|
عباس عبود سالم
في الانتخابات فقط
العدد ( 417)الاثنين
1 /3/2010
ممتع هو موسم الانتخابات بالنسبة للمواطنين بقدر
ماهو مقلق للمرشحين، وسبب الامتاع هو شعور المواطن بان السياسي بحاجة
اليه.. يطرق بابه ويدعوه الى مناصرته، وكذلك ان من الممتع ان يتحول الساسة
والطامحون للسلطة الى مقدمي برامج، وهي ليست برامج للتثقيف، او التسلية، او
الاخبار، بل انها برامج للدعاية الشخصية، والمثير ان الجمهور اخذ يقيم
قدرتهم على تقديم برامجهم وطريقة ظهورهم، ويقارن بين ادائهم التلفزيوني،
اكثر مما يقارن بين طبيعة ومحتوى برامجهم الانتخابية المطروحة.
وايضا تميز الموسم الانتخابي الحالي باستغلال الجميلات من النساء ومشاهير
الاعلام، والفن، والسياسة لشهرتهم ليحولوها الى طريق لتعاطي السياسة
وولوجها، ولكن ربما سيؤدي نجاح التجربة العراقية في تسييس المشاهير، الى
نتائج ليست في صالح محترفي السياسة، كونه يكشف ان السياسة هي المهنة
الاسهل، والاكثر جلبا للثروة، ومجد السلطة، وربما ستتحول فيما بعد الى مهنة
المتقاعدين من مشاهير المجتمع ونجومه، وعلى خطى ريغان، وارنولد.
اذن موسم الانتخابات هو موسم يبتسم فيه السياسي، ويهز يديه، وراسه..ويعمل
بكل مايستطيع من قوة ليدخل البرلمان الاكثر اهمية وتاثيرا، عبر هدف يشترك
فيه الجميع وهو (خدمة الشعب)، لكن المشكلة الكبرى ان هناك عشرات الاجتهادات
للطريقة التي تتم فيها (خدمة الشعب)، وهذا يؤدي بنا الى استنتاج لو ان
الجهود تصب في الاتجاه الصحيح لاختزلت في عدد محدود من الكيانات مثلما هو
معمول به في الديموقراطيات الناجحة.
لذلك فعلينا ان ندرك ان هناك اهدافا اخرى اكثر واقعية بالنسبة لبعض
المرشحين يحرصون على اخفائها، لاسيما اولئك الذين يسعون الى دخول السلم
الوظيفي الاداري العراقي ابتداء من درجة نائب في البرلمان، ولكن هذا لايلغي
وجود من يخدمون او يعملون على خدمة البلاد ممن تحلوا بالشجاعة، وقدموا
التضحيات وتميزوا بأخلاصهم ووطنيتهم، والتي يستحقون على اساسها ثقة الناخب
العراقي. والعدد الكبير للاحزاب، والكيانات، والشخصيات المتنافسة على شغل
المقاعد البرلمانية في جانب منها يعكس ضبابية المشهد السياسي العراقي، اكثر
مما يشكل تنوعا ايجابيا يكمل بعضه بعضا، ونقول ضبابية كون كثير من البرامج
المطروحة تتناول مسألة تغيير شكل الدولة ونظامها، وهو مالا يستطيع عمله
عضو، او عضوان، او كتلة، او كتلتان في البرلمان. فهناك اشخاص يطرحون برامج
يتخيل من يطلع عليها انهم يترشحون لشغل منصب رئيس الجمهورية، في نظام رئاسي
وفق حكومة مركزية، وهي بالتالي لاتتناسب مع النظام السياسي البرلماني
المعمول به في العراق، ولا مع المقعد الذي يسعون للحصول عليه.
فليس من الغرابة ان تجد كيانا سياسيا صغيرا يتكون من شخص او عدة اشخاص او
قائم على شخص او عدة اشخاص يطرح برنامجا سياسيا لتغيير شكل الدولة
العراقية، كحال اكثر برامج الاحزاب والكيانات الصغيرة والتي اقصى مايمكن ان
تحققه هو الحصول على مقعد او مقعدين.
وهناك برامج انتخابية اخرى تطرح مانستطيع ان نسميه بطلبات الجمهور حيث تشكل
توليفة من الوعود والاماني غير المتجانسة، والتي لا تهدف الا الى دغدغة
مشاعر البسطاء من الناس لتحصل على ثقة الناخبين، ومن ثم الدخول الى
البرلمان.
كل ذلك يرافق الانتخابات العراقية التي تنفرد بتنوع وتعدد التيارات،
والاحزاب، والتجمعات السياسية الساعية الى السلطة، والى تعدد وتنوع واختلاف
البرامج الانتخابية التي تشترك في اعلان واحد هو خدمة الشعب، الذي امامه
صندوق الاقتراع ولديه الخيار
فرض القانون .. ومابعدها
العدد ( 412)
الاثنين 22/2/2010
في مساء 17 شباط 2007 كنت في مقر عملي
في التلفزيون، على موعد مع شريط على درجة عالية من الاهمية، وربما يكون
موعد بثه بداية لمرحلة اخرى من تاريخ العراق السياسي الحديث، كونه يحمل
البيان الاول لانطلاق خطة فرض القانون، واخبروني انه سيكون بصوت الفريق
الركن عبود كنبر، الذي تم اختياره من قبل دولة رئيس الوزراء قائدا لعمليات
بغداد.
وكان شتاء 2007 يومها قاسيا علينا كاعلاميين، فقد كنا لانغادر مبنى
التلفزيون بسبب حراجة الوضع الامني، وكذلك لكثرة الحوادث، والانباء
المفاجئة، والطارئة، والمفجعة احيانا، والتي كانت تتزاحم لتملأ يوم بغداد
الذي بات قصيرا جدا، فسرعان ما تختفي مظاهر الحياة من المدينة بعد فترة
بسيطة من انتصاف النهار، ليجلب الليل لنا رعبا من نوع جديد.
فالارتال الامريكية، ومواكب شركات الحماية، ومواكب حمايات المسؤولين التي
تطلق العيارات النارية في كل اتجاه، والجماعات الارهابية، والمسلحون
بمجاميعهم التي تشكلت للدفاع عن النفس، او للانتقام، او للثأر، او بتحريك
من اخرين، هي مفردات جعلت الشارع يتحول الى مشهد لايختلف عن ما كنا نشاهده
من صور، وافلام عن حروب راوندا، او السلفادور، او الصومال، او لبنان، اذا
لم تكن اشد وطأة.
وكل مايحدث يتطلب منا معالجة فورية، لطمأنة مواطنينا الغارقين خلال
ملازمتهم منازلهم في طوفان من البث الصوري، الذي لايترك صغيرة وكبيرة من
مشهد العنف العراقي الا وسلط الضوء عليها بتأويل وتضخيم مفتعل، حيث خصصت
بعض الفضائيات اموالا ضخمة لتغطية مايحدث، باسلوب يجافي المهنية و يقترب من
التشفي بالعراق وشعبه، اضافة الى لعب ماكر بالالفاظ والمفاهيم.
لكل ذلك واسباب اخرى كان العمل في العراقية يبدو صعبا جدا، ففي الخريف الذي
سبق اعلان الخطة فقدنا زميلتنا المذيعة (نقشين حمه رشيد) التي وجدت جثتها
على بعد امتار من مبنى الشبكة، ليكون تسلسلها هو 54 من بين شهداء شبكة
الاعلام العراقي الذين سقطوا اثناء ادائهم الواجب، ولكن امر (نقشين) يختلف،
كونها اشرت الى اقتراب الارهابيين من مقر التلفزيون ومن مدخله المقابل
لشارع حيفا.
لذلك فأن اعلان انطلاق خطة فرض القانون في تلك الظروف جاء في قمة تصاعد
العنف، وهو في نفس الوقت يعد تحديا لكل من حاول قتل هذه الخطة في مهدها،
مثلما كانوا يقتلون الابرياء من الناس، فقد ظهرت تحليلات، وتفسيرات،
وتكهنات كثيرة اطلقتها صحف، وفضائيات، وجهات سياسية مختلفة، حاولت وضع هذه
الخطة ضمن مصنفات مسلسل العزل، او التهميش الطائفي، الذي طالما اتهمت به
الحكومة العراقية من قبل اطراف سياسية، واعلامية، داخلية، وخارجية.
كان البيان الاول لاعلان الخطة مؤثرا، خال من الانشاء، مفعم بالدقة، وهو من
حيث شموليته يختلف عن عشرات البيانات التي نقلناها عن مصادر امنية،
وسياسية، طيلة عملنا في غرف الاخبار منذ اول تفجيرات السفارة الاردنية،
ومقر الامم المتحدة في آب 2003، والتي اعلنت العد التنازلي للامن،
والتصاعدي للارهاب.
فقد كانت الخطة تحمل شمولية تستحق ان توصف بانها استراتيجية لنقل العراق من
مرحلة الامن المفقود، الى مرحلة استتباب الامن، وهذا لايقلل من قيمة الجهاد
البطولي للرجال الذين دكوا بقبضاتهم، وسواعدهم رؤوس الارهابيين منذ 2003م
لغاية انطلاق عمليات بغداد.
وحقيقة احسست بحكم طبيعة عملي ان هناك تحولا كبيرا في نقل اخبار بغداد،
فبعد مئات الاخبار المحزنة، والمؤلمة، عن انفجارات، واغتيالات، وجرائم خطف،
واحتلال مقرات حكومية، وتحقيق خروقات داخل مؤسسات مهمة، بدأت تردنا اخبار
ترفع المعنويات من تفكيك خلايا ارهاب، ووضع اليد على ورش للتفخيخ، وامتلاك
خيوط لمصادر دعم وتمويل، وغيرها.. وكانت مثل هكذا اخبار كفيلة بان تعيد
للمواطن الثقة بالحكومة واجهزة الدولة، وهو ماحصل بالفعل.
تردني هذه الخواطر بعد ثلاث سنوات من اعلان الخطة وانا بعيدا عن بغداد،
لكنني لم احسب ابدا وانا اتطلع قبل ثلاث سنوات من غرفة السيطرة في استوديو
اخبار العراقية لقائد عمليات بغداد وهو يتلو البيان الاول بكل ثقة واقدام،
ان اتطلع اليه بعد ثلاث سنوات من العمل المخلص وهو يتعرض للمساءلة
البرلمانية المتلفزة بقسوة لاتليق بمن يستوجب حصولهم على مكانة رمزية يجتمع
عليها جميع من يؤمنون بالعراق.
نعم بعد ان كانت هذه الخطة سببا لان يتغير كل شيء في بغداد وسائر مدن
العراق نحتفل بذكراها الثالثة بتجاهل اعلامي، وجحود سياسي، بل هناك من
ينتقدها ويدعو الى تفكيك قيادتها وينتقد الالية التي اسست لادارة المؤسسة
العسكرية وكانت سببا في النجاح.
وهذا من مثالب ديموقراطية تجعل كل مفردات الحياة، والتضحيات، والبطولات،
والانجازات الوطنية، عرضة للمساومة، والتسفيه، والبيع والشراء، من اجل
حسابات الربح، والخسارة، واما الشق الاعلامي فهذا شيء له تفسير واحد هو ان
الاعلام مازال (الابن المطيع) للسياسة، وليس (سلطة رابعة) كما ندعي
الهوية العراقية.. مصباح
يجب ان يتوهج
سألني احد الاصدقاء الصحفيين قبل مدة عن معنى الهوية
التي نسرف جميعا في الحديث عنها، دون ان ندخل في جوهرها، ونقول ازمة
الهوية، الحاجة الى الهوية، جدل الهويات، تدعيم الهوية الوطنية، وغيرها من
العبارات الرائجة في سوق الاعلام و التي تدخل مفردة الهوية طرفا اساسيا
فيها.
وفي منتصف جوابي على سؤاله وددت ان اضرب له مثلا اخرج به من نمطية
التعريف.. فقلت له، ان تفسير مفهوم الهوية مثل عشر مصابيح مختلفة الالوان،
والاحجام، والقدرات، وقد وصلت جميعا بمصدر واحد للطاقة، على ان يتوهج مصباح
واحد وتنطفي البقية او تخفت، ليكون توهجه ملائما لتبديد الظلام، والمصباح
المتوهج هو الهوية، ولكن في حال توهج مصباح آخر يحدث مانسميه ازمة الهوية،
لانها تمثل انتماءات وولاءات مختلفة تستنفذ من الطاقة وتبدد التوهج.
فالهوية بمعناها البسيط هي الولاء الاسمى بين ولاءات متعددة، كون الانسان
يولد منتميا لاسرة، وقبيلة، ومنطقة، وقومية، ودين، ولكن كل هذه الولاءات
ضمن ولاء اسمى من المفترض ان يكون للوطن، او الدولة الوطنية، او مايعرف
بالدولة القومية في العالم الغربي التي تختلف عن المفهوم العربي. وليس
معيبا ان ينتمي الانسان ويتفاخر بالانتماء لقريته، او محافظته، او ديانته،
او قوميته ولكن المعيب ان يكون ولاؤه الاسمى لاحد هذه المفردات او لعدد
منها، فوق ولائه لوطنه الذي يحمل جنسيته، وينتمي اليه بالشكل الرسمي
والقانوني والاخلاقي.
وفي مطلع قيام العراق الحديث، كانت تنازع المواطن هويتان، احداهما الهوية
القومية العربية، والثانية الهوية الاسلامية، اضافة الى هويات قومية ودينية
اخرى عديمة التاثير، وينعكس ذلك على انماط المعيشة، والازياء، والثقافات
العامة، والتراث الشعبي وغيرها من روافد التكوين الثقافي للشعب العراقي.
ومن الجدير بالذكر ان الملك فيصل الاول لما واجهته هذه المعضلة، ووجد هذه
الاختلافات اراد التعبير عن الصورة الشكلية للهوية العراقية بابتكار (قبعة)
تختلف عن الطربوش العثماني، والجراوية، والعقال، والعمامة، فارتدى السدارة
(الفيصلية) تعبيرا عن زي جامع لجيل يؤمن بالولاء الاسمى للعراق وفعلا اسهمت
السدارة في تغيير الافكار ونجح هذا الجيل في ان يكون مؤسسا للعراق الحديث
(رغم بعض الملاحظات).
وهذه المحاولة كررها الرئيس الافغاني حامد كرزاي، حينما ارتدى قبعة (سدارة)
اقرب الى القبعة التي يرتديها الطاجيك، والاوزبك، (هو ينحدر من قبائل
البشتون) لتحقق هذه القبعة شهرة واسعة، كونها زينت بلمسات بشتونية ايضا،
لتمثل نقلة نحو ارساء هوية افغانية ربما يكتب لها النجاح اذا عززت ببرنامج
متعدد الاوجه، وربما لم يكتب اذا كانت مجرد قبعة، لكنها تبقى محاولة اعقبت
مبادرة فيصل الاول ملك العراق.
ويحتدم جدل الهويات في العراق بعد وفاة فيصل، والتطورات السياسية الاقليمية
والدولية التي رافقت نهاية الحرب العالمية الثانية، واسهمت في صعود القومية
العربية التي تمكنت من الغلبة على غيرها، متعكزة على ظروف نكبة فلسطين،
وظهور عبد الناصر، وعوامل الصعود القومي التي قامت منتصف القرن العشرين،
والتي سرعان ما اظهرت فشلها بعد هزيمة حزيران 1967م، لتترك المواطن العربي
يراجع نفسه من جديد على نغمات هزيمة جديدة.
وفي العراق منذ ان تم اسقاط الجمهورية الاولى في شباط 1963 والسلطة السياسة
لاتمتلك مؤشرات واضحة عن خط سيرها العام، فهناك تخبط واضح في تنشئة الناس
على مفاهيم الوحدة العربية، واحتقار الانتماء (القطري) العراقي، وتوجيه
اللوم الى الفريق عبد الكريم قاسم لانه (شعوبي)، و(انفصالي) بسبب وطنيته
الواضحة، وولائه الاسمى للعراق، الذي اصبح شائبة عليه من قبل القوميين
العروبيين، لان وطنية قاسم قد (عظمت القطر واهملت الوطن) حسب مفاهيمهم
وخيالاتهم، التي عجزت عن ايجاد اسس واضحة مقنعة تجسد هذه الصورة اليوتيبية
للوطن (العربي)، والتي بدأت في العراق من ساطع الحصري وانتهت بميشيل عفلق
غير ماسوف عليها.
