل.. ولكن بعد حين ننسى ان الابتسامة هدف للقتلة.. وان الحياة هدف لشياطين الموت الشيطاني.. وأرزاق الناس، وبراءة الأطفال، والعمل الشريف، كلها صارت اهدافا ترسم الخطط من اجل تدميرها، ودفنها في مقبرة جماعية جديدة، تصنعها سيارة، وبارود، وقاتل متوحش، وإرادة دولة عربية مجاورة.
نعم عشنا معا تلك اللحظات، ولكن ربما تختلف الإنسانية بشعوبها معنا، في تفسير ما يجري لنا، فمنهم من يتألم بتألمنا، ومنهم من يتلذذ بتقطع أوصالنا، لغايات يعلمها الله، والغريب ان من يشاطروننا القومية والدين في الدول المجاورة، هم ابعد الناس عن الإحساس بما يصيبنا.
لا نريد ان نلقي اللوم على أنفسنا، او على بعضنا البعض، فلا ينفعنا تبادل للاتهامات لانها إضعاف لبنياننا الذي يجب ان يبقى مرصوصا يشد بعضه بعضا، علينا ان نكون اكثر وضوحا لنكتشف هوية من يقتلنا.
علينا بعد عهد جديد من الارهاب الانتقائي، الذي يستهدف التسبب باضرار نوعية، ان نتذكر دائما ان الاختلاف السياسي هو تعددية في الرأي لخدمة سواد الناس، اما الاصطفاف مع القتلة والتهاون مع الإرهابيين هو الخيانة العظمى، والجرم الأكبر، الذي يستوجب منا عدم التهاون معه، والاقتصاص من مرتكبيه، الحاملين لرسالة الموت إلى أبنائنا الأبرياء.
على القيادات السياسية ان تتسامى على خلافاتها، ولا تزايد على دماء العراقيين الشرفاء الصابرين، فأن ما يهدف اليه الإرهابيون هو زعزعة الوضع الداخلي، والنيل من ما تحقق من انجاز امني يكاد يجمع الناس على الافتخار به.
وعلى الحكومة ان تكشف كل ملابسات الأمر، ونتائج التحقيقات ليطمأن الشعب الى ان هناك عملا جادا لحفظ الامن مهما كانت الظروف، وان المعركة مع الإرهابيين محسومة، لكن يبقى لنا الاقتصاص من الذين يقفون وراءهم، ويمدونهم بالمال، والعدة، ويوفرون لهم إشكال الدعم.
علينا أن لانتردد في تنفيذ القانون، ولا نختلف في تعريف الإرهابي، الذي يهدف الى اثارة الفتنة واضعاف العزيمة وتدمير العراق شعبا، وأرضا، ودولة

المصلحة مبتدأ مرفوع.. من ارض الواقع

العدد ( 327) الاثنين 12/10/2009


المصلحة مفردة ساحرة، تزداد تأثيرا وتألقا إذا حلت مبتدأ لخبر.. يحدد هويتها واتجاهها، ولا تفقد بريقها إذا دخلت بمفردها على أية عبارة أو جملة، لكنها ستكون صريحة جدا إذا تقدمت غيرها من الكلمات، ورغم ذلك كله فان البعض يفضلها محجبة لاسباب تخص المصلحة ذاتها.
ولاشك إن تاريخ ولادة هذه الكلمة، يرتبط بتاريخ الإحساس بالرغبة، والامتلاك، والأنانية، والفردية، لدى الإنسان، منذ الجدل بين مثالية افلاطون وواقعية ارسطو، قبل أن تتحول إلى منهج لبناء الدول وتشييد الحضارات، بعد ان اشتقت منها عناوين وعبارات لازمت تطور الانسانية وتحولاتها على مر العصور.
وفي ذات الوقت يؤسس تضارب المصالح إلى التوتر، والفتن، واختلال التوازن، الذي يدعو إلى العمل من اجل الحفاظ على الوضع الراهن، او تغييره في العلاقة بين الحاكم والمحكوم، والتغيير عادة ياتي بتفجير الثورات الدامية من قبل المتضررين، مقابل تترس الحكام بعساكر، وشرائع وضعية، لحماية مصالحهم، والطبقات المنتفعة منهم.. ومعهم..
واحتاجت الحضارات الإنسانية إلى قرون طويلة، لتتمكن من وضع الخطوط الفاصلة بين المصالح، التي يمكن أن تؤدي إلى انفجارات، بتضاربها وتداخلها، وأصبحت الحضارات المتطورة تقاس بحسن إدارتها للمصالح المختلفة، التي تحولت من المفهوم المجرد القائم على (الصراع من اجل البقاء)، الى مفاهيم اوسع تضج بها قواميس السياسة على شاكلة، مصالح عليا، ومصالح وطنية، ومصالح إستراتيجية، ومصالح ثنائية، ومصالح مشتركة، ومصالح قومية.
وكان الغربيون أكثر صراحة في التعامل مع هذا المفهوم، منذ ان جرده ميكافيلي من التداخل مع القيم الأخلاقية، لكن الحضارة الغربية اختصرت الأمر بعد حين بعبارة كانت الى وقت قريب تثير الجدل في مجالسنا الأدبية والاجتماعية، وكنا نعدها وصمة عار في جبين هذه الحضارة وهي( لاتوجد صداقات دائمة بل توجد مصالح دائمة).
لكن لسان حالنا اليوم يقول انه لا توجد صداقات دائمة ولا توجد مصالح واضحة، لان المصلحة لدينا تبحث عن (الحجاب)، و(النقاب)، وبذلك فنحن لا نريد ان نظهر مصالحنا ورغباتنا (عارية) امام الأجناب او الاحباب، بل نجبرها على عدم مبارحة محرمها و نتفنن لها بألوان الأغطية والستائر، وندعو لها (بالستر)، لان انكشافها سيؤدي إلى هتك عورتنا الاجتماعية، وكشف صراحة ما ندعي، وما نعتنق من آراء وميول واتجاهات.
فبعد سقوط صدام ومن ناصره وأعانه على سياساته، اخذ المتضررون من سقوطه، من غير المنتفعين من الوضع الجديد، اخذوا يبحثون عن (أناجيل) يرفعونها فوق رماح مصالحهم المبرقعة بشعارات المرحلة، ليضفوا صفة القداسة على معركتهم القذرة، وكانت مسألة المقاومة هي الشعار الأكثر رواجا بالشكل الذي يسيل له لعاب دول وقوى وشخصيات تضررت من ولادة نظام ديمقراطي ناجح بين دجلة والفرات.
وشهدنا لسنوات متعاقبة كم أريقت من الدماء البريئة، وكم وقعت من الجرائم، وكم كتبت من شهادات الزور، وكم زيفت من حقائق، وكم أطلقت من أكاذيب، والغريب ان المجرمين كانوا يرفعون شعار المقاومة، والوطنية، وطرد المحتل، وشعارات أخرى، تباع وتشترى وتدار باموال خارجية تتحرك من خزائنها الحصينة في مصارف دول تعم بالرفاهية لتوظف من خلال أصحاب (المصالح المتضررة) إلى شعارات تحرق رفاهية شعبنا المقتولة في مهدها، لتهدم مصالح وتبنى على أنقاضها مصالح أخرى، وفق حسابات مخطط لها بعناية.
وبعد رحلة الآلام التي خاضها العراق، منذ ان تنعم بنسيم الحرية، لم يجرؤ أي من اللاعبين، أن يصارح الناس بأنه يدافع عن (مصالحه المتضررة)، مقابل من حصل على مصالح اكبر فالأول يريد استعادة مصالحه، والثاني يريد الحفاظ على ما حصل عليه من مصالح، والطرفان لا يريدان دولة قوية، وسلطة مهابة، يمكن أن تضع حدا فاصلا يكشف اللثام عن وجه الحقيقة ويظهر المعادلة التي يحتاج الناس إلى معرفتها تحت عنوان المصلحة الوطنية العليا.
وفي الوقت الذي نحن فيه مقبلون على إجراء انتخابات تتمتع بأهمية استثنائية سوف يزداد الطلب على اقنعة وأغطية وستائر جديدة، تحمل شعارات ورسوما زاهية جميلة خادعة، لتغلف مصالح خاصة، ومصالح دول مجاورة، ومصالح شخصيات متضررة، ومصالح اخرى، وما على أبناء الشعب الا اكتشافها واكتشاف من تفنن في تزييف الحقائق، سواء كانوا سياسيين، او إعلاميين، فالمصلحة دائما مختبئة حول ما يروجون من أكاذيب، وخلف ما يدعون من بطولات وهمية يجب أن لا تنطلي على من يصوتون لمستقبل العراق ووحدته وامنه خلال الانتخابات المقبلة

خيانة.. عظمى ..

العدد ( 312)الاثنين  14/9/2009


لعقود طويلة كانت مفردة الخيانة بدرجاتها، العظمى، والصغرى، والمتوسطة، تتسيد البيئة السياسية للعراق، التي يخوّن بعضها البعض الآخر، فالخيانة او العمالة، كانت هي التهمة الاولى الجاهزة التي توجه للخصوم، الى ان اصبحت التهم (تُكبّر) و(تُصغّر) لاهداف شتى، تكون الخيانة الحقيقية هي الجزء الاقل فيها، والنيل من الخصوم هو الهدف الاقرب الى ذلك.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، انما تم تصدير هذا المفهوم من السياسة الداخلية، الى السياسة الخارجية، للتعاطي مع المتغيرات الاقليمية، ونعت زعماء دول مجاورة بالخيانة ومشتقاتها مثل (خائن القضية)، و(خائن الامة)، و (خائن الحرمين)، ومسميات اخرى، كانت شائعة في السياسة الخارجية لعراق ماقبل نيسان 2003م.
وربما لم نكن قد نسينا ان لمفردة الخيانة وقع مؤثر على العراقيين، فقد عاشت معهم وكانت ضيفا مميتا لديهم، فكانوا متهمين بها، وعليهم البحث عن دليل برائتهم، لينجوا من العقاب الذي ينتظرهم.
وكذلك تميز توصيف الخيانة لدينا بفهم انتقائي، فجرم او عمل معين مع الدولة (سين)، هو خيانة عظمى، ولكن نفس العمل مع الدولة (صاد)، هو عمل مبرر، وهذا ينطبق على الاشخاص، واعتقد ان هذا التقليد مازال ساري المفعول لدى اوساط كثيرة !!!
وهذا كله لايعني عدم وجود فعل الخيانة، وانتفاء الحاجة الى ردعها، فقد عرفت الخيانة في اللغة العربية على انها نقض العهد، والغدر، وجحد الامانة، وهي على درجات متفاوتة، معروفة لدى جميع البلدان، بما فيها الولايات المتحدة، وبريطانيا، ودول كثيرة نصت دساتيرها على انزال عقوبة الاعدام بمن تثبت خيانته العظمى، للوطن، او للامة.
والخيانة العظمى وفق اكثر الدساتير، هي العمل مع اعداء الامة او تقديم العون والمساعدة او افشاء الاسرار العسكرية والسياسية لدول او جهات اخرى، لابل صنع مصطفى كمال اتاتورك جمهوريته على دماء الالاف الذين واجهوا الموت نتيجة ادانتهم بالخيانة العظمى ولاسباب كثيرة.
ولكن من المثير حقا ان نلمس، اختفاء مفردة الخيانة والعمالة من قاموس الخطاب الرسمي العراقي بعد 2003م، رغم شيوع خيانات حقيقية، ورغم تنوع الخونة، وتزايد موسم التكاثر لهذه الجرثومة، الذي تفشت وتناسلت، وتناسخت، لتفرخ خيانات عظمى، ووسطى، وصغرى، في الامن والسياسة، والوظائف المدنية، فأصبح الترويج لبضاعة الاخرين، وافشاء الاسرار، والتخابر مع جهات اجنبية، واستباحة المال العام، اعمال معتادة ولاعقاب صارم ينتظر من يدان بها، لابل الاخطر من ذلك كله هو المتاجرة بدماء العراقيين، واستباحة قتلهم، والتعاطي مع من يفتك بهم بدم بارد.
اصبحنا في عهدنا الديموقراطي نتعاطى مع كم هائل من الخيانات دون ان نجروء على وصفها بالخيانة، ربما خوفا على لون وطعم ديموقراطيتنا، التي يتفق جميع او اغلب الاطراف على أبقائها، بشكلها التوافقي الخالي القوة التقليدية للسلطة، ربما حفاظا على مصالح محددة، او خوفا من الاتهام بالعودة الى الديكتاتورية، التي اصبحت تهمة اشبه بتهمة معادات السامية في العالم الغربي.
واحسب لو طبق الحد الادنى من دستور وقوانين اي دولة عربية مجاورة، لااقول القوانين والاعراف العراقية التقليدية للتعامل مع الخيانة، فلكم ان تتصوروا كم خائن لدينا سيلحقه عار الخيانة، كم خائن لشرفه العسكري، وكم خائن لشرفه المهني، كم خائن لليمين الرسمي، وكم متبرع باسرار البلاد لمن يشتريها، وكم من يتلقى الاموال مقابل تصريحات وحركات تربك الوجه الرسمي للدولة. ان حمى الخيانة تهدف الى سقوط الدولة وصعود المكونات، الى سقوط الحكومة وصعود الساسة، الى سقوط الاغلبية الصامتة وصعود الانتهازية المنافقة، الى سقوط السلطة وصعود الفوضى، كي تصل دولتنا الى الدرجة التي تخون نفسها بنفسها، وتخجل من تطبيق اي قرار او قانون يردع الخيانة، ربما خوفا على طلاء الديموقراطية الذي يخفي الكثير من العيوب.
فهل اصبحت حمى الخيانات في بلدنا مشروعة، واذا كان الدستور قد تغافل عنها، فهل نحن عاجزون عن تاسيس عقاب اخلاقي على الاقل، لردع الخونة، وفضحهم، وكشف زيف تجارتهم، كونهم اكثر المتحدثين عن حب البلاد، ومصلحة العباد، لاغراض ليس لها شان بالمصلحة الوطنية، وماخفي كان اعظم

 