واعود للمصابيح المختلفة الالوان والاحجام، والتي يشترط انطفاؤها لصالح
مصباح واحد، فاليوم من الصعوبة ان نرى ضوءا قويا يصدر من مصباح واحد في
العراق الذي تتوهج فيه ثلاثة او اربعة مصابيح معا، وعندما يجيب العراقي على
سؤال من انا؟ ربما يقول انا عربي.. انا كردي.. انا سني.. انا شيعي.. انا
عراقي..انا كذا من الناصرية انا من الموصل انا من المنطقة الفلانية وهكذا
الى الحد الذي تتوهج لديه اكثر من عشرة مصابيح في وقت واحد حينها يكون في
مرحلة ما فوق الازمة ويدخل في حال من انعدام الرؤية، وهنا اوضح صورة لأزمة
الهوية لاسيما اذا تجاوزت تعددية المكونات معناها الثقافي الانساني لتدخل
في معنى سياسي.
وستكون ازمة الهوية عائقا جديا في تكوين المواطنة، وارساء الثقافة السياسية
الجديدة كونها تخص النخب، والقوى السياسية، والادارات الحكومية، والجامعات،
والمدارس، ومنظات المجتمع المدني، مثلما تخص المواطن البسيط.
ولكن ربما في احوال كثيرة نلمس من مواطن لايملك من العراق الا بطاقة
الاحوال المدنية اطفاء لكل مصابيح انتماءاته، من اجل ان يتوهج مصباح
العراق، ولانلمس ذلك من سياسيين حازوا على الشهرة، والثروة..وهم ماكانوا
بسياسيين لولا طاقة العراق التي يضيئون بها مصابيحهم الفرعية والتي تستنفذ
الطاقة، وتشتت الاضاءة، وتضعف التوهج
ثقافة واخرى
العدد ( 402)الاثنين 8/2/2010
يسهم الادب، والفن، والاعلام، والتربية.. في تعزيز،
او صنع، اوتغيير الثقافة السياسية لاي شعب من الشعوب، ويقدم لنا التاريخ
تجارب كثيرة بهذا الخصوص، ففي تجربة تاسيس الولايات المتحدة، كان التركيز
واضحا على طرق التربية والتدريس، والسينما والصحف، والاذاعات، ومن ثم شبكات
التلفزة، لصنع المواطنة الامريكية، وهذه الوسائل عملت عمل (البوتقة) التي
انصهر فيها الانكليزي مع الصيني، والفرنسي مع الهندي، والافريقي مع
الامريكي اللاتيني، لتكوين مواطنة جديدة على قدر عال من النجاح.
وهذا الامر ينطبق على اليابان، وكوريا الجنوبية، وروسيا، والبرازيل، ودول
اوربا الشرقية، ومصر، والصين، وبعض الدول الافريقية، التي لها اسهامات
واستراتيجيات في بناء ثقافة سياسية جديدة، رغم تعدد مكوناتها وتنوع شعوبها
وتقلب ايديولوجياتها، مع مراعات اختلاف ثقافة المجتمعات من بلد الى آخر.
ولانريد السرد والتوسع اكثر من القول، ان الثقافات السياسية للشعوب هي التي
تصنع الايديولوجيات، او النظم السياسية التي تحكمها، وأن سبب نجاح او فشل
الايديولوجيات او النظم السياسية، هو نجاحها او فشلها في تنشئة شعوبها
سياسيا، فمن اسباب نجاح الديموقراطية في الهند، وفشلها في الباكستان، ونجاح
الشيوعية في الصين وفشلها في بلدان اخرى هو نجاح الدولة في ارساء ثقافة
سياسية تصون النظام وتحافظ عليه.
وعندما نتحدث عن نجاحات الديموقراطية في بلادنا بشكل مطلق، سنكون اغفلنا
شيئا من الحقيقة، وسيكون كلامنا لغرض رفع المعنويات لااكثر، فعلينا ان
نعترف اننا لم نحقق نصرا نهائيا لرسوخ ثقافة التعددية، والمواطنة، وقبول
الراي الاخر، وتداول السلطة، واحترام حقوق الانسان، وسائر عوامل واسس
الديموقراطية التي باتت معروفة للجميع.
ان ديموقراطيتنا ولدت معكوسة، واسست من القمة الى القاعدة، دون ان تعززها
ثقافة سياسية جماهيرية كون الثقافة السائدة في العراق كانت اما اسقاط
الديكتاتور او الدفاع عنه، لذلك فان ديموقراطيتنا اليوم قد وجدت نفسها وسط
ثقافتين، الاولى تقوم على تقديس الدولة بمركزيتها الشديدة، وصرامتها،
وجبروتها، وقراراتها القطعية، وتبيح لها ان تتحول الى آلة للعنف، ووسيلة (للارهاب
الشرعي).
وهذه الثقافة تشكل امتدادا للحكومات العسكرية التي قبضت على مقاليد الحكم
منذ سقوط الملكية، لتطوع السياسة لعقلية الثكنة، واستمد صدام من تلك
الثقافة شيئا من اسلوبه المفرط بجنون القسوة، ليرسخ مبدأ (نفذ لاتناقش)
دليلا لعمل الدولة، وعلاقة المواطن بالسلطة، التي تحولت الى ثقافة سياسية
يصعب تغييرها، ومازال بيننا الكثير ممن يتصرفون وفق هذه الثقافة، ويروجون
لها.
والنمط الثاني من ثقافتنا السياسية نمط شعبي، قام على الرغبة في تهديم
ركائز السلطة، والتمرد عليها، وعلى قوانينها، وتعاليمها، وتوابعها، وتسفيه
كل مايصدر عنها، والتذمر منها، ومن شرورها، وفي نفس الوقت التظاهر بطاعتها،
والتارجح في ذلك بين السر.. والعلن، وهو سلوك نما مع النمو المجحف
لديكتاتورية صدام، وللاسف مازالت هذه الثقافة سارية، رغم سقوط اسبابها،
ودواعيها وهي تحرك قطاعات من الشعب، وهناك من يعمل لتغذيتها.
وبالمقابل فان عملية صناعة ثقافة جديدة في العراق لم يكن من الاولويات، فقد
ظلت وزارات الثقافة، والتربية، والمؤسسات الاعلامية، امرا ثانويا بالنسبة
للقوى السياسية، مما افرز تشوها في ثقافتنا السياسية، فالترويج للحرية
والديموقراطية اقتصر على جهود متفرقة مبعثرة ومحاولات هنا وهناك واعلانات
ساذجة تكررها محطات التلفزيون بعنوان (اعلان مدفوع الثمن) مع مجهولية من
يتحمل تمويل تلك الاعلانات المصنوعة في عمان وبيروت ودول اخرى.
ولم يأخذ الابداع العراقي دوره في رسم ملامح ثقافتنا الجديدة التي لم تتعزز
بثورة في مناهج التربية واساليبها، ولم تتعضد ببركان ابداعي، يحققه
الفنانون، والشعراء، والمسرحيون، والروائيون، والسينمائيون، ليرسموا للناس
طريق الحرية الذي لايتم الا بوهج الابداع الانساني، ولشديد الاسف ان بين
هذه النخبة الفنية من يترحم على ماضي الهبات المالية، والهدايا، التي كان
يتصدق بها الطاغية عليهم، ليصنع منهم ابواقا تصم اذان الناس عن سماع
الحقيقة.
اما وسائل الاعلام فيكاد دورها غائبا، او عاجزا عن تحديد ملامح الثقافة
الجديدة، لان وسائل اعلامنا جبلت على اللحاق بالمتغيرات والاحداث، التي
تاخذها بعيدا عن مقصدها، وتمنعها من ان تبادر في صناعة حدث، او تقليب ملفات
ساخنة، تكون طريقا لبوادر ثقافة سياسية، ودور المؤسسات الدينية في الاغلب
انجرف مع موجة الاحزاب الدينية، وتخلى عن حياديته، ليحدد موقفه الصراعي
داخل منظومة التنافس السياسي.
وهذا حال مؤسسات اخرى منها المؤسسة العسكرية، والجامعة، والمدرسة، وربما
رياض الاطفال، ايضا او مجموعة الاطفال، الذين تخلوا عن العابهم التقليدية و
اخذوا يمارسون (العابا ارهابية) جديدة تستنسخ مايبث تلفزيونيا لتجسدها
معارك بالسلاح الابيض، والهاونات الكارتونية، التي ربما تكون بذورا لثقافة
جديدة اخرى تصنع جيلا مازال في طور التكون
المواطنة.. وصنّاع القلق
الصورة التقليدية للمواطن العراقي خلال العقود
الماضية عبارة عن (بضاعة) كان يتسلمها الانقلابيون بعد كل بيان يتلونه،
وبعد كل مغامرة يخوضونها، وقد حولوا المواطنة الى لعبة يتسلى بها القابضون
على السلطة، وهم يمنحون ضمائرهم اجازة مفتوحة، ليسوقوا الناس طعاما لثورات،
ومهالك تستنزف خيراتهم، وجهودهم و كرامتهم وانسانيتهم.
عقود والعراق دولة ممنوعة من التفكير، ثقافتها مختنقة بالشعارات، وطنيتها
حبيسة المزايدات، معالمها تستنشق الالم.. وقد شاخت قبل اوانها، فالخاص،
والممنوع كانا ينتشران اكثر من اعلانات الحض على النظافة، او علامات المرور..
كانت هناك طرق خاصة، ومواقع خاصة، وحرس خاص، ومواطنون خواص، والدولة خاصة،
والسياسة خاصة جدا، لانها منهمكة في تبرير شرعية (الرفيق) الذي قفز من حوض
الشاحنة (الزيل) ليجلس على كرسي الرئاسة، مخترقا كل القوانين والقواعد
والاعراف.
وبعد كل هذه السنوات المريرة، تنقلت صورة المواطن العراقي، من مجند مثقل
ببزة متهرئة، واوامر قاسية، الى مختبئ من السلطة، او متملق لها، او ترميه
الاقدار مهاجرا، او هاربا، او حبيس زنزانة قذرة، او رأسا مقطوعا يعبث به
الجلادون، وهم يتباهون بجريمتهم امام عدسات الكاميرات، ثم يغسلوا ايديهم
متصورين انهم ازالوا اثارها.
ولكن للاسف بعد سطوع شمس الحرية.. لم تنتقل المواطنة من صورتها القاتمة،
الى الصورة المشرقة، ومن المقيدة الى الطليقة، بفضل ماتحقق من حرية
وديموقراطية، بل تشتت الى مواطنة سياسية، واخرى حكومية، واخرى مدنية، تحاول
الانتماءات الاخرى تسييسها، وتهميشها، فالمواطنة للاسف مازالت اليوم حبيسة
الخوف من الماضي، وعدم التصالح مع الحاضر، او الثقة بالمستقبل، بعد ان
اكتنف المواطن افراط من التفاؤل، لكن هذا الافراط سرعان مابدده الرعب
القادم من مجهول.
ولم يكن الرعب وحده هو القادم، بل القلق ايضا قد تسيد سوق السياسة، فمثلما
يوجد للارهاب صناع وادوات، فللقلق رجاله المستترون خلف يافطات تبدو وطنية
لكنها ليست كذلك، فهناك الكثير من الساسة باتوا خبراء في انتاج القلق
وتصديره، واصبح لدينا الكثير ممن يجيدون الكلام والتعامل مع الكاميرات وجذب
الممولين.
اذن نحن ازاء لعبة تبدو مربحة.. و تستحق المجازفة.. والرهان مربح على مواطن
لايمتلك من العراق الا هوية الاحوال المدنية، ودفتر خدمة منتهي الصلاحية،
يشكو تخمة الاختام والهوامش، وتواقيع ضباط التجانيد التي سجلت المهدور من
العمر، وهو الجزء الاكبر منه.
القلق لايحتاج لصناعته امتلاك مهارات كبيرة، سوى الهجوم والنقد اللاذع وخلط
الاوراق، وكل ذلك كفيل بان يبدد اي ضياء يلوح لنا بعد خروجنا من النفق،
وصناع القلق يريدون دخول مجد السلطة من باب الديموقراطية الفضفاض، ثم
يتحدثون لنا عن عيوب تطبيقها، وعن سقطات من ينفذون السياسة حتى وان افنوا
كل مالديهم من اجل اداء واجبهم لوضع القطار على السكة.
ولكن الاخرين يمتهنون السياسة من اجل السياسة، هم بعيدون عن المواطن
جغرافيا ونفسيا لكنهم قريبون منه اعلاميا، يعدون بما لم يتحقق الان،
ويجهدون انفسهم لصنع مواطن قلق يسهل الايقاع به، فالمواطن لديهم ليس سوى
وسيلة لغاية السلطة التي تعني في العراق ثروة ومجدا لايضاهيه اي مجد آخر.
لذلك فأن ساسة القلق لاتحكمهم محددات وطنية ولايلتزمون بمواثيق اخلاقية او
حرص على ثوابت شركائهم، بل يدفعهم النهم الى الفوز، فالوطنية لديهم ليست
اكثر من مناظرة تلفزيونية يربحونها، او تصريح صحفي يطلقونه في اوقات المحن،
ليجعلوا المواطن قلقا جدا، وعاجزا جدا.. قلقا لرغبته بمعرفة حقيقة مايجري،
وموقعه مما يجري، وعاجزا على ان يميز بين السراب.. وبين الحقيقة.
ويحذرون من ان خير الديموقراطية الوافر وظلالها الوارفة لم تكسي العراقي
بثياب السندس والاستبرق، ولم نرى ولدان مخلودن كانهم لؤلؤ مكنون بل ولدان
انتحاريون وسياسيون انانيون مارسو لعبة السلطة متوهمين ان صورة المواطن
مازلت رقم سياسي يمكن تضليله
الاعلام السياسي
العدد ( 394)الاثنين
25/1/2010
اختتم وزراء الاعلام العرب اجتماعهم الاستثنائي في
مقر الجامعة العربية في القاهرة والذي انعقد لبحث انشاء مفوضية عامة
للاعلام العربي، ومناقشة قرار مجلس النواب الأمريكي بشأن الأقمار الصناعية
التي تتعاقد مع قنوات مصنفة كقنوات تحض على العنف و الإرهاب، وفي مثل هكذا
قضايا تتباين اراء وزراء الاعلام العرب، بعد ان لقي القرار الامريكي معارضة
واضحة من اغلب الاوساط العربية، لكن الوزراء العرب في النهاية قرروا
التجاوب معه في اجتماعهم الاستثنائي.
ولو عدنا قليلا للوراء، وراجعنا مشكلات المنطقة العربية وازماتها خلال
العقدين الاخيرين، سوف نجد ان للاعلام السياسي الدور الاكبر اما في صناعة
المشكلات، او الترويج لها، حيث استند تنظيم القاعدة وغيره الى غطاء اعلامي
كبير، استغل عواطف الملايين من الجمهور العربي ليتفنن صانعوا الاخبار،
والبرامج السياسية، بالترويج لتجارة الدم التي حقق القاعدة والقاعديون
تفوقا واضحا فيها.
لكن في العراق يكون الامر له خصوصة اخرى حيث تتكاثر فيه الفضائيات المصنفة
عراقية لتصل الى اكثر من ثلاثين فضائية، لاتخضع للحكومة او الدولة باي شكل
من الاشكال، بل ان اغلبها تندرج ضمن تصنيف (الاعلام السياسي) الذي يمول من
قبل جهات ودول اخرى لتحقيق اهداف سياسية محددة، تكون في الاعم الاغلب
مناقضة لتوجهات الحكومة والدولة، بل قسم من هذه القنوات يعمل على تقويض
النسيج الاجتماعي للعراق، واشاعة روح الياس والحقد، والكراهية لدى عامة
الناس.
وكلما حاولت بعض الاصوات الدعوة الى تنظيم العملية الاعلامية تجابه بان
الامر يتقاطع مع حريات الاعلام المتاحة للجميع، لكن مع قيام الولايات
المتحدة باصدار تشريعها المثير للجدل عربيا فهي تفتح صفحة جديدة للفصل بين
الاعلام المهني، والاعلام السياسي المحرض على العنف، والمتبرقع بعبائة
الدين، او فكرة الجهاد، او المقاومة، ومستغلا حرية التعبير وامتيازات العمل
الاعلامي الذي يحظى بتعاطف الجمهور.