هدوء نسبي

العدد ( 307)الاثنين 7/9/2009


لايقتصر الاعلام اليوم على انتاج البرامج والنشرات الاخبارية، التي تتغذى على الاحداث اليومية، والتصريحات والعراك الكلامي، فاعلام اليوم الذي اختصر ارجاء الدنيا الواسعة وتناقضات العالم في شاشات لاتتجاوز ابعادها سنتمترات معدودة، اخذ يتخطى اساليبه وادواته واغراضه التقليدية، نحو استخدام الفنون والاداب وتطويعها لصالحه، لياكل من جرفها، متجاوزا النظريات التقليدية للابداع، ليحلق باجنحة التكنولوجيا الرقمية، مؤتمرا باوامر القابضين على السلطة والمال.
ولكن لشديد الاسف مازلنا نتعاطى مع (الميديا) بمحدودية تعزلها عن شموليتها لمجالات مختلفة من الابداع، ومازلنا اما مترددين خجولين من الدخول في معترك قضايا حساسة وهامة، او نتناول مثل هذه القضايا بتجن وحقد، مدفوعا بمصالح خاصة قائمة على المتاجرة بالوطنية، وهو ما قامت به فضائيات عراقية، دابت على خلق المشاهد التافه، وتوظيف الدراما والفنون الاخرى لصناعة التفاهة.
وكلنا نعلم ان كما هائلا من الاحداث عاشها العراق وهي تنتظر المعالجة الدرامية واعادة انتاجها ابداعيا، لرسم خارطة الوعي لدى المتلقي العراقي، وتحصينه من الاختراقات الخارجية سواء كانت مدروسة اوعشوائية.
وفي نفس هذا السياق يتسائل الروائي السوري الحاصل على جائزة البوكر العربي (خالد خليفة) بقوله "كيف ان حدثا بهذا الحجم يقف امامنا ولا احد يقدم عنه شيئا" ويقصد بالحدث الهائل هو سقوط نظام صدام او (سقوط بغداد) حسب الادبيات العربية، وخليفة في عبارته هذه يعلل سبب خوضه تجربة التعاطي مع حرب العراق، في روايته (بغداد زمن الحب والحرب) او (هدوء نسبي).
وعلى هذا الاساس قدم خليفة هذه الرواية او النص الدرامي، الذي اريد له ان يكون مميزا، عندما وضع بين يدي المخرج التونسي شوقي الماجري، الذي هو الاخر يمتلك لمسات عالمية ميزته من خلال اعمال جلبت اليه الاضواء والاهتمام، مثل ابو جعفر المنصور ،و اسمهان، وسلسلة اعمال ناجحة اخرى. وفي هدوء نسبي الذي مولته اربع جهات انتاجية من ثلاث دول عربية، نجد انفسنا مع عمل ضخم يقال ان ميزانيته تجاوزت الاربع ملايين دولار، وشارك في ادائه اكثر من (273) ممثلا من عشر بلدان عربية واجنبية، تنقلت اطقم التصوير فيه بين (170) موقعا، بين ازقة وساحات مدينة حماة السورية الاقرب شكلا لمدينة بغداد، ثم الى شوارع وميادين القاهرة لاضفاء شيء من الواقعية.
وللمبالغة في الواقعية تم تصميم الالات الحربية والاجهزة والمعدات والملابس، لتكون اقرب الى الحقيقة، لا بل ان المخرج شوقي الماجري كان حريصا على ان يتحدث ابطال العمل بلغاتهم الاصلية، الانكليزية، الفرنسية، بل حتى اللهجات العربية اديت كما هي، والعراقية على وجه الخصوص اديت لاول مرة بشكل لائق.
ولكن دقة المخرج والكاتب بالشكل، لم تقرن بدقة في المضمون، من نواح عدة، حيث ادخل صناع العمل انفسهم في اشكالية تاريخية من خلال تعاملهم مع الحدث من منظور رمزي، فلم يكن العمل تسجيلا واقعيا لوقائع التغطية الصحفية لحرب العراق 2003 فلا الشخوص هم الشخوص، ولاالقنوات هي نفس القنوات، ولا الاحداث هي نفسها الاحداث.
وبصورة اوضح كان العمل قد تظاهر بتناول قضية عربية من على الارض والبيئة السياسية والاجتماعية العراقية، فكان العراقيون هم الثانويين في الحظور، اما محور العمل فهو صحفي سوري وصحفية مصرية، يعيشون قصة حب في هدوء نسبي، يتخلل الضعف والدمار العراقي والعجرفة الامريكية، وهي خدعة لجأ اليها صناع العمل الدرامي للهروب من مواجهة محتملة مع من يطالبهم بتفسيرا واضحا لما حدث.
ففي هدوء نسبي لم تسلط الاضواء على الحقيقة كما هي بل كان هناك توزيع انتقائي للحقيقة، وكان التركيز واضحا على العرب الذين تألموا لسقوط بغداد، فمنهم الصحفي الواقف خلف الكاميرا وهو لايقوى على التحكم بانهمار دموعه، والمقاتل الذي عبر الحدود (ليجاهد) بنفسه، (حبا) ببغداد مدينته، اما العراقيون فهم اما جنود يجرون اذيال الهزيمة قي لقطات مذلة، او لصوص وسراق، او مستأسدين على ابناء جلدتهم، مبادرين الى تهديد بعضهم البعض على اساس مذهبي وقومي وهذا بخلاف الواقع، حيث اظهر العراقيون في تلك الفترة، تماسكا مجتمعيا اثار انتباه العالم.
وعمد صناع الهدوء النسبي على تضخيم الاخطاء الامريكية والتخفيف من حجم الجرائم الارهابية، وتحسين شيئا من الصور القبيحة لمن كان السبب بخراب العراق قبل مجيء الاميركان، ومن اكمل الخراب بعد دخولهم بغداد، فقد نصب صناع المسلسل انفسهم قضاة ليحكموا على العراقيين بالتخاذل او الخيانة، وعلى الامريكان بالعجرفة والعدوان، وعلى الوافدين الى العراق من خارج الحدود بالاقدام والشجاعة، وعلى سائر البعثيين بانهم ضحية ماحدث.
وطالما كان العمل يتعلق بعمل الاطقم الاخبارية التلفزيونية، كان المخرج بحاجة الى خبير في انتاج وصناعة الاخبار، ليعمل على تنسيق طريقة وقوف المراسل خلف الكاميرا، وتقنين هذيان المراسلين وسوقهم الكلام الانشائي بأسفاف، لايليق بمستوى من يغطي حدثا هاما، حتى في ناحية اعداد التقارير، وكيفية التغطية، لابل حتى سيارات النقل الخارجي ظهرت على انها سيارات (مني باص) لنقل الاطقم الاعلامية بهدف التجوال في شوارع بغداد، اكثر من كونها عربات sng باهضة الثمن.
ولانريد ان نتوسع اكثر والمسلسل مازال مستمرا بالعرض ولم ينهي حلقاته، لكن مايهمنا من الامر هو ان نراجع انفسنا مجددا، للتفكير الجاد في تشريح قضايانا الحساسة، واعادة انتاجها عراقيا، فنحن نمتلك المبدعين، لكننا لا نمتلك المؤسسات التي توظف الابداع، وهنا لابد لنا من وقفة للتامل في مفهومنا للميديا وتوظيفها لصالح قضايانا المصيرية بشكل مخطط، قبل ان تتحول الى الغام تنسف طريقنا الصعب