وبما ان الحكومة والدولة العراقية لم تعط لنفسها سلطة التحكم في القنوات
المصنفة عراقية فانها حتما ستكون طرفا مستفيدا من مثل هكذا قانون، كما ان
الدولة العراقية لحد هذه اللحظة لم تفتح النار على اي جهة خارجية اعلاميا،
ولم تستخدم الاعلام كسلاح هجومي، ولم تعمد لتمويل اي وسيلة اعلام لهدف
سياسي، بل انها دابت على تحمل الهجمات المباشرة والنقد غير الموضوعي بصبر
واضح، ورحابة صدر كبيرة، هذا فيما يخصها وهو محسوب لها، لكن عندما يكون
الامر متعلقا بحياة الناس فان الحكومة تكون مقصرة اذا سمحت لمثل هكذا منابر
ان تعبث بامن الناس وسلامتهم، ونحن ندعو الحكومة العراقية الى الضغط على
الجامعة العربية والدول العربية للتضييق على المنابر الاعلامية للارهاب
التي تعمل بهوية عراقية من اراضي دول اخرى.
وعلينا ان نتذكر ان الجامعة العربية منذ مدة تشهد حركة واضحة من اجل تنظيم
البث والارسال التلفزيوني واخضاعه لسلطة الحكومات على الرغم من النايل سات
والعرب سات تحت السيطرة الحكومية العربية الا ان هناك رغبة عربية لتنظيم
البث الفضائي رغم انها الاقل تضررا اذا ما قورنت بالعراق.
فتجربة العراق الاعلامية رغم كل شي تعد النموذج الاكثر تطورا في المنطقة،
من حيث عدم ممارسة الدولة اي نوع من انواع الاشراف، او الرقابة على وسائل
الاعلام، والفضائيات بشكل خاص، مع عدم وجود عدد مواز من وسائل الاعلام
الرسمية، مثلما هو موجود في دول عربية تمتلك عشرات القنوات وتتيح للقنوات
الخاصة بالعمل الى جانب ذلك فتكون هي المسيطرة على اللعبة الاعلامية، وبين
تجربتنا الفتية تجاربهم التقليدية يكون الفرق شاسعا بين المركزية الشديدة
وبين الحرية المنفلتة
المالكي ..ورحلة البحث
عن حلول واقعية
العدد ( 372)الاثنين
21/12/2009
عندما تفتح القاهرة ذراعيها لمن يحكم بغداد، فانها
تكون على موعد مع نقطة مفصلية لرسم التاريخ العربي من جديد، لان اللقاء
سيكون له شان اقل مايقال عنه انه بالغ الاهمية في هندسة العلاقات الدولية،
وفي لغة اهل الاقتصاد هو لقاء بين براميل البترول التي تضمن وفرة المال
وبين اليد العاملة الوفيرة، وفي التاريخ السياسي هو امتداد لعمق لامحدود
تواصل الى العصر الحديث.
فطالما كانت لقاءات نوري باشا السعيد مع نظيره المصري مصطفى النحاس مطلع
الاربعينات من القرن الماضي تحمل بذور المشروع القومي العربي، واثمرت عن
تشكيل جامعة الدول العربية الا انها توقفت ولم تتقدم خطوة جديدة بعد ان
تحولت مصر الخديوية الى الثورية العسكرية القومية، لتدخل حلبة تنافس مع
العراق الملكي الليبرالي.
وتخلخلت العلاقات نتيجة تقاطع مشروع عبد الناصر الطموح، نحو مفهوم جديد هو
الحياد الايجابي، ومشروع نوري السعيد المتوازن نحو حلف بغداد، وكل منهما
كان يريد لعاصمته ان تكون مركز الاستقطاب في المنطقة، وكل منهما كان يمثل
مدرسة سياسية الا ان الثابت الوحيد هو امتلاك العملاقان العربيان لمفاتيح
الشرق الاوسط وعمقه الجوهري والسبق في التصدي والتضحية فكم من دماء عراقية
اختلطت بدماء مصرية على ارض فلسطين.
اذن فعلاقة بغداد مع القاهرة هي امتزاج الطين السومري، بالبردي الفرعوني،
امتزاج اندفاع، وجدية العراقيين، بصبر وفهلوة المصريين، واذا كان الباشا
السعيد بعقلية السياسي المحترف، اراد لهذه العلاقات ان تتوازن لما فيه
مصلحة العراق اولا، وقد تبعه الزعيم قاسم الذي قدم الوطني على القومي، الا
ان من حكموا العراق بعد شباط 1963 لم يكن بجعبتهم الا الطيش الثوري الذي
صنع لهم احلاما تبددت فيما بعد على صخرة الثوابت الوطنية للدول.
الامر الذي جاء بلاعب سعودي يحمل المال ويختبيء خلف شرعية دينية عززتها
قدسية الارض التي تتكون منها هذه المملكة، فبعد سقوط نظامان ليبراليان في
مصر وفي بغداد، كان على المملكة ان تمد يدها الدبلوماسية وتحصد المكاسب،
لتدخل فيما بعد لاعبا قويا، حتمت عليه قواعد اللعبة ان يقف مع القاهرة
تارة.. ومع بغداد تارة اخرى.. وهذا ماحصل بعد كامب ديفد، وبعد غزو الكويت،
ومارافقهما من كر وفر دبلوماسي وسياسي قطع اوصال الجسد العربي دون رحمة.
وبعد قيام العراق الديموقراطي بعد نيسان 2003م كان على قادة بغداد ان
يدشنوا عصرا جديدا من العلاقات العراقية مع الجوار العربي، تبعث برسالة
تطمين الى ان العراق سيكون ايجابيا وهو يحمل ارثا عظيما من الثقافة
والمعرفة، كونه مهبط الرسالات وارض الحضارة، لا ارض الجند ومهبط الطائرات
الحربية العائدة من قصف دول آمنة، ومنذ ايام مجلس الحكم اشهر ساسة بغداد
اغصان الزيتون ونكسوا البنادق، احتفالا بولادة عراق السلام، ولكنهم لم
يسمعوا دوي التصفيق ينطلق من منازل الجوار مثلما توقعوا، ولم يحصل السلام
الذي تأملوا انهم سيكونون ابطاله.. لان سلام من هذا النوع في منطقة مثل
المحيطة بالعراق تصنعه البندقة التي نكسوها، ولايصنعه غصن الزيتون الذي
رفعوه.
لذلك كان المالكي اكثر واقعية وحنكة واقل رومانسية في فلسفة العلاقات
الدولية، و هو عندما يقرر ان يحل ضيفا على قاهرة المعز في ظروف معقدة مثل
التي يعيشها العراق، سيكون لهذه الزيارة في حساباته شان، وبالتالي سيكون
لها وقع كبير وستكون جزءا من حل مشكلة الجدل العراقي بين غصن الزيتون وفوهة
البندقية.
يحل المالكي ضيفا على القاهرة وهو محمل ببشائر فرص استثمارية تقدم لمصر
منفذا اقتصاديا يوفر لها التقدم خطوة للامام، ويكسر الحاجز الاستثماري الذي
حاول البعض ان يحيطوا العراق به ليوقفوا حتمية النمو وبالتالي خطوة عراقية
للامام، وكذلك فان لوجود المالكي في القاهرة شانا يرتبط بهندسة جديدة
للعلاقات العربية مع العراق التي ستنعكس حتما على الشأن الداخلي العراقي،
الذي لاتغيب عن اللعب باوراقه قوى ودول لم تعد مخفية، لذلك فان زيارة
المالكي لمصر هذه المرة يمكن وصفها بانها زيارة البحث عن الحلول الواقعية
حديث عن مابعد الجريمة
العدد (
367)
الثلاثاء 15/12/2009
يتفق معي الجميع ان التفجيرات الاجرامية التي صنعت ثلاثاء بغداد الحزين،
تركت الكثير من الالم والحزن العراقي الجماعي، وهو امر طبيعي لايحتمل
الادعاء، والتباكي، او التسييس، او المزايدة عليه، ولاعلاقة له بدوافع او
منافع اخرى، كونه ببساطة متناهية وجع انساني ازاء خطر اجرامي هدد ويهدد
البغداديين دون استثناء.
وعاطفيا.. فان الاحداث التي من نوع ثلاثاء بغداد، عادة ما تكون عامل موحد
للأمة، يتوزع بها الحزن، والخوف، والالم بالتساوي على الجميع، من رئيس
الدولة او الحكومة، الى اصغر و ابسط انسان، فالنكبات والاحزان لاتقاس
بالرتب، والشهادات، ولاتحتاج الى مهارات، او انتماءات، او ولاءات، ليتمكن
المرء من الشعور بها.
وبقدر ماتمثل الايام الدامية فجيعة انسانية تبعث الحزن والاسى، فأننا نفهم
ان لتاثيراتها شقين، الاول طال عائلات عراقية بريئة بفقدها ابنائها،
وآبائها، ونسائها، واطفالها، وبالتالي اضافة مجموعات جديدة لجيوش الثكالى،
والارامل، والايتام، وشقها الاخر يمثل تحديا سياسيا، وخرقا امنيا، يضع
مسؤوليات جديدة امام الحكومة والقيادات الامنية، والاحزاب والمكونات
السياسية، والراي العام.
لذلك من المفترض ان تكون المعالجة بشقين ايضا، الاول يقوم على مواساة
عائلات الضحايا وتعويضهم والتخفيف من مصابهم، وان تتحمل الدولة كل الاضرار
التي لحقت بهم، والشق الثاني يعالج بدراسة مسببات الخرق الامني، ومحاسبة
المقصرين ووضع اجراءات وحلول عملية لتلافي الاخطاء والاخفاقات، واجراء
تعديلات في الاستراتيجية الامنية، والاستفادة من تراكم الخبرة في هذا
المجال، وان يتمسك الجميع بالمشتركات الوطنية، لاسقاط المردودات السياسية
التي يتوقعها من خطط، ومول، ونفذ هذه الاعمال والجرائم القذرة.
لكن مايزيد آلآمنا اننا نعيش صورة اخرى مغايرة للمالوف، فالمصائب لم تعد
عاملا موحدا بقدر ماتحولت الى عامل لاثارة الفتن، والنعرات، والانقسام، ومن
يراجع ردات الفعل بعد الكارثة يجد ان تداعيات الكارثة هي كارثة اخرى، بغض
النظر عن مصادر ردات الفعل التي انطلقت منها.
ومن قراءة سريعة لردات الفعل نلاحظ حظور عامل المصلحة السياسية في اغلب هذه
المواقف، وكذلك نلاحظ وجود (خطاب دائري) يتكرر مع كل كارثة، ويتصاعد امام
بريق اضوية الكاميرات، لكنه يتحول الى سراب بعد انتهاء لحظات الانفعال
الشعبي، هذا الخطاب يقوم على جدل، بشان فاعلية (المصالحة الوطنية)، و(تورط
دول الجوار)، و(دور قيادة عمليات بغداد)، و(خلل المخابرات)، اضافة الى
ملفات اخرى.
وفي كارثة الثلاثاء وقع مشهد دموي لايختلف عن ماشهدته بغداد على مدى
السنوات الست الماضية، من تفجيرات، وقتل، وابادة، لكن ردة الفعل السياسي لم
تكن بمستوى التحدي و الجديد في ثلاثاء بغداد الدامي، هو تحولها الى مادة
للتكسب السياسي، بسبب قربها زمنيا من موسم الانتخابات لذلك اصبحت عامل
لاثارة الفرقة والاختلاف اكثر من ان تكون سببا في التوحد، والتكاتف وتدعيم
اللحمة الوطنية.
ليلة سقوط دبي
العدد ( 362)
الاثنين 7/12/2009
خلال وبعد اجازة عيد الاضحى المبارك، فجرت امارة دبي
قنبلة اعلامية، واقتصادية، غير مألوفة، ليس بتشييد اعجاز معماري جديد، او
استضافة نهائيات كاس العالم لكرة الماء، او للتزحلق على الرمال، او لتنظيم
مسابقة ملكات جمال العالم للمواشي، او اي امر آخر.
هذه المرة دبي برمتها تتزحلق بأتجاه السقوط، بعد ان تلقفت الصحف ووسائل
الاعلام الغربية بالتحديد، انباء عجزها عن تسديد ديون واستحقاقات، شركة دبي
العالمية، والبالغة اكثر من 60 مليار دولار، الامر الذي انذر بحدوث ازمة
مالية تهددها بالافلاس، وبالتالي سقوط تجربة مشروع تنموي عربي، او بعبارة
ادق نموذج نجاح عربي.
ورغم ان امارة دبي شيء.. وشركة دبي القابضة شيء آخر.. لكن يبدو ان الشركة
اهم من الامارة رغم انها مملوكة لها، ليس لكونها من اكبر الشركات القابضة
في العالم، حسب، بل لانها تضم وتدير مجموعة مؤسسات، اكثر اهمية من المؤسسات
الرسمية التقليدية، و ابرزها موانىء دبي العالمية، ونخيل للعقار، ومدينة
دبي للاعلام، وسما دبي العقارية، ودبي لاند، والجميرة، وغيرها من الاسماء،
والمسميات، التي نطالعها في الصحف، ونشاهدها عبر الفضائيات، باعلاناتها
المبهرة، وهي بالطبع اكثر اهمية من دوائر ووزارات امارة دبي.
وكدليل على نجاحها، قامت هذه الشركة بتشييد صروح هندسية، اقرب الى الخيال،
حققت للامارة شهرة عالمية، ونهضة عمرانية وتنموية لامحدودة، وبدل من ان
يبحث اثرياء الخليج عن مدن اوربا، وامريكا، للاقامة، او الدراسة، او
للسياحة، او استثمار الاموال، جلبت (دبي الشركة) لهم مايريدون، ووفرت لهم
مايتمنون على ارض (دبي الامارة.(
اراد محمد بن راشد آل مكتوم، بديكتاتوريته الناعمة، وخبرته الاقتصادية،
وطموحاته اللامحدودة، ان يخرج بامارته الصغيرة من (طور الاستهلاك) الذي ميز
بلدان الخليج، الى (طور الانتاج) الذي ميز نمور آسيا، وتمكن من خلال دبي
الشركة، من نقل دبي الامارة، الى مصاف المراكز الاقتصادية المتقدمة في
العالم، بعد ان كانت مجرد مرفا لصيادي اللؤلؤ والاسماك.
وعلى هذا الاساس صنعت دبي الشركة، اعاجيب لم يالفها الخليج، الذي طالما كان
عنوانا للحروب، والصراعات، وبدل من ان تتباهي دبي الامارة، بتشييد قواعد
للصواريخ بعيدة المدى، او بناء قواعد برية وبحرية وشبكات للانذار المبكر،
على سواحلها، لتعزز سيادتها الوطنية، اخذت تباهي العالم بانجازات دبي
الشركة، مثل انشاء جزيرة صناعية وسط الخليج، وفنادق غاطسة تحت مياه البحر،
وابراج هي الاعلى في العالم، اضافة الى تشييد كيان ضخم من المؤسسات
المالية، والشركات المتخصصة في قطاع الخدمات.
واذا صدقت التحليلات الغربية وسقطت دبي، فنكون امام سقوط نموذج آخر، من
ازدواجية (الدولة- المنظمة)، ولكنه هذه المرة نموذج اقتصادي غير مالوف في
الاوساط العربية، وحتى في حال سقوط دبي الشركة، فان دبي الامارة التي
لاترتكز على انتاج او احتياطي نفطي كحال ابو ظبي وسائر امارات الخليج، تكون
قد ورثت بنية تحتية هائلة القوة، وكوادر مدربة، حاصلة على مهارات نادرة،
وسمعة دولية حسنة.
على خلاف التجارب العربية الاخرى، التي مازالت منظوماتها الساقطة، عالقة في
مزابل التاريخ، لاتجني سوى لعنات الشعوب، وهي تجارب ارتكزت على ثنائية
سياسية- عسكرية، تكررت، في ليبيا، وسوريا، ومصر، والجزائر، واليمن، فالعراق
حيث اوجد صدام نموذج (احتقار الدولة)، (وتقديس المنظمة)، وبالتالي اذلال
الامة وتقديس الانا.