التقدم نحو مواجهة مصادر التهديد

العدد ( 302) الاثنين 31/8/2009


قبل اسابيع توفي وزير الدفاع الامريكي الاسبق روبرت ماكنمار عن عمر يناهز 93 عاما ويعد ماكنمار من اشهر المفكرين الاستراتيجيين خلال القرن العشرين، وواحد من اهم الذين اسهموا في اثراء مفهوم الامن القومي على مستوى القارات الخمس.
ولماكنمار مقولة تحولت الى مصدر اساسي لتعريف الامن القومي لدى الباحثين، وتنص على ان ( الامن الحقيقي للدولة... ينبع من معرفتها للمصادر التي تهدد مختلف قدراتها...ومواجهتها) اي مواجهة مصادر التهديد.
واهمية الامن القومي تكمن في كونه يمثل المصالح العليا للدولة، وسيطرتها على كامل ترابها، وعلى مواطنيها وممارستها السيادة، وهذه المباديء تكاد تكون مقدسة غير قابلة للاختلاف عليها من قبل الطبقات السياسية، لانها تمس هيبة الدولة، وبدونها تتحول الدول الى اشبه (بالفنادق) لايواء السكان لاغير.
وقد تذكرت مقولة ماكنمار وانا اتلقى الانباء التي وصفتها اغلب وسائل الاعلام بانها تطور مفاجيء وهي قيام الحكومة العراقية بعدة اجراءات، بشان تسليم المطلوبين العراقيين المقيمين في سوريا، لاسيما من تورط في تفجيرات الاربعاء الدامي، (محمد يونس الاحمد) و (سطام فرحان.(
وهذه الاجراءات تعد سابقة من حيث تحديد واعلان مصادر التهديد من قبل الحكومة، على اعتبار ان العراق منذ 2003 يتعرض لحرب مخابراتية شرسة، لكن الخطاب الرسمي العراقي لم يكن صريح بما فيه الكفاية، ليكشف الجزء الغاطس من الحقيقة المرة، وفضل الحديث عن الجزء المعلن من علاقات وتعاون مع دول الجوار، رغم حدوث المجازر اليومية في بغداد ومدن العراق لكن بقي الامر من الالغاز المحيرة.
وبالاضافة الى ذلك فان نظرية الامن القومي العراقي، لم تكن واضحة الملامح، نتيجة عدم تحديد مصادر التهديد بصورة واضحة ومباشرة، رغم اصدار وثيقة علنية تضمنت بعض الافكار العامة من قبل مستشارية الامن القومي، لكن هذه الوثيقة لم تكن استراتيجية امنية ناجعة، كونها رغم مابذل في انجازها من جهد، كانت اقرب الى الخطاب التعبوي السياسي، اكثر من كونها تستند الى حقائق علمية موضوعية، تتماشى والتحولات التي شهدها العراق بعد نهاية عهد البعث في نيسان 2003م.
اي انها لم تحدد بدقة مصادر الخطر والتحديات الداخلية وخطط معالجتها، ولم تتطرق الى ملابسات العلاقة مع واشنطن التي يستغلها الاخرون، واهمية توقيع اتفاقية سحب القوات، وضرورة توقيع اتفاقيات تعاون امني ودفاع مشترك تعوض عن الوهن العسكري العراقي، او بناء قدرات تسليحية وبشرية تتماشى وخصوصية وضع العراق جغرافيا وسياسيا وتاريخيا، ثم لم تتعامل بصراحة مع التحولات المجتمعية والعلاقة بين المكونات واستغلال التنوع العراقي من قبل دول اخرى.
ولو كنا اكثر صراحة، لاكتشفنا ان عقيدتنا الامنية الراهنة تتجاذبها في الواقع اتجاهان هما الامن القومي وفق العقيدة الصدامية البعثية، والامن القومي وفق العقيدة الامريكية، بغياب استراتيجية عراقية.
ويحصل ذلك نتيجة تكوين الاجهزة الامنية والاستخبارية والعسكرية من بقايا المنظومة السابقة مع ادخال عناصر جديدة، وتم التوليف بتدريب واشراف امريكي تعامل مع الامر من مدخل المصالح الامريكية العليا، لا بل يقال والعهدة على القائل، ان جهاز المخابرات الوطني العراقي حاول التوسط بين الاطروحتين الصدامية والامريكية.
ولاشك ان تجربة العراق في بناء ديموقراطية حديثة، تم بالاستناد على مؤسسات متهالكة من بقايا اشهر نظام ديكتاتوري سلطوي شمولي تميز بالانانية والوحشية، ودمجها بمؤسسات حزبية تثقفت بثقافة المعارضة والعمل السري والتصارعي لعقود طويلة، بالاضافة الى من اندس من بقايا البعثيين الى البرلمان واجهزة الدولة الادارية والعسكرية والامنية، يجعل من الصعب الحصول على نتائج مثالية لبناء تجربة ديموقراطية ناجحة، على الاقل ينذر بكبوات وثغرات، تثار ثم تستغل من جهات خارجية.
لكن من بين كل ذلك نجح الجهد الوطني العراقي بشكل فاق التصورات وتمكن من ارساء بذرة الديموقراطية، وسط نظام اقليمي لايؤمن بحكم الشعب، ويتضايق من نسيم الحرية المنبعث من سهول العراق وروابيه وجباله.
ومن المحتمل ان يكون نجاح التجربة العراقية واستقرارها على المدى المنظور، عاملا في اسقاط النظم الشمولية والديكتاتوريات التقليدية في المنطقة، اذا لم يكن سبب مباشر في تعريتها واضعافها سياسيا ومعنويا، وهذا الامر يضيف تحد جدي للامن القومي العراقي، الذي يخضع لهجمة اقليمية شرسة استخدمت ورقة الارهاب الدولي بشكل مدروس، تحت غطاء اعلامي هائل، لتخلط الاوراق على الجميع.
وفي تقديري ان الحكومة العراقية اتخذت خطوة شجاعة عندما حددت الفاعل الحقيقي لتفجيرات الاربعاء الدامي، وطالبت سوريا بتسليم من ثبت تورطه بأرتكاب هذه الجرائم، كونها بدات فعليا في تحديد مصادر التهديد واتخاذ المعالجات العملية لها، وهي الاساس الاهم لرسم استراتيجية امنية ناجحة، نتامل ان تتوج بتفعيل وتطوير جهاز المخابرات الوطني العراقي، ليتمكن من ان يمارس دوره داخليا واقليميا، وسط اقوى اجهزة المخابرات المجاورة، ولكن وفق عقيدة امنية عراقية خالصة، تقوم على تقديس المصلحة العليا للعراق، وعلى التحديد الدقيق لمصادر التهديد

من أجل ان ينعدم الانحياز

العدد ( 273)الاثنين 20/7/2009


انهت القمة الخامسة عشرة لدول عدم الانحياز، اعمالها في شرم الشيخ، باستعراض للمهارات الخطابية، وللازياء الشعبية، لبعض الدول (لاسيما الافريقية منها)، وتسابق، للمصورين، والمراسلين، ومهندسي البث، في تغطية مايقال، وما سيقال، ضمن الحدث الذي اختلف في تقويمه المراقبون.
ورغم ان فكرة عدم الانحياز كانت مثيرة للجدل منذ ولادتها، قبل نصف قرن تقريبا، الا انها توسعت، لتتحول من (احلام) لمجموعة من القادة (الثوريين)، بعد امساكهم بعرش السلطة، في مصر، ويوغسلافيا، والهند، واندنوسيا، الى منظمة دولية، تتمدد افقيا، لتشمل 118 دولة منها 53 دولة أفريقية، و38 آسيوية، و26 من أميركا اللاتينية، ودولة أوروبية واحدة، بالإضافة الى 15 دولة تتمتع بصفة مراقب اي بعبارة اخرى، اكثر من ثلثي الاعضاء في الامم المتحدة، ونصف سكان العالم.
وقبل ان تعقد الحركة قمتها الاولى في بلغراد عام 1961م، سبقتها حوارات ومباحثات، اهمها في تقديري، مادار بين رئيس وزراء العراق المخضرم نوري السعيد، والزعيم المصري جمال عبد الناصر، وكانا يمثلان مدرستين متعارضتين، فالسعيد سياسي مهني، يخطط لكل شيء، ويحسب للامور نهاياتها، وبداياتها، دون الاكتراث باشباع عاطفة الجمهور، اما عبد الناصر، فكان من جيل جديد من القادة، يحاكي الجماهير، وينساق لرغباتها الجامحة، التي اثبتت فيما بعد انها احلام بعيدة عن الواقع.
وكان السعيد صريحا بقوله انه مع الانحياز، وكانت له مبرراته وحججه التي لم تدع لعبد الناصر فرصة لاقناعه بفكرته المضادة، فسياسي وعسكري من طراز نوري السعيد، لايفوته ان الانخراط في سياسة الاحلاف القائمة آنذاك، من خلال تأسيس حلف عسكري جديد (حلف بغداد)، اكثر نفعا من انتهاج سياسة بعيدة عن الواقع، لاتجلب الا (المشاكل) مع الدول الكبرى، ويعتقد السعيد، ان اي (فجوة) بين دول المنطقة، والغرب يعني مزيداً من الدعم الغربي لاسرائيل، وبالتالي خسارة العرب.
واثبتت الوقائع صحة كلام السعيد، الذي انتهجته مصر، قبل غيرها بعد رحيل عبد الناصر، لتتمكن من التقاط انفاسها، (وأن جاء ذلك بعد فوات الاوان)، كما ثبت انه لاتوجد دول لم تنحاز الى احد القوتيين العظميين، ابان الحرب الباردة، فمن لم يكن يساري الهوى... فهو اما تابع.. او مجامل.. او صديق.. للغرب.
وعلى خلاف المتوقع فلم تنته الحركة بنهاية الحرب الباردة، لاسيما وان فشلها، او عجزها، متواصل في احتواء الازمات، والحروب، والصراعات، بين دولها الاعضاء، مثل حروب العراق ابان عهد صدام، والصراع الهندي الباكستاني، والازمة الافغانية، وتنامي الارهاب، والقرصنة، وتهريب المخدرات، وانتشار الاوبئة، وتحكم البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، في اقتصاديات دول الجنوب، وكذلك فرض الخصخصة قبل اوانها من قبل الغرب، وفرض ديموقراطية لاتتناسب مع امكانية تطبيقها، ووهن السيادة، وضعف وفشل الدولة لصالح مسميات اخرى، اضافة لمشاكل اخرى تظهر يوميا، والحركة المتضخمة بعدد الدول المنتمية اليها، تقف عاجزة عن وضع الحلول العملية المناسبة، لما تعانيه الشعوب المنظوية تحت لوائها.
وفي تقديري ان اهم النتائج العملية للقمة الخامسة لعدم الانحياز غير البيان الختامي ذات ال500 صفحة، و لقاء جيلاني-سينغ، وعناق ابو الغيط - متكي، انها جلبت انتباه المشاركين الى (منتجع شرم الشيخ) وروعة جماله،وانفتاحه، الذي يعطي صورة اخرى عن مصر (المنفتحة) تختلف عن القاهرة(المحجبة)، والمختنقة بالملوثات، والضوضاء، والزحام، والمطوقة بالاحياء العشوائية.
كما اثبتت القمة للجميع بما لايقبل الشك، نجاح وخبرة الاخوة المصريين في تنظيم المؤتمرات لاسيما الكبيرة منها، وكذلك نجاح وزارة السياحة المصرية، في توزيع عشرات الالاف من المطبوعات والخرائط السياحية الانيقة، والاقراص المدمجة التي تبين المواقع السياحية الجذابة في شرم الشيخ، والقاهرة، والاسكندرية، ومدن اخرى، وهي التفاتة ذكية للدعاية وجلب السياح.
وقبل ان اختم مقالي، اتمنى من القادة، والملوك، والزعماء، وحواشيهم، من الذين شاركوا في هذه القمة، والذين سيعودوا الى شرم الشيخ للاستجمام، اتمنى منهم ان يتاملوا في مفردة (عدم الانحياز)، فبعد ان عجزوا عن تطبيقها على (السياسة الدولية)، عليهم ان يجربوها في (سياستهم الداخلية). فهل يستطيعون (الامتناع عن الانحياز) لاقاربهم، والمحسوبين عليهم، عائليا او قوميا او طائفيا، هل (يمتنعون عن الانحياز) لانفسهم، على حساب شعوبهم، والانحياز لشعاراتهم المعلنة، على حساب مصالهم غير المعلنة، انه امتحان للنوايا، عليهم ان يجربوا ذلك، قبل ان يتوجهوا الى القمة المقبلة المقررة في العاصمة الايرانية طهران .

 

احذروا النسيان رجاء

العدد ( 265)الاثنين 6/7/2009


قبل اسابيع جمعتني، جلسة ضمت مسؤولاً عراقياً كبيراً، وعدد من الصحفيين المصريين المختصين بالشان العراقي، واكيد في مثل هكذا جلسات يكون الحديث عن العراق، هو نقطة الارتكاز، التي يتفنن فيها زملاء المهنة المصريين، في الحديث عن العراق، مستعرضين ذكرياتهم ومعلوماتهم وسفراتهم، لمدنه الجميلة في مناسبات مختلفة.
وعندما ورد ذكر صدام وايامه، همس باذني دبلوماسي عراقي، كان يجلس بقربي، وهو يعمل في احدى البعثات العراقية في القاهرة، بان لانتطرق لصدام وعصره، لان نسيانه اولى من ذكره، ولاداعي لأن ياخذ مساحة من الحديث تؤسس نقاط اختلاف مع الاشقاء، وقلت في سري اننا ان نسيناه، هم لن ينسوه، وهكذا كان.
فبعد ان طويت الاحداث صدام، وذكرياته المرة، وحروبه، ومغامراته، التي لايمكن ان يختلف العراقيون في تفسيرها، عاد مجددا ليقفز الى العناوين الرئيسة للصحف العربية والعالمية، ومواقع الانترنت بلا استثناء، الى الحد التي كانت مساحة تغطيتها تفوق حدثا هاما هو انسحاب الامريكان من المدن العراقية الذي سبق ذلك بيوم واحد فقط.
ففي الاول من تموز الجاري قامت وكالة التحقيقات الفيدرالية (FBI) بقذف شيء من وثائقها الى الاعلام، من خلال مؤسسة الارشيف الوطني الامريكي، لتنشرها الواشنطن بوست، بنفس اليوم، ومن ثم تنتقل الى سائر وسائل الاعلام في مختلف ارجاء الدنيا، لتثير موجة كبيرة من ردود الافعال، لاسيما في الاوساط العربية.
وهذه الوثائق عبارة عن 20 استجوابا رسميا، وخمس محادثات عادية، أجراها مع صدام محقق امريكي يدعى (جورج بيرو) ما بين شباط ، وحزيران 2004 وتناولت قضايا مختلفة.
و( بيرو) محقق اميريكي من اصل لبناني، غادر الى الولايات المتحدة مع عائلته عندما كان له من العمر( 13عاما)، ليستقر في كاليفورنيا، ثم يدخل الجيش الامريكي، فالشرطة بصفة محقق، وفي 1999م عمل في ال(FBI)، ولانه يتقن اللغة العربية، ويملك مواصفات اخرى، اختير ليرافق صدام في زنزانته في مطار بغداد، ويطرح عليه اسئلة يبحث الامريكيون عن اجاباتها، لكن بعد اطلاعنا على هذه الوثائق، نؤكد ان صدام قد نجح في خداع الامريكان اذا كانوا قد صدقوا ماقاله لهم من (سوالف).
ونقلت هذه الوثائق عن صدام، انه يرى في رجال الدين في ايران انهم العدو الاساسي للعراق، اما الولايات المتحدة فليست عدواً، رغم الخلافات مع آل بوش، وهذا يذكرني بتصريح رئيس وزراء اسرائيل المتشدد بنيامين نتنياهو الذي اعلن قبل اسابيع ان ايران عدو مشترك للعرب واسرائيل.
كما ان صدام قال للمحقق الامريكي انه كان ينوي توقيع اتفاقية امنية مع واشنطن، لتأمين حماية العراق من الخطر الايراني!! والكلام لبيرو الذي نقل عن صدام انه لم يحدد حقيقة اسلحة الدمار الشامل العراقية ليوهم ايران انه يمتلك هذه الاسلحة!!!
وهذا خلاف سياسة صدام في اعقاب غزوه الكويت عام 1990 بعد ان عاد الى اتفاقية الجزائر، وارسل الوفود الى ايران، ثم اودعها اكثر من 149 طائرة عسكرية اضافة الى عدد من الطائرات المدنية العراقية!!!
اضافة الى هذه التناقضات فاننا نحن العراقيون لانرى في هذه المعلومات اي جديد، بل انها لخصت مسلسل الكذب والقصص الخيالية، الذي اتخمتنا بها وسائل اعلام صدام، خلال الثمانينات والتسعينات، لغاية سقوطه.
وكذلك فان هذه المعلومات ايضا، لاتمثل جديدا بالنسبة للمتابعين والمختصين، فقد ضمنها الكاتب الامريكي (رونليد كاسلر) في كتابه (ذ تيروريست وتش) الذي صدر في تشرين الثاني الماضي، ضمن فصول تطرقت باسهاب لبيرو و لتلك القضايا، وقضايا اخرى خاصة بصدام، منها انواع الويسكي، والسيكار، الذي يفضله، وعلاقته بالنساء، و باولاده، وافراطه بالنظافة وكيف كان يقضي يومه، وغيرها من المسائل الاخرى.
ولكن الجديد في الموضوع هو توقيت نشر تلك الوثائق الذي جاء في يوم الاول من تموز وهو يوم السيادة العراقية على المدن والقصبات، اضافة الى ذلك فأن نشر هذه المعلومات تزامن مع اعلان وكالة انباء (أسوشييتدبرس) العثور على (كنز) من الصور التاريخية في مخبأ تحت الأرض في لندن، يحتوي على 3500 ساعة من نوادر الصور التي تغطى أخبارا دولية خلال الستينات والسبعينات، ابرزها مقاطع تظهر صدام حسين يتجول في احدى المنشات النووية الفرنسية وخلفه الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ايام كان يشغل منصب عمدة باريس ووزعتها الوكالة الى مئات المشتركين.
وبعد كل هذا التذكر لشيء نسيناه، الا يجب ان نتذكر جميعا، سواء كنا رجال صحافة او دبلوماسية او رجال دولة ومعهم صديقي الدبلوماسي العراقي، يجب ان نتذكر ان النسيان اذا كان لدينا (نعمة)، يتساوى بها نسيان صدام، ونسيان فاجعة بفقد محب، او آثار صدمة عاطفية، فهو لدى غيرنا سياسة، فأن تشابهت دواعي واعراض النسيان، وفق المفهوم العراقي، لكنها لاتتشابه لدى الغير الذي ينسى بشكل مختلف، ربما ينسى مانتذكره، ويتذكر ماننساه او نتناساه، فنسياننا فطري.. عاطفي، ونسيانهم، وتذكرهم مخطط له باحكام، انه نسيان لعين، وتذكر العن، فأحذروا النسيان رجاء.