لكنه لم يقدم على تشييد شركة قابضة، منفتحة، منتجة، مثل دبي العالمية، بل
شكل منظمة، مغلقة، قاسية، هادمة (قابضة على الاموال والارواح البريئة)
تدعمها سيولة وارصدة نقدية يقال انها كانت عشية تسلمه السلطة تفوق ال300
مليار دولار، وكان العراق يرتكز على اقتصاد قوامه احتياطي هائل من النفط،
والغاز الطبيعي، والكبريت، وبنية تحتية لمشاريع صناعية وزراعية طموحة،
وكوادر وخبرات وطنية ماهرة، توارثها العراق منذ انشاء مجلس الاعمار عقب
انتهاء الحرب العالمية الثانية.
وقد تمكن صدام بفترة وجيزة، من تفكيك مقومات القوة العراقية، وصهرها ضمن
منظومته القائمة على القوة المسلحة، (الجيش، والحرس الجمهوري، واجهزة
الامن، والمخابرات)، والافراط في التسلح، ليضع الدولة ومقوماتها، في خدمة
الحزب، والعشيرة، والعائلة، ركائز (المنظمة القابضة) التي بعد سقوطها عاش
العراقيون اجواء تفاؤل مفرط ظنا منهم انه زوال للمنظمة وبقاء للدولة.
لكن الامر لم يكن بهذه السهولة، مع السعي لتوليد منظمات قابضة بمسميات
جديدة، وعلى سبيل المثال، قدر خبراء اقتصاد بريطانيون عام 2003م، ان البصرة
تمتلك مقومات نجاح، تفوق امارات الخليج، وربما تدخل لمنافسة دبي خلال خمس
سنوات، اذا ماحصلت على فيدرالية، تمكنها من التخلص من اعباء المركز، والسير
على خطى سنن آل مكتوم، وآل نهيان، وآل ثاني.
وقد تفائل البصريون، وحلموا بما خبأه لهم القدر من نعم الله الوافرة، التي
ستجعلهم سادة الخليج الجدد، اذا حكموا انفسهم بانفسهم، لكن ماتحقق ان
البصرة بدل ان تجذب المستثمرين والطامحين، وتحقق القفزة المنتظرة، جذبت
كبار المهربين المحليين والدوليين، الذين استقطبوا محترفي القتل، ليبدا
التنافس بالتصفيات الجسدية، ثم تشكيل الجماعات المسلحة، وتسييس مبرر
وجودها، والتسابق لوضع اليد على المراكز الحيوية، والعمل من داخل الحكومة
المحلية لشل سيطرة الدولة المركزية.
وبالتالي دخلت البصرة سجلات الشهرة العالمية وضربت الارقام القياسية ليس
لمنافسة امارات الخليج انما لمنافسة اكبر مراكز القرصنة، والتهريب، والقتل،
وتفشي الاوبئة، والفقر، في العالم، ولولا تدخل الحكومة، التي اعادت المدينة
الى اهلها، قبل ان يقوم قراصنتها بأعلان تشكيل شركتهم القابضة،لكان للبصرة
قصة سقوط، لاتشبه اي قصة اخرىخسر الفريق .. وفازت
الروح الوطنية
العدد ( 357)
الاثنين 23/11/2009
لم يكن مالوفا ان تشاهد القاهرة وهي تغفو بهدوء،
ولاتسمع لها حراك، وهي الصاخبة بضجيجها، وحركة الخمسة والعشرين مليون مواطن
من ساكنيها، وصياحهم المتناغم مع صفير السيارات التي تصنع ضجيجا مالوفا، مع
ماينطلق من المقاهي، والميادين، وسيارات (المايكوباص) والحافلات الكبيرة
المتخمة باجساد الرجال، والنساء، الباحثين عن واسطة نقل زهيدة الثمن.
تلك هي لحظة الخسارة الكروية امام الجزائر، بعدما انتهت المباراة التي كنا
خلالها نسمع شهيق، وزفير، عشرات الملايين، يبدد الهدوء ويعيد ترتيب ذرات
الهواء، ليحدث صفيرا كانه الريح، كلما اقتربت بارقة امل لتحقيق هدف في مرمى
الخصوم الجزائريين، او كلما اقترب الجزائريون من مرمى مصر، ولكن صافرة
الحكم انهت ذلك كله، وعم الحزن في بلد لايألف الاحزان كثيرا، لانه تعود على
حب الحياة، وصناعة مباهجها.
ولم يكن التشجيع الكروي في مصر شيئا اعتياديا، بل هو جنون وطني من نوع آخر،
فقبل ان تبدا تلك المباراة بأيام لبست الصحف، والمجلات، ومحطات التلفزيون،
(فانيلة) الفريق المصري، وخرجت عن تقاليدها الصحفية لتهمل كل شيء آخر،
وتسخر صفحاتها الملونة لتغطية الحدث الرياضي، السياسي، الاجتماعي،
الاقتصادي، الاكبر، وهو لقاء الجزائر في ملعب المريخ في ام درمان في
السودان.
وحرصت الاذاعات على مواصلة بث الاغاني، والاناشيد الحماسية الوطنية، ليعيش
المواطنون لحظة تماسك اجتماعي قل نظيرها، وكان ذلك واضحا على مفردات الحياة
اليومية وتفاصيلها الاخرى، فمن اهم مظاهر الاستعداد النفسي لهذه المباراة،
هو الاقبال الكبير من قبل المواطنين المصريين، على شراء علم بلادهم، الذي
بيعت منه اعداد اعتقد انها بلغت رقما قياسيا لم يسجله احد قبل، وغالبا ما
يعلق هذا العلم بالوانه، الاحمر، والابيض، والاسود، على السيارات باختلاف
احجامها، وعلى واجهات المنازل، واسيجة الجسور، وكذلك يرسم على وجوه الاطفال
والفتيات.
وكذلك فقد صبغت كثير من الفتيات شعرهن باللون الاحمر، ليس احتفالا بعيد
الحب، انما ليكون بلون (فانيلة) المنتخب، بينما الحجاب الاحمر، كان هو
السائد لدى المحجبات لنفس السبب، والاحمر طغى كذلك على اختيارات الوان
الملابس للنساء، والشباب، بصورة مفاجئة، وهو ذات اللون الذي كسى القاهرة،
لتبدو لاعبا ينضم الى تشكيلة لاعبين سيخوضون تلك المبارات على ارض السودان.
وعلى مدى سنوات عمري لم اشاهد سلوكا جمعيا مثلما شاهدت من توقف لكل مفردات
الحياة، واتفاق بالراي لملايين الناس، بشان حدث ما، بالشكل الذي تنحني
امامه كل الانتماءات، والهويات والاختلافات، والتفقهات، في مختلف نواحي
الحياة.
وبعيدا عن سرد تفاصيل مارافق المباراة الاولى في القاهرة، او المباراة
الحاسمة في السودان، الا ان المثير للانتباه هو الحماسة الوطنية التي يتمتع
بها المصريون، وهم يشجعون تلقائيا اسم بلادهم، التي عدوها ام الدنيا،
وافتخروا بها، الى درجة لم تسمح لهم بالاعتراف بان هناك من هو متفوق عليهم
في البلدان العربية الاخرى، وقد عبر احد الزملاء الصحفيين المصريين عن امله
في ان تقام مباراة كل عام مثل مبارة الجزائر، لالشيء انما لرفع واستنهاض
الروح الوطنية.
انهم يتسامحون مع جور البلاد، التي لم تمنحهم الا الفقر، والعوز، والاحباط،
لكنهم في لحظات العاطفة، وارتفاع منسوب الوطنية، لايعاتبون الحكومة على
تقصيرها، ولايتعلمون الوطنية، او القومية، من دولة مجاورة، وهذه نقاط تحسب
لهم، فهم لا يتخلون عن ارتباطهم بدولة آبائهم، واجدادهم، التي يحملون اسمها
الذي يسكن اعماقهم، ويستمدون منها هويتهم الانسانية، واسباب وجودهم.
بل رغم ان بعض العوائل تعيش تحت خط الفقر، الى درجة غياب دائم للحوم
المختلفة والفواكه وبعض الخضروات عن مائدتهم، وغياب وسائل الراحة عن كثير
من مساكنهم، لكنهم طالما يتصالحون مع الواقع، ولايضيعون فرصة التمتع
بالحياة، التي اتقنوا كيفية التعامل معها لتتسع لاكثر عدد منهم، ليقضوا
ايامهم وهم سعداء باحباطهم وفقرهم وواقعهم المرير.
ورغم خسارتهم امام الجزائر والانعكاسات السياسية لذلك نتيجة الاحداث التي
رافقت المباراة وبغض النظر عن تأثير ذلك على العلاقات بين الشعبين فأن
مايلفت النظر هو انتصار الوطنية في مصر الى درجة عبر عنها رئيس تحرير احد
الصحف قائلا (ضاع الحلم.. وبقي العلم
طلب تعيين
العدد ( 342)الاثنين
2/11/2009
لا توجد مفردة يستقبلها المواطن العراقي، باشتياق
وفرح، ويتسلى بذكرها، ويحلم بها بتأمل مثل مفردة (تعيين)، ولا يوجد طلب
أكثر رواجا بين الناس من (طلب تعيين) بتوقيع شاب عراقي، يطرح في سيرته
الذاتية انه أول المعذبين في الأرض، وآخر المستفيدين من خيرات البلاد، فهو
لا يميز بين حقول النفط، او حقول الألغام، وبين الديمقراطية والدرجة
الوظيفية، لأنها لم ترض طموحه، ولم تجلب له ما يرغب من أحلام يسيرة التحقق.
كما يطرح ان هموم المعيشة، وسياط الظلم، قد حرمته من إكمال تعليمه إلى
مستويات اعلى، وهو في دواخل نفسه يربط بين انتمائه، ومواطنته، و بين
الموافقة على طلبه، التي تتطلب بالطبع وسيطا متنفذا، ربما يكون مسؤولا
سياسيا او إداريا، بهدف تحويل طلب التعيين إلى ورقة انتخابية، او سمسارا
يحول هذا الطلب الى عدة وريقات من فئة المئة دولار، وبالتالي نضيع مكتسبات
المواطن من الدولة وقوانينها الجديدة التي باتت تنظر الى المواطنين من
زاوية تختلف عن أيام العهد السابق، الذي كان فيه التعيين ضياعا للوقت او
حلم بعيد المنال في نظر أكثر الناس.
واما اليوم فقد تصدرت مفردة (تعيين) معاجم لغة التخاطب، وأصبحت لا تضاهيها
مفردة أخرى، من حيث تأثيرها السياسي، والاجتماعي، ومفعولها الساحر الأخاذ،
الذي بات يفوق تأثير مفردة حرية، او ديمقراطية، أو دستور، وربما يجعل منه
البعض مادة يغزل منها سجادته الحمراء الى بلوغ مجد السلطة.
وبقدر ما كانت هذه المفردة، (تافهة) و(غير مقنعة)، في السابق، أصبحت
(متألقة)، (مدللة)، تتصدر صفحات القاموس الشعبي، والسياسي، الى الحد الذي
يقاس وفقها حجم وتاثير أي حزب سياسي، بمقدار ما تمكن من إرجاع طلبات
التعيين مزهوة بهامش الموافقة، بالحبر الاحمر، او الأخضر ..
او سائر الألوان. يحدث كل ذلك لان وصفة التعيين هي الحل المتيسر، لمشكلة
اكبر تفتك بالمجتمع هي البطالة، والخوف من المستقبل، ولو ان المبالغة
والعشوائية في التعيين، تؤدي الى مشكلات ابرزها الترهل الاداري، والبطالة
المقنعة، ومشاكل اقتصادية، تثقل كاهل القطاع العام غير المنتج.
إلا ان عدم ثقة المواطن بأي باب آخر، جعلته يتعلق بطلب وظيفة حكومية، تؤمن
له حياته ومستقبله، مع استمرار الجامعات بضخ إعداد كبيرة من الخريجين،
وتسوق بهم الى مصير مجهول، تكون وفقه الدولة قبل غيرها مطالبة بنزع فتيل
انفجار محتمل، لجيش غير معلن من العاطلين حملة البكالوريوس الذين يطالبون
بعمل ملائم.
فإلى أي مدى، يبقى التهميش بالموافقة على طلبات التعيين، مصدرا لإثراء
سماسرة الدوائر الحكومية، الذين يربطون بين مكاتب أصحاب القرار، وأمنيات
جيوش المتقدمين للفوز بالوظيفة الحكومية، لقاء مبلغ يتجاوز ال500 دولار
بضعف او اقل او أكثر أحيانا.
والى أي مدى يبقى طلب التعيين هو السلاح الذي يستخدمه رجل السياسة،
والإدارة، في إرضاء وكسب الجمهور، دون التفكير او الاتجاه نحو إستراتيجية
أخرى، ربما تسهم في التخفيف عن كاهل القطاع العام، وتسحب البساط من مجاميع
الوسطاء بين المواطن والدولة، سواء من الذين اعتاشوا على الرشوة، او على
السحت السياسي.
وهنا يتبادر الينا سؤال بشأن إمكانية أن تحل مشكلة البطالة بدون اللجوء إلى
باب التعيين، والتهميش على الطلبات، والمتاجرة بمشاعر واماني الناس، التي
اعتاد عليها السواد الأعظم من شبابنا، الباحثين عن الاستقرار العائلي، وسد
ابسط متطلبات المعيشة، من (رغيف الخبز) إلى (كارت شحن الموبايل)، لينعموا
بحياة طبيعية في بلادهم.
فنحن نتصارع على دخول وزارات الدولة، المتخمة بالقوى العاملة غير الماهرة،
في وقت يمكن ان تؤسس شركات عملاقة، وتدور ماكنة الأعمار والاستثمار، وتنطلق
عجلات الصناعة، فتتحرك الدولة لسن القوانين التي تضمن استيعاب شبابنا
الباحث عن حياة كريمة، ليتجاوز حلم الشاب مجرد (طلب تعيين) في دائرة
حكومية، ربما تعلمه كيفية (التحايل) على القوانين اكثر مما تدربه على تنمية
مهارات وملكات تجعل منه طاقة واعدة مطلوبة تؤدي الغرض من الوظيفة العامة.
ان الحلول المثلى للتخفيف من تكالب الناس على دخول الدوائر الحكومية، هي
اما العودة إلى (الطريقة الاشتراكية) التي تتبع (مركزية التعيين) وبالتالي
اختصار حلقة الوسطاء، بشتى انواعهم، ودرجاتهم، او رعاية رأسمالية وطنية،
معززة بقوانين في صالح القوى العاملة العراقية، بالشكل الذي تكون على أساسه
الوظيفة في القطاع الخاص موازية للوظيفة الحكومية من حيث تأمين المستقبل
لمواطن يبحث عن ذاته المفقودة في ورقة عنوانها (طلب تعييي
دماؤنا تلعنهم
العدد ( 338)الثلاثاء
27/10/2009
تفجير آخر وضحايا أبرياء..انضموا لقوافل الشهداء،
دماء تزهق بضغطة زر من أنامل معتوهه.. ودموع تذرف من عيون مكلومة، لتحمل
مشاعر خوف لا تجد لها طريقا للخروج، إلا بصراخ هادر، يتصاعد أنينه إلى
السماء، مع تصاعد أرواح الشهداء..
نعم كنت صباح الاحد، وسط انفجاريين مجنونين هزا منطقة الصالحية، التي تتميز
بهدوئها ووداعة أهلها، وشهدت اختلاط الدماء بذرات الرماد، في انفجاريين
تعاقبا ليحصدا الأرواح الطاهرة امام وزارة العدل وبالجهة المقابلة امام
مجلس محافظة بغداد.
وقد قرأت الخوف والغضب والحزن يرتسم على وجوه الأحبة والأصدقاء، وسجلت
ذاكرتي منظر موظفات وموظفي وزارة العدل، ومجلس المحافظة وهم يهرعون طلبا
للنجدة، وعيونهم يسكنها الهول وهي ترمق أجسادا مقطعة واخرى لأتقوى حتى على
الأنين، وأجسادا اختير لها الصمت الأبدي.