يوم للعراقيين جميعا

العدد ( 261)الاثنين 29/6/2009


رافق قيام الدولة العراقية الحديثة لغاية نيسان 2003 حالة من عدم الاستقرار على تأريخ محدد، يتفق عليه الجميع ليكون عيدا وطنيا خالدا للامة العراقية، كحال سائر الامم التي تحتفل بايامها الوطنية التي تجمع تطلعاتها وتختزل تأريخها ومستقبلها.
والمثير ان العراق الحديث لم ينعم بالاحتفال بيوم الا وكان مثار جدل، يقسم العراقيين الى مؤيد مستفيد، ومعارض متضرر، الى منتشي بسلطته، ومنكسر بغربته، الى مسرور بمكاسبه، ومتألم لخسارته، الى مواطن حكومي يبحث عن توسيع مصالحه، ومواطن لاحكومي يبحث عن ذاته خارج دائرة نفوذ الحكومة، او بين هذا وذاك.
واصبح الامر من المسلمات، وكل حسب قراءته للحدث الذي يمثله اليوم، فيوم مثل 14 تموز جزأ العراقيين الى ملكيين ، وجمهوريين، ويوم 14 رمضان قسم العراقيين، لابل قصم الجسد العراقي الى اتجاهين، لايمكن ان يلتقيا، في التفسير والتأمل والاجندة السياسية التي وفقها يتباين وصفه من (العرس الثوري) الى اشد الايام اسودادا على الاطلاق.
و كانت السلطة تتفنن في توظيف الايام، والاحتفال بمناسبات لاتحمل عمقا شعبيا، اذ تحتفل بتواريخ لاعمق لها، على انها ايام رمزية، لكنها ايام تحمل وقعا اليما لدى اغلب العراقيين، لانها بالتأكيد حملت مآسي كثيرة كانت اغلبها تواريخ الانقلابات والحروب، التي حصدت ارواح مئات الالاف من ابناء الشعب.
لكننا الى اليوم لم نتمكن من الاتفاق على تحديد هوية الايام التي مرت بنا، واختلفنا في التفسير والتامل، لاسيما في تحديد الايام التي يحتفل بها الشعب، حتى يوم مثل 9 نيسان الذي يجسد زوال البعث وسقوط نظامه اصبح محل اختلاف، بين عنوانين تحولا الى اشبه بالخطوط الايديولوجية، او الاجندات المتضادة، وهما (الاحتلال) و (التحرير) وللاسف عملت قوى كثيرة ومنها الامريكان انفسهم على ترجيح كفة العنوان الاول بقصد او بدونه، الى ان اصبح وجود القوات الامريكية، عبئا كبيرا على الشعب والحكومة العراقية، وصاروا من اثقل الضيوف على الاطلاق.
فقد اسهمت اخطاء هذه القوات في الحيلولة دون ان يكون يوم 9نيسان مناسبة رمزية وطنية اشبه بما حصل في الكويت عام 1991م مع الاختلاف في المشهد، فمنذ التعامل الهزيل وغير المسؤول للقوات الامريكية مع واقع مابعد صدام، حتى تحولت الى الجزء الاهم في كل السلبيات التي رافقت بناء عراق ديموقراطي جديد، بدءا من عمليات السلب والنهب وحرق مؤسسات الدولة العراقية في وضح النهار، ثم ما اعقبها من عمليات (القتل الخطا) و(فضائح ابو غريب)، وعمليات الدهم العشوائية ومارافقها من سلبيات، وجرائم قامت بها (بلاك ووتر) وغيرها من الشركات الامنية، الغريبة عن البلاد، اضافة الى السلوك اللاحضاري للارتال الامريكية اثناء تنقلاتها بين شوارع المدن، دون ان يرى الناس ان لذلك هدفا واضحا سوى تعطيل حركة المرور واستفزاز المواطن العراقي هذا الذي يخص القوات الامريكية بشكل مباشر اما غير المباشر فيحتاج الى مباحث اخرى.
كل هذه الامور وامور اخرى، جعلت الحكومة العراقية ترفع شعار جدولة الانسحاب، وتضعه في مقدمة اولوياتها، (لتثبت للجميع انها حكومة تستند الى الشعب لا الى قوات اجنبية)، الى ان تمكنت من تحقيق ذلك الهدف، بعد توقيع اتفاقية انسحاب القوات الامريكية، وبناء على ذلك سيكتمل انسحاب هذه القوات من المدن العراقية بتاريخ 30 حزيران 2009 ليبدا عصر جديد للعراق الديموقراطي، وامتحان لارادة شعبه.
وبهذا نحن ازاء يوم تنتهي فيه ست سنوات من الوجود الامريكي في مدننا وقصباتنا، يوم ينتهي فيه (الاحتلال)، وبذلك تنتهي ذرائع من جعلوا من (الاحتلال) مرتكزا لما اثاروا من فوضى، وتخريب، وتفجيرات، وشغب، وادعاءات اعلامية، وتصريحات نارية، كلها بعنوان (المقاومة) اي مقاومة الاحتلال.
لذلك يجسد هذا اليوم مناسبتين، الاولى تحرير العراق من الديكتاتورية، والتي تاخر الاحتفال بها ست سنوات عن موعده، وأخرى بتحرير العراق سلميا من القوات الامريكية، وهو انتصار لنوع من انواع المقاومة السلمية، الذي مارسته الحكومة، والقوى السياسية، والشعبية والامنية العراقية، التي قالت كلمتها وستقول كلمتها بعد هذا اليوم الخالد.
وهنا.. اليس من حقنا ان نتامل في هذا اليوم، افلا يستحق ان يكون يوما وعيدا وطنيا يجسد رغبات واماني كل العراقيين، على خلاف الايام التي التي قسمتهم الى غالب ومغلوب، فالغالب في 30 حزيران هو الشعب العراقي، هو الارادة العراقية، هو الدولة العراقية.

 

ذاكرتنا المسروقة

العدد ( 257) الثلاثاء 23/6/2009


بينما كان المقدم (بريان ماك كوي) يعطي اوامره الى مجموعة من جنود فوج البحرية الرابع الاميركي، باقتلاع التمثال الذي وضعه صدام لنفسه وسط ساحة الفردوس، كان رجال آخرون تختلف مرجعياتهم واغراضهم يعدون العدة للانقضاض على المباني الحكومية المختلفة، ومنها المتحف الوطني العراقي، الذي فقد اكثر من سبعة الاف قطعة اثرية، ومركز الفنون التشكيلية، الذي فقد اكثر من خمسة الاف لوحة تشكيلية، ومبنى التلفزيون الذي فقد الخزائن النادرة للذاكرة البصرية للعراق، ولانريد هنا ان نلوم الاميركان على اهمالهم، وسوء تقديرهم.
لكن مانريد قوله ان الارشيف السمعي - البصري العراقي لم ينل نصيبه من التركيز الاعلامي رغم اهميته، ورغم انه تعرض لعمليات سرقة تبدو منظمة، ومن قبل اشخاص يعرفون انهم سيجنون ارباحا طائلة من عائدات المتاجرة بهذا الارشيف، اضافة الى قيام الدهماء بحرق ماتبقى من اشرطة صوتية وصورية، داخل قاعات التلفزيون العراقي، ومؤسسة السينما والمسرح في الصالحية، ولانريد ذكر تفاصيل اكثر، لان تحقيقا بسيطا تقوم به الجهات الامنية سيكشف الكثير من المفاجآت.
هذا الارشيف الذي يمثل الذاكرة البصرية للعراق الحديث، بتاريخه السياسي، وبثقافته وابداعه، الذي لا يقدر بثمن، يتضمن مواد خام، وافلام تسجيلية، عن بدايات الدولة العراقية، وخطب للملوك والرؤساء الذين حكموا العراق، واستعراضات عسكرية في عصور مختلفة، ويسجل انشطة واحداث سياسية وثقافية ورياضية على درجة بالغة من الاهمية.
بعض هذه المواد تتعلق بالحقبة الملكية، والكثير منها يتعلق بالحقبة الجمهورية، منها الخاص بالزعيم الخالد عبد الكريم قاسم من بداية حكمه الى مقتله داخل احد استوديوهات التلفزيون العراقي، وكذلك مايتعلق بالمشير عبد الرحمن عارف لاسيما تصوير بقايا الطائرة التي انفجرت به في البصرة سنة 1966م اضافة الى تسجيل مراحل حكم نظام البعث وبدايات صعود صدام الى السلطة والحرب العراقية الايرانية واحداث مهمة اخرى.
كما يتضمن موادا تسجيلية مختلفة تضم اكثر من 400 مادة وثائقية، بضمنها فيلما تسجيليا عن مدينة النجف الاشرف، سجل في مطلع السبعينات ويظهر فيه تسجيل نادر جدا للسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وهو يتحدث عن المدينة، وهو التسجيل التلفزيوني الوحيد للشهيد الصدر حسب معلوماتي.
ناهيك عن مانتجته السينما العراقية عن مايقرب المئة فيلم سينمائي، اضافة الى المسرحيات والاغاني التراثية، والاعمال الدرامية التي وثقت مراحل من تاريخ الريف والمدينة في العراق والبرامج والمهرجانات الثقافية والابداعية المختلفة.
وبرغم الجهود التي قامت بها شبكة الاعلام العراقي لجمع الارشيف الوطني واستحداثها وحدة متخصصة بهذا الارشيف تضم عدة آلآف من الاشرطة، الا ان مانسمعه ونلمسه كل يوم هو ان نوادر ارشيفنا الوطني متوزعة على فضائيات محلية، وعربية، واجنبية، وعلى اشخاص من هواة المتاجرة بالنوادر.
وهي تباع وتشترى كل يوم ليس في الباب الشرقي وحديقة الامة وسط بغداد، بل في عمان ودبي والقاهرة وبيروت من قبل بعض المنتجين او المخرجين او من بعض الذين اسهموا في هذه الاعمال، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، من اعطى الحق لهؤلاء في حيازة او عرض مواد تعود حقوق ملكيتها الى التلفزيون العراقي السابق اي الدولة العراقية.
ولذلك نرى ان ما تقدم يطرح امامنا امرين، الاول يتعلق بأهمية قيام الحكومة بالانتباه الى اهمية جمع الارشيف السمعي- البصري للعراق ومعاملته بأهمية الاثار التي نهبت من المتحف الوطني وذلك عبر قيام شبكة الاعلام العراقي بحملة ممولة ومدعومة حكوميا ومن اعلى المستويات، لاعادة الارشيف البصري العراقي وتصليح المتضرر منه بالاستعانة بشركات متخصصة، ثم استخدام احدث طرق التكنولوجيا لحفظ هذه النفائس. اما الامر الثاني فيتعلق بالعمل على تشريع وتنظيم قوانين الملكية الفكرية وتحديد الاشخاص والشركات المحلية والعربية والعالمية التي بحوزتها اجزاء من هذا الارشيف وملاحقتها قضائيا.

اوباما في القاهرة

العدد ( 246)الاثنين 8/6/2009


لايختلف اثنان ان رسالة اوباما التي القاها من جامعة القاهرة كانت حدثا مهما سيكون الاساس لاستراتيجية اميركية جديدة، لفصل التطرف عن الاعتدال في العالمين العربي والاسلامي، ولأني من بين عدد محدود من الصحفيين تمت دعوتهم للجلوس على مدرجات قاعة القبة في جامعة القاهرة، ليقفوا امام الفتى الاسمر النحيف، ويتمتعوا بالاستماع الى مهاراته الخطابية التي ذاع صيتها، وكانت لي مشاهدات وددت الحديث عنها، بعيدا عن تحليل مضامين ذلك الخطاب.
فقبل ان يحضر اوباما الى القاهرة التي احتفلت حتى الصباح بواقعة الزيدي، (وكرم ضيافته) قبل شهور، عندما كان الرئيس الاميركي ضيف على بغداد، لتوقيع اتفاقية خروج قواته من عاصمة العباسيين، لم يبد ان قاهرة المعز لدين الله الفاطمي انها هي المدينة التي عرفناها تكره اميركا حتى النخاع، ولم يكن ذلك اكتشاف منا، بل الامر معلن في صحافتها وحوارات مثقفيها واحاديث مقاهيها.
تخلت ام الدنيا عن مشاعرها السلبية تجاه اميركا، وعن شيخوختها، وبدت كعذراء في يوم دخلتها... بانتظار عريسها..فقد غادرها الاهمال فجاة، واصبح الاهتمام ظاهرا، فلا تقع عينيك على رصيف او زاوية، او ركن، او سياج جسر، دون ان تلاحظ ايادي العمال وقد امتدت اليه لتنظيفه، اوتجديد طلائه، لاسيما تلك المواقع التي سيراها اوباما في طريقه عندما يتنقل بالسيارات المصفحة من قصر القبة، الى الجامعة فالهرم.
ناهيك عن الاجراءات الامنية التي تميزت هي الاخرى في بلد يتفوق فيه الامن الى درجة كبيرة، لكنه امن بلا قمع او انتهاك حرمات على طريقة (عفية وعفية وعفية.(
وفي اليوم المقرر لوصول اوباما استيقض الجميع مبكرين على غير مااعتادوا في مدينة تتميز بليلها الطويل، وتسمروا امام شاشات التلفزيون فكان يوما مشهودا منذ بدايته وكل الاحتمالات واردة.
وتم توزيع عدد محدد من رجال الامن الذين يرتدون البزات العسكرية في مداخل الجامعة فيما لم يظهر للعيان الالاف من القناصة ورجال المباحث والمخابرات الاميركيين والمصريين الذين انتشروا دون ان يراهم احد، ليؤدوا مهمة حماية رئيس الولايات المتحدة وتأمين تنقلاته بعد ان قرر القاء كلمته في مكان وزمان معلومين وفي بلاد غير بلاده.
وفي داخل القاعة الفخمة المقسمة الى ثلاث طوابق كان التنظيم ودقة الاختيار واضحة للعيان حيث تم تقسيم القاعة وتوزيع الجالسين حسب الفئات، فركن لرجال الصحافة، وآخر لطلبة الجامعة الاميركية، وآخر لطلبة جامعة القاهرة، ولم يحصل تدافع على الكراسي او تزاحم على الجلوس، او حجز مقاعد لآخرين من الذين فاتهم ان يستيقضوا باكرا، لان هناك التزام صارم بالتعليمات رغم انك لاتشاهد من المنظمين داخل القاعة سوى فتيات على درجة من الجمال والاناقة فيما وقف الرجال عند المداخل وفي محيط القاعة.
وفي الطابق الارضي تقدم صفوف الجالسين رئيس الوزراء المصري احمد نظيف، واعضاء حكومته، وامين عام الجامعة العربية، وامام الازهر الشيخ محمد سيد طنطاوي، والبابا شنودة، وتبعهم في الجلوس، عدد من رجال الازهر، ومن زعماء الاقباط، وعدد من رجال السياسة، حكومة ومعارضة، وكان بينهم المعارض ايمن نور، وعدد من النواب الاخوان، والاحزاب الاخرى، وقد حضر من الفنانين كل من عادل امام، ويسرى، ومحمود ياسين، وليلى علوي، وعزة العلايلي، واشرف زكي وآخرون.
وتم تأمين قاعة اخرى للمئات من رجال الصحافة الذين لم يكونوا من بين ممن تمت دعوتهم لدخول قاعة القبة ليراقبوا الحدث عبر الشاشات وقد جهزت القاعة بالحواسيب والهواتف والخدمات الاخرى.
دخلت هيلاري كلنتون من مدخل الضيوف لتتقدم صفوف الجالسين فيما دخل اوباما القاعة عبر ستارة جانبية اعدت له بمفرده، ليقابل حال دخوله بعاصفة من التصفيق وكانه نجم جماهيري محبوب، ووقف خلف المنصة التي حملت شعار الولايات المتحدة الاميركية بلا عريف حفل ولامقدمات ولااهلا ولاسهلا، وبادر الحديث هو لياخذ زمام الامور بمفرده، ولم يكد يكمل عبارة، حتى قاطعه الحاضرون بالتصفيق الحار.
وانا احسب لو ان اوباما القى رسالته من بغداد لطرقع المصفقون اصابعهم، وادخلوا اياديهم في جيوبهم واخرجوا السنتهم ليكيلوا لاميركا الشتائم، وسوف لن تسلم بغداد من شتائمهم لانها فتحت ذراعيها لرئيس اكبر دولة اجنبية معادية (للعروبة والاسلام.(
 

 

امير المجرمين!