لا أريد مناقشة أسباب ما جرى، فهو يجري كل مرة، وفي كل مرة.. نستنفر أنفسنا
للكلام.. للقول والفعل.. ولكن بعد حين ننسى ان الابتسامة هدف للقتلة.. وان
الحياة هدف لشياطين الموت الشيطاني.. وأرزاق الناس، وبراءة الأطفال، والعمل
الشريف، كلها صارت اهدافا ترسم الخطط من اجل تدميرها، ودفنها في مقبرة
جماعية جديدة، تصنعها سيارة، وبارود، وقاتل متوحش، وإرادة دولة عربية
مجاورة.
نعم عشنا معا تلك اللحظات، ولكن ربما تختلف الإنسانية بشعوبها معنا، في
تفسير ما يجري لنا، فمنهم من يتألم بتألمنا، ومنهم من يتلذذ بتقطع أوصالنا،
لغايات يعلمها الله، والغريب ان من يشاطروننا القومية والدين في الدول
المجاورة، هم ابعد الناس عن الإحساس بما يصيبنا.
لا نريد ان نلقي اللوم على أنفسنا، او على بعضنا البعض، فلا ينفعنا تبادل
للاتهامات لانها إضعاف لبنياننا الذي يجب ان يبقى مرصوصا يشد بعضه بعضا،
علينا ان نكون اكثر وضوحا لنكتشف هوية من يقتلنا.
علينا بعد عهد جديد من الارهاب الانتقائي، الذي يستهدف التسبب باضرار
نوعية، ان نتذكر دائما ان الاختلاف السياسي هو تعددية في الرأي لخدمة سواد
الناس، اما الاصطفاف مع القتلة والتهاون مع الإرهابيين هو الخيانة العظمى،
والجرم الأكبر، الذي يستوجب منا عدم التهاون معه، والاقتصاص من مرتكبيه،
الحاملين لرسالة الموت إلى أبنائنا الأبرياء.
على القيادات السياسية ان تتسامى على خلافاتها، ولا تزايد على دماء
العراقيين الشرفاء الصابرين، فأن ما يهدف اليه الإرهابيون هو زعزعة الوضع
الداخلي، والنيل من ما تحقق من انجاز امني يكاد يجمع الناس على الافتخار
به.
وعلى الحكومة ان تكشف كل ملابسات الأمر، ونتائج التحقيقات ليطمأن الشعب الى
ان هناك عملا جادا لحفظ الامن مهما كانت الظروف، وان المعركة مع الإرهابيين
محسومة، لكن يبقى لنا الاقتصاص من الذين يقفون وراءهم، ويمدونهم بالمال،
والعدة، ويوفرون لهم إشكال الدعم.
علينا أن لانتردد في تنفيذ القانون، ولا نختلف في تعريف الإرهابي، الذي
يهدف الى اثارة الفتنة واضعاف العزيمة وتدمير العراق شعبا، وأرضا، ودولة
المصلحة مبتدأ مرفوع..
من ارض الواقع
العدد ( 327)
الاثنين 12/10/2009
المصلحة مفردة ساحرة، تزداد تأثيرا وتألقا إذا حلت مبتدأ لخبر.. يحدد
هويتها واتجاهها، ولا تفقد بريقها إذا دخلت بمفردها على أية عبارة أو جملة،
لكنها ستكون صريحة جدا إذا تقدمت غيرها من الكلمات، ورغم ذلك كله فان البعض
يفضلها محجبة لاسباب تخص المصلحة ذاتها.
ولاشك إن تاريخ ولادة هذه الكلمة، يرتبط بتاريخ الإحساس بالرغبة،
والامتلاك، والأنانية، والفردية، لدى الإنسان، منذ الجدل بين مثالية
افلاطون وواقعية ارسطو، قبل أن تتحول إلى منهج لبناء الدول وتشييد
الحضارات، بعد ان اشتقت منها عناوين وعبارات لازمت تطور الانسانية
وتحولاتها على مر العصور.
وفي ذات الوقت يؤسس تضارب المصالح إلى التوتر، والفتن، واختلال التوازن،
الذي يدعو إلى العمل من اجل الحفاظ على الوضع الراهن، او تغييره في العلاقة
بين الحاكم والمحكوم، والتغيير عادة ياتي بتفجير الثورات الدامية من قبل
المتضررين، مقابل تترس الحكام بعساكر، وشرائع وضعية، لحماية مصالحهم،
والطبقات المنتفعة منهم.. ومعهم..
واحتاجت الحضارات الإنسانية إلى قرون طويلة، لتتمكن من وضع الخطوط الفاصلة
بين المصالح، التي يمكن أن تؤدي إلى انفجارات، بتضاربها وتداخلها، وأصبحت
الحضارات المتطورة تقاس بحسن إدارتها للمصالح المختلفة، التي تحولت من
المفهوم المجرد القائم على (الصراع من اجل البقاء)، الى مفاهيم اوسع تضج
بها قواميس السياسة على شاكلة، مصالح عليا، ومصالح وطنية، ومصالح
إستراتيجية، ومصالح ثنائية، ومصالح مشتركة، ومصالح قومية.
وكان الغربيون أكثر صراحة في التعامل مع هذا المفهوم، منذ ان جرده ميكافيلي
من التداخل مع القيم الأخلاقية، لكن الحضارة الغربية اختصرت الأمر بعد حين
بعبارة كانت الى وقت قريب تثير الجدل في مجالسنا الأدبية والاجتماعية، وكنا
نعدها وصمة عار في جبين هذه الحضارة وهي( لاتوجد صداقات دائمة بل توجد
مصالح دائمة).
لكن لسان حالنا اليوم يقول انه لا توجد صداقات دائمة ولا توجد مصالح واضحة،
لان المصلحة لدينا تبحث عن (الحجاب)، و(النقاب)، وبذلك فنحن لا نريد ان
نظهر مصالحنا ورغباتنا (عارية) امام الأجناب او الاحباب، بل نجبرها على عدم
مبارحة محرمها و نتفنن لها بألوان الأغطية والستائر، وندعو لها (بالستر)،
لان انكشافها سيؤدي إلى هتك عورتنا الاجتماعية، وكشف صراحة ما ندعي، وما
نعتنق من آراء وميول واتجاهات.
فبعد سقوط صدام ومن ناصره وأعانه على سياساته، اخذ المتضررون من سقوطه، من
غير المنتفعين من الوضع الجديد، اخذوا يبحثون عن (أناجيل) يرفعونها فوق
رماح مصالحهم المبرقعة بشعارات المرحلة، ليضفوا صفة القداسة على معركتهم
القذرة، وكانت مسألة المقاومة هي الشعار الأكثر رواجا بالشكل الذي يسيل له
لعاب دول وقوى وشخصيات تضررت من ولادة نظام ديمقراطي ناجح بين دجلة
والفرات.
وشهدنا لسنوات متعاقبة كم أريقت من الدماء البريئة، وكم وقعت من الجرائم،
وكم كتبت من شهادات الزور، وكم زيفت من حقائق، وكم أطلقت من أكاذيب،
والغريب ان المجرمين كانوا يرفعون شعار المقاومة، والوطنية، وطرد المحتل،
وشعارات أخرى، تباع وتشترى وتدار باموال خارجية تتحرك من خزائنها الحصينة
في مصارف دول تعم بالرفاهية لتوظف من خلال أصحاب (المصالح المتضررة) إلى
شعارات تحرق رفاهية شعبنا المقتولة في مهدها، لتهدم مصالح وتبنى على
أنقاضها مصالح أخرى، وفق حسابات مخطط لها بعناية.
وبعد رحلة الآلام التي خاضها العراق، منذ ان تنعم بنسيم الحرية، لم يجرؤ أي
من اللاعبين، أن يصارح الناس بأنه يدافع عن (مصالحه المتضررة)، مقابل من
حصل على مصالح اكبر فالأول يريد استعادة مصالحه، والثاني يريد الحفاظ على
ما حصل عليه من مصالح، والطرفان لا يريدان دولة قوية، وسلطة مهابة، يمكن أن
تضع حدا فاصلا يكشف اللثام عن وجه الحقيقة ويظهر المعادلة التي يحتاج الناس
إلى معرفتها تحت عنوان المصلحة الوطنية العليا.
وفي الوقت الذي نحن فيه مقبلون على إجراء انتخابات تتمتع بأهمية استثنائية
سوف يزداد الطلب على اقنعة وأغطية وستائر جديدة، تحمل شعارات ورسوما زاهية
جميلة خادعة، لتغلف مصالح خاصة، ومصالح دول مجاورة، ومصالح شخصيات متضررة،
ومصالح اخرى، وما على أبناء الشعب الا اكتشافها واكتشاف من تفنن في تزييف
الحقائق، سواء كانوا سياسيين، او إعلاميين، فالمصلحة دائما مختبئة حول ما
يروجون من أكاذيب، وخلف ما يدعون من بطولات وهمية يجب أن لا تنطلي على من
يصوتون لمستقبل العراق ووحدته وامنه خلال الانتخابات المقبلة
خيانة.. عظمى ..
العدد ( 312)الاثنين
14/9/2009
لعقود طويلة كانت مفردة الخيانة بدرجاتها، العظمى،
والصغرى، والمتوسطة، تتسيد البيئة السياسية للعراق، التي يخوّن بعضها البعض
الآخر، فالخيانة او العمالة، كانت هي التهمة الاولى الجاهزة التي توجه
للخصوم، الى ان اصبحت التهم (تُكبّر) و(تُصغّر) لاهداف شتى، تكون الخيانة
الحقيقية هي الجزء الاقل فيها، والنيل من الخصوم هو الهدف الاقرب الى ذلك.
ولم يقف الامر عند هذا الحد، انما تم تصدير هذا المفهوم من السياسة
الداخلية، الى السياسة الخارجية، للتعاطي مع المتغيرات الاقليمية، ونعت
زعماء دول مجاورة بالخيانة ومشتقاتها مثل (خائن القضية)، و(خائن الامة)، و
(خائن الحرمين)، ومسميات اخرى، كانت شائعة في السياسة الخارجية لعراق ماقبل
نيسان 2003م.
وربما لم نكن قد نسينا ان لمفردة الخيانة وقع مؤثر على العراقيين، فقد عاشت
معهم وكانت ضيفا مميتا لديهم، فكانوا متهمين بها، وعليهم البحث عن دليل
برائتهم، لينجوا من العقاب الذي ينتظرهم.
وكذلك تميز توصيف الخيانة لدينا بفهم انتقائي، فجرم او عمل معين مع الدولة
(سين)، هو خيانة عظمى، ولكن نفس العمل مع الدولة (صاد)، هو عمل مبرر، وهذا
ينطبق على الاشخاص، واعتقد ان هذا التقليد مازال ساري المفعول لدى اوساط
كثيرة !!!
وهذا كله لايعني عدم وجود فعل الخيانة، وانتفاء الحاجة الى ردعها، فقد عرفت
الخيانة في اللغة العربية على انها نقض العهد، والغدر، وجحد الامانة، وهي
على درجات متفاوتة، معروفة لدى جميع البلدان، بما فيها الولايات المتحدة،
وبريطانيا، ودول كثيرة نصت دساتيرها على انزال عقوبة الاعدام بمن تثبت
خيانته العظمى، للوطن، او للامة.
والخيانة العظمى وفق اكثر الدساتير، هي العمل مع اعداء الامة او تقديم
العون والمساعدة او افشاء الاسرار العسكرية والسياسية لدول او جهات اخرى،
لابل صنع مصطفى كمال اتاتورك جمهوريته على دماء الالاف الذين واجهوا الموت
نتيجة ادانتهم بالخيانة العظمى ولاسباب كثيرة.
ولكن من المثير حقا ان نلمس، اختفاء مفردة الخيانة والعمالة من قاموس
الخطاب الرسمي العراقي بعد 2003م، رغم شيوع خيانات حقيقية، ورغم تنوع
الخونة، وتزايد موسم التكاثر لهذه الجرثومة، الذي تفشت وتناسلت، وتناسخت،
لتفرخ خيانات عظمى، ووسطى، وصغرى، في الامن والسياسة، والوظائف المدنية،
فأصبح الترويج لبضاعة الاخرين، وافشاء الاسرار، والتخابر مع جهات اجنبية،
واستباحة المال العام، اعمال معتادة ولاعقاب صارم ينتظر من يدان بها، لابل
الاخطر من ذلك كله هو المتاجرة بدماء العراقيين، واستباحة قتلهم، والتعاطي
مع من يفتك بهم بدم بارد.
اصبحنا في عهدنا الديموقراطي نتعاطى مع كم هائل من الخيانات دون ان نجروء
على وصفها بالخيانة، ربما خوفا على لون وطعم ديموقراطيتنا، التي يتفق جميع
او اغلب الاطراف على أبقائها، بشكلها التوافقي الخالي القوة التقليدية
للسلطة، ربما حفاظا على مصالح محددة، او خوفا من الاتهام بالعودة الى
الديكتاتورية، التي اصبحت تهمة اشبه بتهمة معادات السامية في العالم
الغربي.
واحسب لو طبق الحد الادنى من دستور وقوانين اي دولة عربية مجاورة، لااقول
القوانين والاعراف العراقية التقليدية للتعامل مع الخيانة، فلكم ان تتصوروا
كم خائن لدينا سيلحقه عار الخيانة، كم خائن لشرفه العسكري، وكم خائن لشرفه
المهني، كم خائن لليمين الرسمي، وكم متبرع باسرار البلاد لمن يشتريها، وكم
من يتلقى الاموال مقابل تصريحات وحركات تربك الوجه الرسمي للدولة. ان حمى
الخيانة تهدف الى سقوط الدولة وصعود المكونات، الى سقوط الحكومة وصعود
الساسة، الى سقوط الاغلبية الصامتة وصعود الانتهازية المنافقة، الى سقوط
السلطة وصعود الفوضى، كي تصل دولتنا الى الدرجة التي تخون نفسها بنفسها،
وتخجل من تطبيق اي قرار او قانون يردع الخيانة، ربما خوفا على طلاء
الديموقراطية الذي يخفي الكثير من العيوب.
فهل اصبحت حمى الخيانات في بلدنا مشروعة، واذا كان الدستور قد تغافل عنها،
فهل نحن عاجزون عن تاسيس عقاب اخلاقي على الاقل، لردع الخونة، وفضحهم، وكشف
زيف تجارتهم، كونهم اكثر المتحدثين عن حب البلاد، ومصلحة العباد، لاغراض
ليس لها شان بالمصلحة الوطنية، وماخفي كان اعظم
هدوء نسبي
العدد ( 307)الاثنين
7/9/2009
لايقتصر الاعلام اليوم على انتاج البرامج والنشرات الاخبارية، التي تتغذى
على الاحداث اليومية، والتصريحات والعراك الكلامي، فاعلام اليوم الذي اختصر
ارجاء الدنيا الواسعة وتناقضات العالم في شاشات لاتتجاوز ابعادها سنتمترات
معدودة، اخذ يتخطى اساليبه وادواته واغراضه التقليدية، نحو استخدام الفنون
والاداب وتطويعها لصالحه، لياكل من جرفها، متجاوزا النظريات التقليدية
للابداع، ليحلق باجنحة التكنولوجيا الرقمية، مؤتمرا باوامر القابضين على
السلطة والمال.
ولكن لشديد الاسف مازلنا نتعاطى مع (الميديا) بمحدودية تعزلها عن شموليتها
لمجالات مختلفة من الابداع، ومازلنا اما مترددين خجولين من الدخول في معترك
قضايا حساسة وهامة، او نتناول مثل هذه القضايا بتجن وحقد، مدفوعا بمصالح
خاصة قائمة على المتاجرة بالوطنية، وهو ما قامت به فضائيات عراقية، دابت
على خلق المشاهد التافه، وتوظيف الدراما والفنون الاخرى لصناعة التفاهة.
وكلنا نعلم ان كما هائلا من الاحداث عاشها العراق وهي تنتظر المعالجة
الدرامية واعادة انتاجها ابداعيا، لرسم خارطة الوعي لدى المتلقي العراقي،
وتحصينه من الاختراقات الخارجية سواء كانت مدروسة اوعشوائية.