 

العدد ( 236)الاثنين 25/5/2009

سمعناك قبل سنتين من خلال خطبتك التي اسميتها (حصاد السنين) تصدح بلسان فصيح بأنك أعلنت (دولة الإسلام) وأنها دولة (هجرة وجهاد) وانك "لم تكن تكذب على الله ثم على الناس" الذين تخيلوا انك من بقايا السلاطين الخارجين من حكايا الف ليلة وليلة.
والان بعد ان رأيناك عبر شاشة التلفزيون بعينيك الذابلتين القلقتين، ووجهك الشاحب، وصوتك المرتجف، تتلعثم بالكلمات، تختلس النظرات الى من حولك، متشبثا بخيط الحياة، نريد ان نوجه لك سؤالا؟؟
فهل رجل مثلك يعرف الله واي اله تعبد انت ؟؟ ثم اي اناس هم الذين تتكلم عنهم .. هل ناسك واتباعك، الذين يمارسون الفتك بالابرياء بدم بارد .. ام لصوصك الملثمون الذين يسرقون الاموال، ويذبحون الاطفال، ويحرقون المنازل الآمنة..
لقد سمعناك ورأيناك، بعد طول انتظار وترقب، وانت تجلس في مكانك الذي تستحق.. لتعلن امام المحققين وامام الكاميرات، انك كنت تكذب على الله .. وعلى الناس الذين كنت تأمر بقتلهم واستباحة مالهم..وان دولتك بجيشها، ووزاراتها، واعلامها هي كذبة كبرى لايذاء الناس في العراق وشق صفوفهم.. وهدم اواصر تماسكهم.. ولحمتهم الاجتماعية... حتى اسمك الذي اخترته..كان كذبة سوداء، فلا انت بغدادي، ولاقريشي، ولاحسيني.. فقط كان الاسراف في الطائفية هو الغاية لاغير..فلا عمر، ولا الحسين يرتضون ما انت فاعل بالامة التي رسموا لها طريق الخلاص من الادعياء من امثالك.
لان رسالتك هي بث الطائفية والخراب، امتثالا لاوامر اسيادك من غير العراقيين، وممن ارتهنوا العراق لمصالحهم فقد كانوا يتقنون لعبة السادة والعبيد، منذ الزمن الصدامي المظلم..دون ان يكترثوا بحال سواد الناس.. الست انت القائل "وان كان الامريكان هم ايضاً عدواً رئيسياً ولكن الرافضة خطرهم اعظم وضررهم اشد وأفتك في الامة" وأي امة تلك التي تتحدث عنها. هل تصلي يامير اللامؤمنين.. وكيف تبدا صلاتك.. هل تنطق بالشهادتين.. وتستقبل القبلة.. وتقرأ سور من القرآن.. كلا لا استطيع تخيل ذلك.. لابد انك تقرا اشياء من كتاب آخر .. والا ماذا قالت لك نفسك وانت تتلقى (البشائر) بهلاك الناس.. وتفحم اجسادهم.. وانهمار دمهم ودموع احبتهم.. وهل جاءوك بخبر انفجار تستعر ناره وسط جموع من ابرياء لاناقة لهم ولاجمل.. هل سمعت بقوله تعالى في الاية 93 من سورة النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما).
هذا هو انت يامير دولة الخراب اللاسلامية.. لاادري من انت.. ومن جاء بك.. وماذا تريد بالضبط.. هل رغبة في دخول جنة هي جهنم وبئس المصير.. ام لدخول التاريخ الذي سيفتح اليك حاويات قمامته النتنة.. ام لطمع دنيوي بالمال المسروق، والشهرة المخزية على مر الاجيال.
يابطل الفتك بالآمنين من عجائز ونسوة يصطحبن اطفالهن الى (سوق مريدي) و(سوق الاولى) و(سوق شلال) و(سوق البياع) واسواق (الكاظمية) و(الشعلة)، بحثا عن (السلعة الزهيدة) والقوت اليومي من (خضار) و(خبز) و(سلع) بسيطة اخرى ربما تكون (ملابس مستعملة) في (تسوق بدائي) لاتنطبق عليه شروط مفردة (تسوق) بالمفهوم الذي يعرفه من يمدك بالمال او مفهومك انت او من ترسله (ليتسوق) اجساد برئية ليزهق ارواحها بضغطة زر على جهاز اعد للفتك بالانسان والحجر..
يامن تلاحق بسياراتك المفخخة (باعة الفلافل) على ارصفة الشعلة و(باعة الثلج) في احياء المنصور، وباعة الطماطم، والخيار، في الدورة وديالى وآخرون ممن حولتهم الى هدف استراتيجي تقوم على هلاكهم دولتك الضالة.
ولابد انك تتذكر (عمال البناء) الباحثين عن رزق يومهم الذي لا يعينهم على تكاليف يوم اخر، ولابد انك يا ابا عمر تتذكرهم وهم في (ساحة الطيران) و(ساحة العروبة) ولكن قلبك الغليظ لايتصور كيف تركوا اطفالهم بلا وداع، لانهم تسابقوا على الاستيقاظ فجرا، والفوز بفرصة عمل ليوم واحد.. على امل ان يرجعوا آخر النهار ببعض الدنانير التي ربما تتحول الى خبز وخضار وشيء من البسكويت او الحلوى التي ينتظرها الاطفال.. ولكن رحلوا ولم يعودوا بفضلك يا (امير المؤمنين..)
ولاننسى انك تفضل مواكب الزائرين الذين يسخرون جهدهم العضلي والروحي للعبادة و(يقرضون الله قرضا حسنا) ويتقربون اليه جل شأنه من خلال زيارة اوليائه، وانت تدعي انك خليفة الله وتتقرب اليه في الفتك بعباده، بعد ان اجلست نفسك في (دار الاسلام) واجلستهم في (دار الحرب) وياليتك عاملتهم معاملة (الخارجين عن الملة) وطالبتهم بالجزية او القيت عليهم الحجة بدل البارود و(مسامير وكرات) النار يامن لاتملك الحجة..
بل انك لاتملك الا الخوف من حبل يشنقك، وتظن انه كل ماتبقى لك.. ولكني اذكرك بالاجساد التي قطعتها مخالب الموت الذي صنعته، والارواح التي ازهقتها ارادتك السوداء، والليالي الحزينة التي رسمتها صناعتك البائسة، وانتجت جيوشا من الارامل والايتام..ولا املك الا ان اقول لك تبت يداك بما صنعت يامير المجرمين.


 

   

يوم العراق... والعراقية

ياسين مجيد 


آخر الملوك والسلاطين !

عبد الهادي مهودر


قارئ الطين

سليم رسول


دولة القانون وتشكيل الحكومة

طارق حرب


اطباء أخر زمان!!

د . هاشم حسن


القمة على الأبواب

 

عباس عبود سالم


آراء في يوم الكتاب العالمي …
مؤشرات على تناقص أعداد القراء في العالم العربي


تحقيق / فاطمة الموسوي


المقابر الجماعية مخلفات النظام القمعي


حسين علي الحمداني

 

 

 

 

 
   
حقوق الطبع والنشر محفوظة لمؤسسة البيان للنشر www.albayaniq.co