وفي نفس هذا السياق يتسائل الروائي السوري الحاصل على جائزة البوكر العربي
(خالد خليفة) بقوله "كيف ان حدثا بهذا الحجم يقف امامنا ولا احد يقدم عنه
شيئا" ويقصد بالحدث الهائل هو سقوط نظام صدام او (سقوط بغداد) حسب الادبيات
العربية، وخليفة في عبارته هذه يعلل سبب خوضه تجربة التعاطي مع حرب العراق،
في روايته (بغداد زمن الحب والحرب) او (هدوء نسبي).
وعلى هذا الاساس قدم خليفة هذه الرواية او النص الدرامي، الذي اريد له ان
يكون مميزا، عندما وضع بين يدي المخرج التونسي شوقي الماجري، الذي هو الاخر
يمتلك لمسات عالمية ميزته من خلال اعمال جلبت اليه الاضواء والاهتمام، مثل
ابو جعفر المنصور ،و اسمهان، وسلسلة اعمال ناجحة اخرى. وفي هدوء نسبي الذي
مولته اربع جهات انتاجية من ثلاث دول عربية، نجد انفسنا مع عمل ضخم يقال ان
ميزانيته تجاوزت الاربع ملايين دولار، وشارك في ادائه اكثر من (273) ممثلا
من عشر بلدان عربية واجنبية، تنقلت اطقم التصوير فيه بين (170) موقعا، بين
ازقة وساحات مدينة حماة السورية الاقرب شكلا لمدينة بغداد، ثم الى شوارع
وميادين القاهرة لاضفاء شيء من الواقعية.
وللمبالغة في الواقعية تم تصميم الالات الحربية والاجهزة والمعدات
والملابس، لتكون اقرب الى الحقيقة، لا بل ان المخرج شوقي الماجري كان حريصا
على ان يتحدث ابطال العمل بلغاتهم الاصلية، الانكليزية، الفرنسية، بل حتى
اللهجات العربية اديت كما هي، والعراقية على وجه الخصوص اديت لاول مرة بشكل
لائق.
ولكن دقة المخرج والكاتب بالشكل، لم تقرن بدقة في المضمون، من نواح عدة،
حيث ادخل صناع العمل انفسهم في اشكالية تاريخية من خلال تعاملهم مع الحدث
من منظور رمزي، فلم يكن العمل تسجيلا واقعيا لوقائع التغطية الصحفية لحرب
العراق 2003 فلا الشخوص هم الشخوص، ولاالقنوات هي نفس القنوات، ولا الاحداث
هي نفسها الاحداث.
وبصورة اوضح كان العمل قد تظاهر بتناول قضية عربية من على الارض والبيئة
السياسية والاجتماعية العراقية، فكان العراقيون هم الثانويين في الحظور،
اما محور العمل فهو صحفي سوري وصحفية مصرية، يعيشون قصة حب في هدوء نسبي،
يتخلل الضعف والدمار العراقي والعجرفة الامريكية، وهي خدعة لجأ اليها صناع
العمل الدرامي للهروب من مواجهة محتملة مع من يطالبهم بتفسيرا واضحا لما
حدث.
ففي هدوء نسبي لم تسلط الاضواء على الحقيقة كما هي بل كان هناك توزيع
انتقائي للحقيقة، وكان التركيز واضحا على العرب الذين تألموا لسقوط بغداد،
فمنهم الصحفي الواقف خلف الكاميرا وهو لايقوى على التحكم بانهمار دموعه،
والمقاتل الذي عبر الحدود (ليجاهد) بنفسه، (حبا) ببغداد مدينته، اما
العراقيون فهم اما جنود يجرون اذيال الهزيمة قي لقطات مذلة، او لصوص وسراق،
او مستأسدين على ابناء جلدتهم، مبادرين الى تهديد بعضهم البعض على اساس
مذهبي وقومي وهذا بخلاف الواقع، حيث اظهر العراقيون في تلك الفترة، تماسكا
مجتمعيا اثار انتباه العالم.
وعمد صناع الهدوء النسبي على تضخيم الاخطاء الامريكية والتخفيف من حجم
الجرائم الارهابية، وتحسين شيئا من الصور القبيحة لمن كان السبب بخراب
العراق قبل مجيء الاميركان، ومن اكمل الخراب بعد دخولهم بغداد، فقد نصب
صناع المسلسل انفسهم قضاة ليحكموا على العراقيين بالتخاذل او الخيانة، وعلى
الامريكان بالعجرفة والعدوان، وعلى الوافدين الى العراق من خارج الحدود
بالاقدام والشجاعة، وعلى سائر البعثيين بانهم ضحية ماحدث.
وطالما كان العمل يتعلق بعمل الاطقم الاخبارية التلفزيونية، كان المخرج
بحاجة الى خبير في انتاج وصناعة الاخبار، ليعمل على تنسيق طريقة وقوف
المراسل خلف الكاميرا، وتقنين هذيان المراسلين وسوقهم الكلام الانشائي
بأسفاف، لايليق بمستوى من يغطي حدثا هاما، حتى في ناحية اعداد التقارير،
وكيفية التغطية، لابل حتى سيارات النقل الخارجي ظهرت على انها سيارات (مني
باص) لنقل الاطقم الاعلامية بهدف التجوال في شوارع بغداد، اكثر من كونها
عربات sng باهضة الثمن.
ولانريد ان نتوسع اكثر والمسلسل مازال مستمرا بالعرض ولم ينهي حلقاته، لكن
مايهمنا من الامر هو ان نراجع انفسنا مجددا، للتفكير الجاد في تشريح
قضايانا الحساسة، واعادة انتاجها عراقيا، فنحن نمتلك المبدعين، لكننا لا
نمتلك المؤسسات التي توظف الابداع، وهنا لابد لنا من وقفة للتامل في
مفهومنا للميديا وتوظيفها لصالح قضايانا المصيرية بشكل مخطط، قبل ان تتحول
الى الغام تنسف طريقنا الصعب
التقدم نحو مواجهة مصادر
التهديد
العدد ( 302)
الاثنين
31/8/2009
قبل اسابيع توفي وزير الدفاع الامريكي الاسبق روبرت
ماكنمار عن عمر يناهز 93 عاما ويعد ماكنمار من اشهر المفكرين الاستراتيجيين
خلال القرن العشرين، وواحد من اهم الذين اسهموا في اثراء مفهوم الامن
القومي على مستوى القارات الخمس.
ولماكنمار مقولة تحولت الى مصدر اساسي لتعريف الامن القومي لدى الباحثين،
وتنص على ان ( الامن الحقيقي للدولة... ينبع من معرفتها للمصادر التي تهدد
مختلف قدراتها...ومواجهتها) اي مواجهة مصادر التهديد.
واهمية الامن القومي تكمن في كونه يمثل المصالح العليا للدولة، وسيطرتها
على كامل ترابها، وعلى مواطنيها وممارستها السيادة، وهذه المباديء تكاد
تكون مقدسة غير قابلة للاختلاف عليها من قبل الطبقات السياسية، لانها تمس
هيبة الدولة، وبدونها تتحول الدول الى اشبه (بالفنادق) لايواء السكان
لاغير.
وقد تذكرت مقولة ماكنمار وانا اتلقى الانباء التي وصفتها اغلب وسائل
الاعلام بانها تطور مفاجيء وهي قيام الحكومة العراقية بعدة اجراءات، بشان
تسليم المطلوبين العراقيين المقيمين في سوريا، لاسيما من تورط في تفجيرات
الاربعاء الدامي، (محمد يونس الاحمد) و (سطام فرحان.(
وهذه الاجراءات تعد سابقة من حيث تحديد واعلان مصادر التهديد من قبل
الحكومة، على اعتبار ان العراق منذ 2003 يتعرض لحرب مخابراتية شرسة، لكن
الخطاب الرسمي العراقي لم يكن صريح بما فيه الكفاية، ليكشف الجزء الغاطس من
الحقيقة المرة، وفضل الحديث عن الجزء المعلن من علاقات وتعاون مع دول
الجوار، رغم حدوث المجازر اليومية في بغداد ومدن العراق لكن بقي الامر من
الالغاز المحيرة.
وبالاضافة الى ذلك فان نظرية الامن القومي العراقي، لم تكن واضحة الملامح،
نتيجة عدم تحديد مصادر التهديد بصورة واضحة ومباشرة، رغم اصدار وثيقة علنية
تضمنت بعض الافكار العامة من قبل مستشارية الامن القومي، لكن هذه الوثيقة
لم تكن استراتيجية امنية ناجعة، كونها رغم مابذل في انجازها من جهد، كانت
اقرب الى الخطاب التعبوي السياسي، اكثر من كونها تستند الى حقائق علمية
موضوعية، تتماشى والتحولات التي شهدها العراق بعد نهاية عهد البعث في نيسان
2003م.
اي انها لم تحدد بدقة مصادر الخطر والتحديات الداخلية وخطط معالجتها، ولم
تتطرق الى ملابسات العلاقة مع واشنطن التي يستغلها الاخرون، واهمية توقيع
اتفاقية سحب القوات، وضرورة توقيع اتفاقيات تعاون امني ودفاع مشترك تعوض عن
الوهن العسكري العراقي، او بناء قدرات تسليحية وبشرية تتماشى وخصوصية وضع
العراق جغرافيا وسياسيا وتاريخيا، ثم لم تتعامل بصراحة مع التحولات
المجتمعية والعلاقة بين المكونات واستغلال التنوع العراقي من قبل دول اخرى.
ولو كنا اكثر صراحة، لاكتشفنا ان عقيدتنا الامنية الراهنة تتجاذبها في
الواقع اتجاهان هما الامن القومي وفق العقيدة الصدامية البعثية، والامن
القومي وفق العقيدة الامريكية، بغياب استراتيجية عراقية.
ويحصل ذلك نتيجة تكوين الاجهزة الامنية والاستخبارية والعسكرية من بقايا
المنظومة السابقة مع ادخال عناصر جديدة، وتم التوليف بتدريب واشراف امريكي
تعامل مع الامر من مدخل المصالح الامريكية العليا، لا بل يقال والعهدة على
القائل، ان جهاز المخابرات الوطني العراقي حاول التوسط بين الاطروحتين
الصدامية والامريكية.
ولاشك ان تجربة العراق في بناء ديموقراطية حديثة، تم بالاستناد على مؤسسات
متهالكة من بقايا اشهر نظام ديكتاتوري سلطوي شمولي تميز بالانانية
والوحشية، ودمجها بمؤسسات حزبية تثقفت بثقافة المعارضة والعمل السري
والتصارعي لعقود طويلة، بالاضافة الى من اندس من بقايا البعثيين الى
البرلمان واجهزة الدولة الادارية والعسكرية والامنية، يجعل من الصعب الحصول
على نتائج مثالية لبناء تجربة ديموقراطية ناجحة، على الاقل ينذر بكبوات
وثغرات، تثار ثم تستغل من جهات خارجية.
لكن من بين كل ذلك نجح الجهد الوطني العراقي بشكل فاق التصورات وتمكن من
ارساء بذرة الديموقراطية، وسط نظام اقليمي لايؤمن بحكم الشعب، ويتضايق من
نسيم الحرية المنبعث من سهول العراق وروابيه وجباله.
ومن المحتمل ان يكون نجاح التجربة العراقية واستقرارها على المدى المنظور،
عاملا في اسقاط النظم الشمولية والديكتاتوريات التقليدية في المنطقة، اذا
لم يكن سبب مباشر في تعريتها واضعافها سياسيا ومعنويا، وهذا الامر يضيف تحد
جدي للامن القومي العراقي، الذي يخضع لهجمة اقليمية شرسة استخدمت ورقة
الارهاب الدولي بشكل مدروس، تحت غطاء اعلامي هائل، لتخلط الاوراق على
الجميع.
وفي تقديري ان الحكومة العراقية اتخذت خطوة شجاعة عندما حددت الفاعل
الحقيقي لتفجيرات الاربعاء الدامي، وطالبت سوريا بتسليم من ثبت تورطه
بأرتكاب هذه الجرائم، كونها بدات فعليا في تحديد مصادر التهديد واتخاذ
المعالجات العملية لها، وهي الاساس الاهم لرسم استراتيجية امنية ناجحة،
نتامل ان تتوج بتفعيل وتطوير جهاز المخابرات الوطني العراقي، ليتمكن من ان
يمارس دوره داخليا واقليميا، وسط اقوى اجهزة المخابرات المجاورة، ولكن وفق
عقيدة امنية عراقية خالصة، تقوم على تقديس المصلحة العليا للعراق، وعلى
التحديد الدقيق لمصادر التهديد
من أجل ان ينعدم الانحياز
العدد ( 273)الاثنين
20/7/2009
انهت القمة الخامسة عشرة لدول عدم الانحياز، اعمالها
في شرم الشيخ، باستعراض للمهارات الخطابية، وللازياء الشعبية، لبعض الدول
(لاسيما الافريقية منها)، وتسابق، للمصورين، والمراسلين، ومهندسي البث، في
تغطية مايقال، وما سيقال، ضمن الحدث الذي اختلف في تقويمه المراقبون.
ورغم ان فكرة عدم الانحياز كانت مثيرة للجدل منذ ولادتها، قبل نصف قرن
تقريبا، الا انها توسعت، لتتحول من (احلام) لمجموعة من القادة (الثوريين)،
بعد امساكهم بعرش السلطة، في مصر، ويوغسلافيا، والهند، واندنوسيا، الى
منظمة دولية، تتمدد افقيا، لتشمل 118 دولة منها 53 دولة أفريقية، و38
آسيوية، و26 من أميركا اللاتينية، ودولة أوروبية واحدة، بالإضافة الى 15
دولة تتمتع بصفة مراقب اي بعبارة اخرى، اكثر من ثلثي الاعضاء في الامم
المتحدة، ونصف سكان العالم.
وقبل ان تعقد الحركة قمتها الاولى في بلغراد عام 1961م، سبقتها حوارات
ومباحثات، اهمها في تقديري، مادار بين رئيس وزراء العراق المخضرم نوري
السعيد، والزعيم المصري جمال عبد الناصر، وكانا يمثلان مدرستين متعارضتين،
فالسعيد سياسي مهني، يخطط لكل شيء، ويحسب للامور نهاياتها، وبداياتها، دون
الاكتراث باشباع عاطفة الجمهور، اما عبد الناصر، فكان من جيل جديد من
القادة، يحاكي الجماهير، وينساق لرغباتها الجامحة، التي اثبتت فيما بعد
انها احلام بعيدة عن الواقع.
وكان السعيد صريحا بقوله انه مع الانحياز، وكانت له مبرراته وحججه التي لم
تدع لعبد الناصر فرصة لاقناعه بفكرته المضادة، فسياسي وعسكري من طراز نوري
السعيد، لايفوته ان الانخراط في سياسة الاحلاف القائمة آنذاك، من خلال
تأسيس حلف عسكري جديد (حلف بغداد)، اكثر نفعا من انتهاج سياسة بعيدة عن
الواقع، لاتجلب الا (المشاكل) مع الدول الكبرى، ويعتقد السعيد، ان اي
(فجوة) بين دول المنطقة، والغرب يعني مزيداً من الدعم الغربي لاسرائيل،
وبالتالي خسارة العرب.
واثبتت الوقائع صحة كلام السعيد، الذي انتهجته مصر، قبل غيرها بعد رحيل عبد
الناصر، لتتمكن من التقاط انفاسها، (وأن جاء ذلك بعد فوات الاوان)، كما ثبت
انه لاتوجد دول لم تنحاز الى احد القوتيين العظميين، ابان الحرب الباردة،
فمن لم يكن يساري الهوى... فهو اما تابع.. او مجامل.. او صديق.. للغرب.
وعلى خلاف المتوقع فلم تنته الحركة بنهاية الحرب الباردة، لاسيما وان
فشلها، او عجزها، متواصل في احتواء الازمات، والحروب، والصراعات، بين دولها
الاعضاء، مثل حروب العراق ابان عهد صدام، والصراع الهندي الباكستاني،
والازمة الافغانية، وتنامي الارهاب، والقرصنة، وتهريب المخدرات، وانتشار
الاوبئة، وتحكم البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، في اقتصاديات دول
الجنوب، وكذلك فرض الخصخصة قبل اوانها من قبل الغرب، وفرض ديموقراطية
لاتتناسب مع امكانية تطبيقها، ووهن السيادة، وضعف وفشل الدولة لصالح مسميات
اخرى، اضافة لمشاكل اخرى تظهر يوميا، والحركة المتضخمة بعدد الدول المنتمية
اليها، تقف عاجزة عن وضع الحلول العملية المناسبة، لما تعانيه الشعوب
المنظوية تحت لوائها.
وفي تقديري ان اهم النتائج العملية للقمة الخامسة لعدم الانحياز غير البيان
الختامي ذات ال500 صفحة، و لقاء جيلاني-سينغ، وعناق ابو الغيط - متكي، انها
جلبت انتباه المشاركين الى (منتجع شرم الشيخ) وروعة جماله،وانفتاحه، الذي
يعطي صورة اخرى عن مصر (المنفتحة) تختلف عن القاهرة(المحجبة)، والمختنقة
بالملوثات، والضوضاء، والزحام، والمطوقة بالاحياء العشوائية.
كما اثبتت القمة للجميع بما لايقبل الشك، نجاح وخبرة الاخوة المصريين في
تنظيم المؤتمرات لاسيما الكبيرة منها، وكذلك نجاح وزارة السياحة المصرية،
في توزيع عشرات الالاف من المطبوعات والخرائط السياحية الانيقة، والاقراص
المدمجة التي تبين المواقع السياحية الجذابة في شرم الشيخ، والقاهرة،
والاسكندرية، ومدن اخرى، وهي التفاتة ذكية للدعاية وجلب السياح.
وقبل ان اختم مقالي، اتمنى من القادة، والملوك، والزعماء، وحواشيهم، من
الذين شاركوا في هذه القمة، والذين سيعودوا الى شرم الشيخ للاستجمام، اتمنى
منهم ان يتاملوا في مفردة (عدم الانحياز)، فبعد ان عجزوا عن تطبيقها على
(السياسة الدولية)، عليهم ان يجربوها في (سياستهم الداخلية). فهل يستطيعون
(الامتناع عن الانحياز) لاقاربهم، والمحسوبين عليهم، عائليا او قوميا او
طائفيا، هل (يمتنعون عن الانحياز) لانفسهم، على حساب شعوبهم، والانحياز
لشعاراتهم المعلنة، على حساب مصالهم غير المعلنة، انه امتحان للنوايا،
عليهم ان يجربوا ذلك، قبل ان يتوجهوا الى القمة المقبلة المقررة في العاصمة
الايرانية طهران .
احذروا النسيان رجاء
العدد ( 265)الاثنين
6/7/2009
قبل اسابيع جمعتني، جلسة ضمت مسؤولاً عراقياً
كبيراً، وعدد من الصحفيين المصريين المختصين بالشان العراقي، واكيد في مثل
هكذا جلسات يكون الحديث عن العراق، هو نقطة الارتكاز، التي يتفنن فيها
زملاء المهنة المصريين، في الحديث عن العراق، مستعرضين ذكرياتهم ومعلوماتهم
وسفراتهم، لمدنه الجميلة في مناسبات مختلفة.
وعندما ورد ذكر صدام وايامه، همس باذني دبلوماسي عراقي، كان يجلس بقربي،
وهو يعمل في احدى البعثات العراقية في القاهرة، بان لانتطرق لصدام وعصره،
لان نسيانه اولى من ذكره، ولاداعي لأن ياخذ مساحة من الحديث تؤسس نقاط
اختلاف مع الاشقاء، وقلت في سري اننا ان نسيناه، هم لن ينسوه، وهكذا كان.
فبعد ان طويت الاحداث صدام، وذكرياته المرة، وحروبه، ومغامراته، التي
لايمكن ان يختلف العراقيون في تفسيرها، عاد مجددا ليقفز الى العناوين
الرئيسة للصحف العربية والعالمية، ومواقع الانترنت بلا استثناء، الى الحد
التي كانت مساحة تغطيتها تفوق حدثا هاما هو انسحاب الامريكان من المدن
العراقية الذي سبق ذلك بيوم واحد فقط.
ففي الاول من تموز الجاري قامت وكالة التحقيقات الفيدرالية (FBI) بقذف شيء
من وثائقها الى الاعلام، من خلال مؤسسة الارشيف الوطني الامريكي، لتنشرها
الواشنطن بوست، بنفس اليوم، ومن ثم تنتقل الى سائر وسائل الاعلام في مختلف
ارجاء الدنيا، لتثير موجة كبيرة من ردود الافعال، لاسيما في الاوساط
العربية.
وهذه الوثائق عبارة عن 20 استجوابا رسميا، وخمس محادثات عادية، أجراها مع
صدام محقق امريكي يدعى (جورج بيرو) ما بين شباط ، وحزيران 2004 وتناولت
قضايا مختلفة.
و( بيرو) محقق اميريكي من اصل لبناني، غادر الى الولايات المتحدة مع عائلته
عندما كان له من العمر( 13عاما)، ليستقر في كاليفورنيا، ثم يدخل الجيش
الامريكي، فالشرطة بصفة محقق، وفي 1999م عمل في ال(FBI)، ولانه يتقن اللغة
العربية، ويملك مواصفات اخرى، اختير ليرافق صدام في زنزانته في مطار بغداد،
ويطرح عليه اسئلة يبحث الامريكيون عن اجاباتها، لكن بعد اطلاعنا على هذه
الوثائق، نؤكد ان صدام قد نجح في خداع الامريكان اذا كانوا قد صدقوا ماقاله
لهم من (سوالف).
ونقلت هذه الوثائق عن صدام، انه يرى في رجال الدين في ايران انهم العدو
الاساسي للعراق، اما الولايات المتحدة فليست عدواً، رغم الخلافات مع آل
بوش، وهذا يذكرني بتصريح رئيس وزراء اسرائيل المتشدد بنيامين نتنياهو الذي
اعلن قبل اسابيع ان ايران عدو مشترك للعرب واسرائيل.
كما ان صدام قال للمحقق الامريكي انه كان ينوي توقيع اتفاقية امنية مع
واشنطن، لتأمين حماية العراق من الخطر الايراني!! والكلام لبيرو الذي نقل
عن صدام انه لم يحدد حقيقة اسلحة الدمار الشامل العراقية ليوهم ايران انه
يمتلك هذه الاسلحة!!!
وهذا خلاف سياسة صدام في اعقاب غزوه الكويت عام 1990 بعد ان عاد الى
اتفاقية الجزائر، وارسل الوفود الى ايران، ثم اودعها اكثر من 149 طائرة
عسكرية اضافة الى عدد من الطائرات المدنية العراقية!!!
اضافة الى هذه التناقضات فاننا نحن العراقيون لانرى في هذه المعلومات اي
جديد، بل انها لخصت مسلسل الكذب والقصص الخيالية، الذي اتخمتنا بها وسائل
اعلام صدام، خلال الثمانينات والتسعينات، لغاية سقوطه.
وكذلك فان هذه المعلومات ايضا، لاتمثل جديدا بالنسبة للمتابعين والمختصين،
فقد ضمنها الكاتب الامريكي (رونليد كاسلر) في كتابه (ذ تيروريست وتش) الذي
صدر في تشرين الثاني الماضي، ضمن فصول تطرقت باسهاب لبيرو و لتلك القضايا،
وقضايا اخرى خاصة بصدام، منها انواع الويسكي، والسيكار، الذي يفضله،
وعلاقته بالنساء، و باولاده، وافراطه بالنظافة وكيف كان يقضي يومه، وغيرها
من المسائل الاخرى.
ولكن الجديد في الموضوع هو توقيت نشر تلك الوثائق الذي جاء في يوم الاول من
تموز وهو يوم السيادة العراقية على المدن والقصبات، اضافة الى ذلك فأن نشر
هذه المعلومات تزامن مع اعلان وكالة انباء (أسوشييتدبرس) العثور على (كنز)
من الصور التاريخية في مخبأ تحت الأرض في لندن، يحتوي على 3500 ساعة من
نوادر الصور التي تغطى أخبارا دولية خلال الستينات والسبعينات، ابرزها
مقاطع تظهر صدام حسين يتجول في احدى المنشات النووية الفرنسية وخلفه الرئيس
الفرنسي السابق جاك شيراك ايام كان يشغل منصب عمدة باريس ووزعتها الوكالة
الى مئات المشتركين.
وبعد كل هذا التذكر لشيء نسيناه، الا يجب ان نتذكر جميعا، سواء كنا رجال
صحافة او دبلوماسية او رجال دولة ومعهم صديقي الدبلوماسي العراقي، يجب ان
نتذكر ان النسيان اذا كان لدينا (نعمة)، يتساوى بها نسيان صدام، ونسيان
فاجعة بفقد محب، او آثار صدمة عاطفية، فهو لدى غيرنا سياسة، فأن تشابهت
دواعي واعراض النسيان، وفق المفهوم العراقي، لكنها لاتتشابه لدى الغير الذي
ينسى بشكل مختلف، ربما ينسى مانتذكره، ويتذكر ماننساه او نتناساه، فنسياننا
فطري.. عاطفي، ونسيانهم، وتذكرهم مخطط له باحكام، انه نسيان لعين، وتذكر
العن، فأحذروا النسيان رجاء.
يوم للعراقيين جميعا
العدد ( 261)الاثنين
29/6/2009
رافق قيام الدولة العراقية الحديثة لغاية نيسان 2003 حالة من عدم الاستقرار
على تأريخ محدد، يتفق عليه الجميع ليكون عيدا وطنيا خالدا للامة العراقية،
كحال سائر الامم التي تحتفل بايامها الوطنية التي تجمع تطلعاتها وتختزل
تأريخها ومستقبلها.
والمثير ان العراق الحديث لم ينعم بالاحتفال بيوم الا وكان مثار جدل، يقسم
العراقيين الى مؤيد مستفيد، ومعارض متضرر، الى منتشي بسلطته، ومنكسر
بغربته، الى مسرور بمكاسبه، ومتألم لخسارته، الى مواطن حكومي يبحث عن توسيع
مصالحه، ومواطن لاحكومي يبحث عن ذاته خارج دائرة نفوذ الحكومة، او بين هذا
وذاك.
واصبح الامر من المسلمات، وكل حسب قراءته للحدث الذي يمثله اليوم، فيوم مثل
14 تموز جزأ العراقيين الى ملكيين ، وجمهوريين، ويوم 14 رمضان قسم
العراقيين، لابل قصم الجسد العراقي الى اتجاهين، لايمكن ان يلتقيا، في
التفسير والتأمل والاجندة السياسية التي وفقها يتباين وصفه من (العرس
الثوري) الى اشد الايام اسودادا على الاطلاق.
و كانت السلطة تتفنن في توظيف الايام، والاحتفال بمناسبات لاتحمل عمقا
شعبيا، اذ تحتفل بتواريخ لاعمق لها، على انها ايام رمزية، لكنها ايام تحمل
وقعا اليما لدى اغلب العراقيين، لانها بالتأكيد حملت مآسي كثيرة كانت
اغلبها تواريخ الانقلابات والحروب، التي حصدت ارواح مئات الالاف من ابناء
الشعب.
لكننا الى اليوم لم نتمكن من الاتفاق على تحديد هوية الايام التي مرت بنا،
واختلفنا في التفسير والتامل، لاسيما في تحديد الايام التي يحتفل بها
الشعب، حتى يوم مثل 9 نيسان الذي يجسد زوال البعث وسقوط نظامه اصبح محل
اختلاف، بين عنوانين تحولا الى اشبه بالخطوط الايديولوجية، او الاجندات
المتضادة، وهما (الاحتلال) و (التحرير) وللاسف عملت قوى كثيرة ومنها
الامريكان انفسهم على ترجيح كفة العنوان الاول بقصد او بدونه، الى ان اصبح
وجود القوات الامريكية، عبئا كبيرا على الشعب والحكومة العراقية، وصاروا من
اثقل الضيوف على الاطلاق.
فقد اسهمت اخطاء هذه القوات في الحيلولة دون ان يكون يوم 9نيسان مناسبة
رمزية وطنية اشبه بما حصل في الكويت عام 1991م مع الاختلاف في المشهد، فمنذ
التعامل الهزيل وغير المسؤول للقوات الامريكية مع واقع مابعد صدام، حتى
تحولت الى الجزء الاهم في كل السلبيات التي رافقت بناء عراق ديموقراطي
جديد، بدءا من عمليات السلب والنهب وحرق مؤسسات الدولة العراقية في وضح
النهار، ثم ما اعقبها من عمليات (القتل الخطا) و(فضائح ابو غريب)، وعمليات
الدهم العشوائية ومارافقها من سلبيات، وجرائم قامت بها (بلاك ووتر) وغيرها
من الشركات الامنية، الغريبة عن البلاد، اضافة الى السلوك اللاحضاري
للارتال الامريكية اثناء تنقلاتها بين شوارع المدن، دون ان يرى الناس ان
لذلك هدفا واضحا سوى تعطيل حركة المرور واستفزاز المواطن العراقي هذا الذي
يخص القوات الامريكية بشكل مباشر اما غير المباشر فيحتاج الى مباحث اخرى.
كل هذه الامور وامور اخرى، جعلت الحكومة العراقية ترفع شعار جدولة
الانسحاب، وتضعه في مقدمة اولوياتها، (لتثبت للجميع انها حكومة تستند الى
الشعب لا الى قوات اجنبية)، الى ان تمكنت من تحقيق ذلك الهدف، بعد توقيع
اتفاقية انسحاب القوات الامريكية، وبناء على ذلك سيكتمل انسحاب هذه القوات
من المدن العراقية بتاريخ 30 حزيران 2009 ليبدا عصر جديد للعراق
الديموقراطي، وامتحان لارادة شعبه.
وبهذا نحن ازاء يوم تنتهي فيه ست سنوات من الوجود الامريكي في مدننا
وقصباتنا، يوم ينتهي فيه (الاحتلال)، وبذلك تنتهي ذرائع من جعلوا من
(الاحتلال) مرتكزا لما اثاروا من فوضى، وتخريب، وتفجيرات، وشغب، وادعاءات
اعلامية، وتصريحات نارية، كلها بعنوان (المقاومة) اي مقاومة الاحتلال.
لذلك يجسد هذا اليوم مناسبتين، الاولى تحرير العراق من الديكتاتورية، والتي
تاخر الاحتفال بها ست سنوات عن موعده، وأخرى بتحرير العراق سلميا من القوات
الامريكية، وهو انتصار لنوع من انواع المقاومة السلمية، الذي مارسته
الحكومة، والقوى السياسية، والشعبية والامنية العراقية، التي قالت كلمتها
وستقول كلمتها بعد هذا اليوم الخالد.
وهنا.. اليس من حقنا ان نتامل في هذا اليوم، افلا يستحق ان يكون يوما وعيدا
وطنيا يجسد رغبات واماني كل العراقيين، على خلاف الايام التي التي قسمتهم
الى غالب ومغلوب، فالغالب في 30 حزيران هو الشعب العراقي، هو الارادة
العراقية، هو الدولة العراقية.
ذاكرتنا المسروقة
العدد ( 257)
الثلاثاء
23/6/2009
بينما كان المقدم (بريان ماك كوي) يعطي اوامره الى
مجموعة من جنود فوج البحرية الرابع الاميركي، باقتلاع التمثال الذي وضعه
صدام لنفسه وسط ساحة الفردوس، كان رجال آخرون تختلف مرجعياتهم واغراضهم
يعدون العدة للانقضاض على المباني الحكومية المختلفة، ومنها المتحف الوطني
العراقي، الذي فقد اكثر من سبعة الاف قطعة اثرية، ومركز الفنون التشكيلية،
الذي فقد اكثر من خمسة الاف لوحة تشكيلية، ومبنى التلفزيون الذي فقد
الخزائن النادرة للذاكرة البصرية للعراق، ولانريد هنا ان نلوم الاميركان
على اهمالهم، وسوء تقديرهم.
لكن مانريد قوله ان الارشيف السمعي - البصري العراقي لم ينل نصيبه من
التركيز الاعلامي رغم اهميته، ورغم انه تعرض لعمليات سرقة تبدو منظمة، ومن
قبل اشخاص يعرفون انهم سيجنون ارباحا طائلة من عائدات المتاجرة بهذا
الارشيف، اضافة الى قيام الدهماء بحرق ماتبقى من اشرطة صوتية وصورية، داخل
قاعات التلفزيون العراقي، ومؤسسة السينما والمسرح في الصالحية، ولانريد ذكر
تفاصيل اكثر، لان تحقيقا بسيطا تقوم به الجهات الامنية سيكشف الكثير من
المفاجآت.
هذا الارشيف الذي يمثل الذاكرة البصرية للعراق الحديث، بتاريخه السياسي،
وبثقافته وابداعه، الذي لا يقدر بثمن، يتضمن مواد خام، وافلام تسجيلية، عن
بدايات الدولة العراقية، وخطب للملوك والرؤساء الذين حكموا العراق،
واستعراضات عسكرية في عصور مختلفة، ويسجل انشطة واحداث سياسية وثقافية
ورياضية على درجة بالغة من الاهمية.
بعض هذه المواد تتعلق بالحقبة الملكية، والكثير منها يتعلق بالحقبة
الجمهورية، منها الخاص بالزعيم الخالد عبد الكريم قاسم من بداية حكمه الى
مقتله داخل احد استوديوهات التلفزيون العراقي، وكذلك مايتعلق بالمشير عبد
الرحمن عارف لاسيما تصوير بقايا الطائرة التي انفجرت به في البصرة سنة
1966م اضافة الى تسجيل مراحل حكم نظام البعث وبدايات صعود صدام الى السلطة
والحرب العراقية الايرانية واحداث مهمة اخرى.
كما يتضمن موادا تسجيلية مختلفة تضم اكثر من 400 مادة وثائقية، بضمنها
فيلما تسجيليا عن مدينة النجف الاشرف، سجل في مطلع السبعينات ويظهر فيه
تسجيل نادر جدا للسيد الشهيد محمد باقر الصدر، وهو يتحدث عن المدينة، وهو
التسجيل التلفزيوني الوحيد للشهيد الصدر حسب معلوماتي.
ناهيك عن مانتجته السينما العراقية عن مايقرب المئة فيلم سينمائي، اضافة
الى المسرحيات والاغاني التراثية، والاعمال الدرامية التي وثقت مراحل من
تاريخ الريف والمدينة في العراق والبرامج والمهرجانات الثقافية والابداعية
المختلفة.
وبرغم الجهود التي قامت بها شبكة الاعلام العراقي لجمع الارشيف الوطني
واستحداثها وحدة متخصصة بهذا الارشيف تضم عدة آلآف من الاشرطة، الا ان
مانسمعه ونلمسه كل يوم هو ان نوادر ارشيفنا الوطني متوزعة على فضائيات
محلية، وعربية، واجنبية، وعلى اشخاص من هواة المتاجرة بالنوادر.
وهي تباع وتشترى كل يوم ليس في الباب الشرقي وحديقة الامة وسط بغداد، بل في
عمان ودبي والقاهرة وبيروت من قبل بعض المنتجين او المخرجين او من بعض
الذين اسهموا في هذه الاعمال، والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو، من اعطى الحق
لهؤلاء في حيازة او عرض مواد تعود حقوق ملكيتها الى التلفزيون العراقي
السابق اي الدولة العراقية.
ولذلك نرى ان ما تقدم يطرح امامنا امرين، الاول يتعلق بأهمية قيام الحكومة
بالانتباه الى اهمية جمع الارشيف السمعي- البصري للعراق ومعاملته بأهمية
الاثار التي نهبت من المتحف الوطني وذلك عبر قيام شبكة الاعلام العراقي
بحملة ممولة ومدعومة حكوميا ومن اعلى المستويات، لاعادة الارشيف البصري
العراقي وتصليح المتضرر منه بالاستعانة بشركات متخصصة، ثم استخدام احدث طرق
التكنولوجيا لحفظ هذه النفائس. اما الامر الثاني فيتعلق بالعمل على تشريع
وتنظيم قوانين الملكية الفكرية وتحديد الاشخاص والشركات المحلية والعربية
والعالمية التي بحوزتها اجزاء من هذا الارشيف وملاحقتها قضائيا.
اوباما في القاهرة
العدد ( 246)الاثنين
8/6/2009
لايختلف اثنان ان رسالة اوباما التي القاها من جامعة
القاهرة كانت حدثا مهما سيكون الاساس لاستراتيجية اميركية جديدة، لفصل
التطرف عن الاعتدال في العالمين العربي والاسلامي، ولأني من بين عدد محدود
من الصحفيين تمت دعوتهم للجلوس على مدرجات قاعة القبة في جامعة القاهرة،
ليقفوا امام الفتى الاسمر النحيف، ويتمتعوا بالاستماع الى مهاراته الخطابية
التي ذاع صيتها، وكانت لي مشاهدات وددت الحديث عنها، بعيدا عن تحليل مضامين
ذلك الخطاب.
فقبل ان يحضر اوباما الى القاهرة التي احتفلت حتى الصباح بواقعة الزيدي،
(وكرم ضيافته) قبل شهور، عندما كان الرئيس الاميركي ضيف على بغداد، لتوقيع
اتفاقية خروج قواته من عاصمة العباسيين، لم يبد ان قاهرة المعز لدين الله
الفاطمي انها هي المدينة التي عرفناها تكره اميركا حتى النخاع، ولم يكن ذلك
اكتشاف منا، بل الامر معلن في صحافتها وحوارات مثقفيها واحاديث مقاهيها.
تخلت ام الدنيا عن مشاعرها السلبية تجاه اميركا، وعن شيخوختها، وبدت كعذراء
في يوم دخلتها... بانتظار عريسها..فقد غادرها الاهمال فجاة، واصبح الاهتمام
ظاهرا، فلا تقع عينيك على رصيف او زاوية، او ركن، او سياج جسر، دون ان
تلاحظ ايادي العمال وقد امتدت اليه لتنظيفه، اوتجديد طلائه، لاسيما تلك
المواقع التي سيراها اوباما في طريقه عندما يتنقل بالسيارات المصفحة من قصر
القبة، الى الجامعة فالهرم.
ناهيك عن الاجراءات الامنية التي تميزت هي الاخرى في بلد يتفوق فيه الامن
الى درجة كبيرة، لكنه امن بلا قمع او انتهاك حرمات على طريقة (عفية وعفية
وعفية.(
وفي اليوم المقرر لوصول اوباما استيقض الجميع مبكرين على غير مااعتادوا في
مدينة تتميز بليلها الطويل، وتسمروا امام شاشات التلفزيون فكان يوما مشهودا
منذ بدايته وكل الاحتمالات واردة.
وتم توزيع عدد محدد من رجال الامن الذين يرتدون البزات العسكرية في مداخل
الجامعة فيما لم يظهر للعيان الالاف من القناصة ورجال المباحث والمخابرات
الاميركيين والمصريين الذين انتشروا دون ان يراهم احد، ليؤدوا مهمة حماية
رئيس الولايات المتحدة وتأمين تنقلاته بعد ان قرر القاء كلمته في مكان
وزمان معلومين وفي بلاد غير بلاده.
وفي داخل القاعة الفخمة المقسمة الى ثلاث طوابق كان التنظيم ودقة الاختيار
واضحة للعيان حيث تم تقسيم القاعة وتوزيع الجالسين حسب الفئات، فركن لرجال
الصحافة، وآخر لطلبة الجامعة الاميركية، وآخر لطلبة جامعة القاهرة، ولم
يحصل تدافع على الكراسي او تزاحم على الجلوس، او حجز مقاعد لآخرين من الذين
فاتهم ان يستيقضوا باكرا، لان هناك التزام صارم بالتعليمات رغم انك لاتشاهد
من المنظمين داخل القاعة سوى فتيات على درجة من الجمال والاناقة فيما وقف
الرجال عند المداخل وفي محيط القاعة.
وفي الطابق الارضي تقدم صفوف الجالسين رئيس الوزراء المصري احمد نظيف،
واعضاء حكومته، وامين عام الجامعة العربية، وامام الازهر الشيخ محمد سيد
طنطاوي، والبابا شنودة، وتبعهم في الجلوس، عدد من رجال الازهر، ومن زعماء
الاقباط، وعدد من رجال السياسة، حكومة ومعارضة، وكان بينهم المعارض ايمن
نور، وعدد من النواب الاخوان، والاحزاب الاخرى، وقد حضر من الفنانين كل من
عادل امام، ويسرى، ومحمود ياسين، وليلى علوي، وعزة العلايلي، واشرف زكي
وآخرون.
وتم تأمين قاعة اخرى للمئات من رجال الصحافة الذين لم يكونوا من بين ممن
تمت دعوتهم لدخول قاعة القبة ليراقبوا الحدث عبر الشاشات وقد جهزت القاعة
بالحواسيب والهواتف والخدمات الاخرى.
دخلت هيلاري كلنتون من مدخل الضيوف لتتقدم صفوف الجالسين فيما دخل اوباما
القاعة عبر ستارة جانبية اعدت له بمفرده، ليقابل حال دخوله بعاصفة من
التصفيق وكانه نجم جماهيري محبوب، ووقف خلف المنصة التي حملت شعار الولايات
المتحدة الاميركية بلا عريف حفل ولامقدمات ولااهلا ولاسهلا، وبادر الحديث
هو لياخذ زمام الامور بمفرده، ولم يكد يكمل عبارة، حتى قاطعه الحاضرون
بالتصفيق الحار.
وانا احسب لو ان اوباما القى رسالته من بغداد لطرقع المصفقون اصابعهم،
وادخلوا اياديهم في جيوبهم واخرجوا السنتهم ليكيلوا لاميركا الشتائم، وسوف
لن تسلم بغداد من شتائمهم لانها فتحت ذراعيها لرئيس اكبر دولة اجنبية
معادية (للعروبة والاسلام.(
امير المجرمين!
العدد ( 236)الاثنين
25/5/2009
سمعناك قبل سنتين من خلال خطبتك التي اسميتها (حصاد
السنين) تصدح بلسان فصيح بأنك أعلنت (دولة الإسلام) وأنها دولة (هجرة
وجهاد) وانك "لم تكن تكذب على الله ثم على الناس" الذين تخيلوا انك من
بقايا السلاطين الخارجين من حكايا الف ليلة وليلة.
والان بعد ان رأيناك عبر شاشة التلفزيون بعينيك الذابلتين القلقتين، ووجهك
الشاحب، وصوتك المرتجف، تتلعثم بالكلمات، تختلس النظرات الى من حولك،
متشبثا بخيط الحياة، نريد ان نوجه لك سؤالا؟؟
فهل رجل مثلك يعرف الله واي اله تعبد انت ؟؟ ثم اي اناس هم الذين تتكلم
عنهم .. هل ناسك واتباعك، الذين يمارسون الفتك بالابرياء بدم بارد .. ام
لصوصك الملثمون الذين يسرقون الاموال، ويذبحون الاطفال، ويحرقون المنازل
الآمنة..
لقد سمعناك ورأيناك، بعد طول انتظار وترقب، وانت تجلس في مكانك الذي
تستحق.. لتعلن امام المحققين وامام الكاميرات، انك كنت تكذب على الله ..
وعلى الناس الذين كنت تأمر بقتلهم واستباحة مالهم..وان دولتك بجيشها،
ووزاراتها، واعلامها هي كذبة كبرى لايذاء الناس في العراق وشق صفوفهم..
وهدم اواصر تماسكهم.. ولحمتهم الاجتماعية... حتى اسمك الذي اخترته..كان
كذبة سوداء، فلا انت بغدادي، ولاقريشي، ولاحسيني.. فقط كان الاسراف في
الطائفية هو الغاية لاغير..فلا عمر، ولا الحسين يرتضون ما انت فاعل بالامة
التي رسموا لها طريق الخلاص من الادعياء من امثالك.
لان رسالتك هي بث الطائفية والخراب، امتثالا لاوامر اسيادك من غير
العراقيين، وممن ارتهنوا العراق لمصالحهم فقد كانوا يتقنون لعبة السادة
والعبيد، منذ الزمن الصدامي المظلم..دون ان يكترثوا بحال سواد الناس.. الست
انت القائل "وان كان الامريكان هم ايضاً عدواً رئيسياً ولكن الرافضة خطرهم
اعظم وضررهم اشد وأفتك في الامة" وأي امة تلك التي تتحدث عنها. هل تصلي
يامير اللامؤمنين.. وكيف تبدا صلاتك.. هل تنطق بالشهادتين.. وتستقبل
القبلة.. وتقرأ سور من القرآن.. كلا لا استطيع تخيل ذلك.. لابد انك تقرا
اشياء من كتاب آخر .. والا ماذا قالت لك نفسك وانت تتلقى (البشائر) بهلاك
الناس.. وتفحم اجسادهم.. وانهمار دمهم ودموع احبتهم.. وهل جاءوك بخبر
انفجار تستعر ناره وسط جموع من ابرياء لاناقة لهم ولاجمل.. هل سمعت بقوله
تعالى في الاية 93 من سورة النساء (ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم
خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما).
هذا هو انت يامير دولة الخراب اللاسلامية.. لاادري من انت.. ومن جاء بك..
وماذا تريد بالضبط.. هل رغبة في دخول جنة هي جهنم وبئس المصير.. ام لدخول
التاريخ الذي سيفتح اليك حاويات قمامته النتنة.. ام لطمع دنيوي بالمال
المسروق، والشهرة المخزية على مر الاجيال.
يابطل الفتك بالآمنين من عجائز ونسوة يصطحبن اطفالهن الى (سوق مريدي) و(سوق
الاولى) و(سوق شلال) و(سوق البياع) واسواق (الكاظمية) و(الشعلة)، بحثا عن
(السلعة الزهيدة) والقوت اليومي من (خضار) و(خبز) و(سلع) بسيطة اخرى ربما
تكون (ملابس مستعملة) في (تسوق بدائي) لاتنطبق عليه شروط مفردة (تسوق)
بالمفهوم الذي يعرفه من يمدك بالمال او مفهومك انت او من ترسله (ليتسوق)
اجساد برئية ليزهق ارواحها بضغطة زر على جهاز اعد للفتك بالانسان والحجر..
يامن تلاحق بسياراتك المفخخة (باعة الفلافل) على ارصفة الشعلة و(باعة
الثلج) في احياء المنصور، وباعة الطماطم، والخيار، في الدورة وديالى وآخرون
ممن حولتهم الى هدف استراتيجي تقوم على هلاكهم دولتك الضالة.
ولابد انك تتذكر (عمال البناء) الباحثين عن رزق يومهم الذي لا يعينهم على
تكاليف يوم اخر، ولابد انك يا ابا عمر تتذكرهم وهم في (ساحة الطيران)
و(ساحة العروبة) ولكن قلبك الغليظ لايتصور كيف تركوا اطفالهم بلا وداع،
لانهم تسابقوا على الاستيقاظ فجرا، والفوز بفرصة عمل ليوم واحد.. على امل
ان يرجعوا آخر النهار ببعض الدنانير التي ربما تتحول الى خبز وخضار وشيء من
البسكويت او الحلوى التي ينتظرها الاطفال.. ولكن رحلوا ولم يعودوا بفضلك يا
(امير المؤمنين..)
ولاننسى انك تفضل مواكب الزائرين الذين يسخرون جهدهم العضلي والروحي
للعبادة و(يقرضون الله قرضا حسنا) ويتقربون اليه جل شأنه من خلال زيارة
اوليائه، وانت تدعي انك خليفة الله وتتقرب اليه في الفتك بعباده، بعد ان
اجلست نفسك في (دار الاسلام) واجلستهم في (دار الحرب) وياليتك عاملتهم
معاملة (الخارجين عن الملة) وطالبتهم بالجزية او القيت عليهم الحجة بدل
البارود و(مسامير وكرات) النار يامن لاتملك الحجة..
بل انك لاتملك الا الخوف من حبل يشنقك، وتظن انه كل ماتبقى لك.. ولكني
اذكرك بالاجساد التي قطعتها مخالب الموت الذي صنعته، والارواح التي ازهقتها
ارادتك السوداء، والليالي الحزينة التي رسمتها صناعتك البائسة، وانتجت
جيوشا من الارامل والايتام..ولا املك الا ان اقول لك تبت يداك بما صنعت
يامير المجرمين.
|